اعتبر السيد محمد بنعليلو، رئيس الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها الصحافة المهنية أحد الأعمدة الأساسية لأي منظومة فعالة للنزاهة والشفافية والمساءلة، مؤكدا أن المجتمعات التي تنجح في الحد من الفساد ليست فقط تلك التي تتوفر على مؤسسات رقابية وقضائية قوية، وإنما أيضا تلك التي تمتلك إعلاما مهنيا مستقلا قادرا على كشف الاختلالات، وفهم أسبابها، وتحويلها إلى موضوع للنقاش العمومي المسؤول.
وأوضح رئيس الهيئة في افتتاح أشغال الورشة التكوينية التي نظمتها الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها يومي 13/13 يونيو 2026، بشراكة مع منتدى الإعلام والمواطنة حول موضوع "آليات وضوابط التناول الإعلامي لقضايا الفساد والرشوة" أن الصحفي لا يقتصر دوره على نقل الوقائع أو الوساطة بين الخبر والمتلقي، بل يعد فاعلا أساسيا في إنتاج الوعي العام وتوسيع دائرة اليقظة المجتمعية وتعزيز قدرة المواطنين على فهم القضايا المرتبطة بالنزاهة والشفافية والمساءلة. وأبرز أن العديد من التجارب الدولية أظهرت أن بعض ملفات الفساد الكبرى لم تبدأ بتقارير رقابية أو إجراءات قضائية، بل انطلقت من أسئلة صحفية جادة أو تحقيقات استقصائية مهنية أو من قدرة عمل صحفي على الربط بين معطيات متفرقة وتحويلها إلى معرفة عامة تكشف مواطن الخلل ومخاطر الانحراف.
وقال إن الجرأة تظل من القيم المؤسسة للعمل الصحفي، غير أن التحدي الحقيقي يكمن في جعلها قائمة على الدقة والتحقق والمسؤولية المهنية. كما شدد على أن التناول الإعلامي لقضايا الفساد يظل من أكثر مجالات العمل الصحفي حساسية وتعقيدا، بالنظر إلى ما يفرضه من توازن دقيق بين الحقوق.
كما توقف رئيس الهيئة عند الإكراهات المتزايدة التي تواجه الصحفيين العاملين في هذا المجال، وفي مقدمتها صعوبة الولوج إلى المعلومة، وتعقيد الملفات المالية والإدارية، وضغط الزمن الإعلامي، وهشاشة النموذج الاقتصادي لبعض المؤسسات الإعلامية، والمخاطر القانونية المرتبطة بالقذف والتشهير، وضغط الرأي العام، فضلا عن محاولات التوظيف والاستعمال من قبل أطراف ذات مصالح متعارضة.
وأكد السيد بنعليلو أن الحديث عن مسؤولية الصحافة في مكافحة الفساد لا ينبغي أن يتحول إلى تحميل الصحفي وحده أعباء المنظومة برمتها، لأن الصحافة المهنية لا تستطيع أداء وظائفها كاملة إلا داخل بيئة مؤسساتية داعمة توفر حقا فعليا في الحصول على المعلومة، وتضمن تواصلا عموميا واضحا وشفافا، وقضاء يحمي الحقوق والحريات، وتكوينا متخصصا، ونموذجا اقتصاديا يسمح بإنجاز التحقيقات المعمقة والمكلفة بدل الارتهان لمنطق السرعة والإثارة.
وفي معرض حديثه عن استقلالية الصحافة، أوضح رئيس الهيئة أن الاستقلالية لا تعني فقط الاستقلال عن السلطة، بل تعني أيضا الاستقلال عن مختلف مراكز الضغط والمصالح وعن المعلومات الموجهة والوثائق المنتقاة والمصادر التي تسعى إلى توظيف الإعلام لخدمة أجندات خاصة. واعتبر أن الحفاظ على هذه المسافة النقدية تجاه جميع الفاعلين دون استثناء يمثل إحدى الضمانات الأساسية لمصداقية العمل الصحفي.
كما حذر من بعض الممارسات التي قد تضعف الأثر الحقيقي للصحافة في مكافحة الفساد، وعلى رأسها تضخم الخطاب حول الفساد في غياب المعطيات الكافية والأدلة الموثقة. وأوضح أن الإغراق في الحديث عن الفساد قد يعكس يقظة مجتمعية صحية عندما يستند إلى أسس مهنية صلبة، لكنه قد يؤدي إلى نتائج عكسية عندما يتحول إلى اتهامات عامة أو استنتاجات غير موثقة، بما قد يفضي إلى تطبيع المجتمع مع الفساد أو إلى ترسيخ صورة تبخس جهود الإصلاح ويوحي بأن جميع المؤسسات فاقدة للمصداقية، وهو ما ينعكس سلبا على الثقة العامة وعلى فعالية العمل الإصلاحي نفسه.
وشدد السيد بنعليلو في هذا الإطار على أن مكافحة الفساد تحتاج إلى تعبئة مجتمعية واعية لا إلى إحباط جماعي، وإلى مساءلة دقيقة لا إلى تعميمات فضفاضة، وإلى كشف الاختلالات ومعالجتها لا إلى إنتاج سرديات تجعل الإصلاح يبدو مستحيلا في نظر المواطنين.
وجدد التأكيد على أن الصحافة القوية ليست هي التي تتحدث أكثر عن الفساد، بل هي التي تتحدث عنه بشكل أدق وأكثر مهنية وقدرة على إنتاج أثر إصلاحي فعلي، فالتحدي المطروح اليوم لا يتمثل في إنتاج ضجيج أكبر حول الفساد، وإنما في إنتاج معرفة أعمق حوله؛ معرفة تنتقل من الانطباع إلى الدليل، ومن الإثارة إلى التحليل، ومن التعميم إلى التمييز، ومن الخبر المعزول إلى الفهم المركب للظواهر والسياقات.
من جهتها قالت أمينة غريب رئيسة منتدى الاعلام والمواطنة إن الاشتغال على هذه التيمة للتأكيد على أن الاعلام والمواطن والصحافي المتشبع بهذه الثقافة والممارسة لن يكون سوى القاطرة التي يمكن أن تقود المسؤولين لأخذ القرار المناسب والقانون الفعال، موضحة أن مناطق الظل التي تحدث الخلل في كل المنظومة من لا يمكن الكشف عنها وتسليط الضوء عليها الا بواسطة الاعلام والصحافي.
رئيسية 








الرئيسية




