Quantcast
2026 يوليو 29 - تم تعديله في [التاريخ]

شبكات التواصل الاجتماعي.. السلطة الناعمة

عمر بنعياش: "المنصات الرقمية تمنح المستخدم إحساسا بالتحكم بينما توجهه الخوارزميات في الخفاء"..


حين تمنحنا المنصات وهم التحكم

شبكات التواصل الاجتماعي.. السلطة الناعمة
*العلم إلكترونية: سلمى يفلح - صحفية متدربة*
 
أصبح الإنسان اليوم يعيش داخل شبكة رقمية متداخلة، حتى بات يوصف ب "الإنسان الشبكي" حيث أضحت التكنولوجيا جزءا أساسيا من تواصله وتفاعله مع العالم. وفي ظل هذا التحول الرقمي تحولت مواقع التواصل الاجتماعي من أدوات للتواصل إلى فضاءات تستحوذ على جزء كبير من وقت الأفراد وانتباههم. فخلف التدفق المستمر للمنشورات ومقاطع الفيديو والإشعارات، تعمل آليات رقمية مصممة للحفاظ على حضور المستخدم داخل هذه المنصات لأطول مدة ممكنة، في علاقة تبدو قائمة على الاختيار، لكنها تخفي تأثيرا أعمق مما يبدو في الظاهر.
 
ولم يقتصر تأثير هذه المنصات على طريقة استهلاك المعلومات، بل امتد إلى طبيعة العلاقات الاجتماعية داخل الأسرة والمجتمع. فقد أصبحت مشاهد أفراد العائلة وهم يجلسون في المكان نفسه، بينما ينشغل كل واحد منهم بهاتفه، من أكثر المشاهد تكرارا في الحياة اليومية. وتراجعت، في المقابل، جلسات الحوار والتفاعل المباشر التي كانت تجمع أفراد الأسرة، ليحل محلها تواصل افتراضي متواصل، جعل الكثيرين أقرب إلى العالم الرقمي منهم إلى محيطهم الحقيقي.
 
وفي ظل هذا التحول، لم تعد المنصات الرقمية مجرد فضاءات للتواصل، بل أضحت تقوم على نموذج اقتصادي يعرف بـ "اقتصاد الانتباه"، يقوم على تحويل وقت المستخدم وتركيزه إلى مورد اقتصادي ذي قيمة عالية. ويعتمد هذا النموذج على جذب انتباه المستخدمين بشكل مستمر، من خلال محتويات متجددة وإشعارات متواصلة، بما يهدف إلى إبقائهم داخل المنصات لأطول فترة ممكنة.
 
وفي هذا السياق، يوضح الأستاذ الجامعي والباحث في علم الاجتماع عمر بنعياش، في تصريح لجريدة العلم، أن التعلق المتزايد بمواقع التواصل الاجتماعي لا يمكن تفسيره فقط بضعف إرادة المستخدمين، وإنما يرتبط بمنظومة اقتصادية وتقنية صممت أساسا لاستقطاب الانتباه وتحويله إلى مصدر للربح. ويشير إلى أن المستخدم يعتقد أنه يتحكم في طريقة استخدامه لهذه المنصات، بينما تعمل الخوارزميات في الخلفية على توجيه اختياراته من خلال آليات دقيقة تؤثر في طبيعة المحتوى الذي يصل إليه.
 
ويشير الباحث إلى أن الشباب يظلون الفئة الأكثر تعرضا لهذا التأثير، بالنظر إلى ارتباطهم الكبير بالعالم الرقمي وتوفرهم على وقت طويل تقضيه نسبة منهم في تصفح المنصات. كما أن التطور المستمر للخوارزميات المدعومة بالذكاء الاصطناعي جعل هذه المنصات أكثر قدرة على توقع اهتمامات المستخدمين واقتراح محتويات قادرة على جذب انتباههم.
 
ويضيف الباحث أن مختلف أنشطة المستخدم داخل هذه المنصات، من بحث أو إعجاب أو تعليق أو مشاهدة، تساهم في إنتاج بيانات تساعد على فهم سلوكه واهتماماته، بما يسمح باقتراح محتويات تتوافق مع ميولاته وتدفعه إلى البقاء مدة أطول داخلها. ويؤكد أن هذه العملية تجعل انتباه المستخدم موردا اقتصاديا تستفيد منه الشركات الرقمية، رغم أن الفرد لا يشعر غالبا بأنه يقدم مقابلا حقيقيا مقابل الخدمات التي يحصل عليها و هذا ما وصفه الخبير ب "السلطة الناعمة" فهي لا تجبر المستخدم على البقاء داخلها، ولا تفرض عليه استخداما معينا، بل تمنحه إحساسا دائما بأنه صاحب القرار.
 
ورغم أن هذه المنصات تقدم نفسها باعتبارها خدمات مجانية تتيح التواصل والترفيه والوصول إلى المعلومات، فإن نموذجها الاقتصادي يقوم على استثمار وقت المستخدم واهتمامه. إذ يشير الخبير أن المستخدم لا يدفع مقابلا ماليا مباشرا، لكنه يقدم موردا ثمينا يتمثل في انتباهه وبياناته، وهو ما يفسر التنافس الكبير بين الشركات الرقمية على كسب أكبر قدر ممكن من وقت الأفراد.
 
ويؤكد الباحث عمر بن عياش أن مواجهة هذه الظاهرة لا يمكن أن تقتصر على الدعوة إلى تقليل استخدام الهواتف الذكية، لأن الأمر يتعلق بمنظومة اقتصادية وتقنية متكاملة. لذلك، فإن الحد من تأثيرها يقتضي تعزيز الوعي بكيفية اشتغال المنصات الرقمية، إلى جانب توفير بدائل ثقافية ورياضية واجتماعية تستثمر وقت الشباب، وتعيد الاعتبار للعلاقات الإنسانية المباشرة.
 
وفي وقت تتنافس فيه المنصات الرقمية على كسب كل ثانية من انتباه المستخدمين، لم يعد الثمن الذي يدفعه الأفراد يقتصر على الوقت فقط، بل يمتد إلى طبيعة العلاقات التي تربطهم بمحيطهم الأسري والاجتماعي. فكل دقيقة يقضيها المستخدم أمام الشاشة تمثل قيمة اقتصادية بالنسبة للمنصة، لكنها قد تعني في المقابل دقيقة أقل من الحوار والتواصل والتفاعل الإنساني. وبين منطق الربح الذي يحكم هذه المنصات، والحاجة إلى الحفاظ على التوازن في استخدام التكنولوجيا، يظل الوعي الرقمي هو السبيل الأهم حتى يبقى الإنسان هو من يتحكم في التكنولوجيا، لا أن تتحكم هي في حياته.

              
















MyMeteo




Facebook
YouTube
Newsletter
Rss

الاشتراك بالرسالة الاخبارية
أدخل بريدك الإلكتروني للتوصل بآخر الأخبار