Quantcast
2026 سبتمبر 11 - تم تعديله في [التاريخ]

صفقة القرن؟.. هل وجدت إسبانيا مخرجًا لأزمة المخيمات؟

جواز إسباني قد يفتح أبواب أوروبا أمام عشرات الآلاف ويغيّر تركيبة مخيمات تندوف.. الكاتبة "فوزية أورخيص" تفكك توقيت القرار الإسباني وتسأل: هل عادت مدريد لجبر خطأ تاريخي، أم أن «صفقة القرن» بدأت بصمت من بوابة الجنسية؟


الكاتبة "فوزية أورخيص"
الكاتبة "فوزية أورخيص"
*بقلم: فوزية أورخيص*
تصويت يعيد فتح باب الجنسية بعد نصف قرن، ويضع عشرات الآلاف أمام طريق محتمل نحو أوروبا.. فهل يتعلق الأمر بجبر تاريخي فقط أم بتحول قد يعيد تشكيل واقع مخيمات تندوف؟

لم يكن يوم أمس، الخميس 10 شتنبر 2026، يومًا عاديًا في البرلمان الإسباني، فقد صادق مجلس النواب على مقترح قانون يتيح استعادة الجنسية الإسبانية للصحراويين المولودين في الصحراء خلال فترة الإدارة الإسبانية، قبل 29 شتنبر 1977، ويفتح الباب أيضًا أمام أبنائهم من الدرجة الأولى للاستفادة منها وفق شروط وآجال محددة.

وحصل النص على تأييد 168 نائبًا، مقابل معارضة 31، فيما اختار 145 نائبًا الامتناع عن التصويت. غير أن هذا التصويت لا يعني أن القانون أصبح نافذًا بصورة نهائية، إذ لا يزال يتعين عليه استكمال مساره التشريعي، ومنه المرور عبر مجلس الشيوخ الإسباني، قبل دخوله حيز التنفيذ.

قد يبدو الأمر، للوهلة الأولى، مجرد تسوية قانونية متأخرة لملف تاريخي، لكن السياسة لا تقرأ دائمًا ما تقوله القوانين فقط، وإنما تقرأ أيضًا توقيتها، والظرفية المحيطة بها، والتحولات الجيوسياسية التي غيّرت، أو قد تغيّر، الجغرافيا السياسية والدبلوماسية، والنتائج التي يمكن أن تترتب عنها.

وهنا يبدأ السؤال الحقيقي: لماذا الآن؟

هل هي ورقة سياسية جديدة بعد طوفان الهجرة الذي شهدته سبتة المحتلة مؤخرًا؟ أم محاولة لتخفيف عبء تاريخي عن طرف ظل فاعلًا في نزاع مسّ هوية سكان المنطقة وحقوقهم، ولوّث تاريخًا يقارب 14 قرنًا؟ وهل تحاول مدريد، بعد دعمها مبادرة الحكم الذاتي في الصحراء تحت السيادة المغربية، فتح نافذة أخرى تراعي من خلالها حسابات داخلية وإقليمية ومصالح لم تتضح جميع تفاصيلها بعد؟

وبالتالي، هل يمكن أن يتحول هذا القانون، من حيث نتائجه لا من حيث النوايا المعلنة، إلى ما يشبه «صفقة القرن» لتفريج أزمة المخيمات؟

إسبانيا لم تعد إلى ماضيها، بعد نصف قرن تقريبًا، لمجرد ترميم أخطائها التاريخية والقانونية بعيدًا عن حسابات حاضرها السياسي. فمنذ انسحابها من الصحراء، ظل الوضع القانوني لفئات من الصحراويين الذين وُلدوا خلال فترة الإدارة الإسبانية محاطًا بتعقيدات كثيرة.

وفي سنة 1976، منحت مدريد، وفق شروط محددة، حق اختيار الجنسية الإسبانية لفئات من «طبيعيي الصحراء»، قبل أن تنتهي المهلة في 29 شتنبر 1977. أما مقترح القانون الحالي، فيأتي بعد قرابة نصف قرن ليعيد فتح الباب، بطريقة استثنائية جديدة، أمام من تتوافر فيهم الشروط القانونية، كما يمنح أبناء المستفيدين من الدرجة الأولى أجلًا خاصًا لطلب الجنسية بعد حصول آبائهم عليها.

لكن المفارقة أن هذا القرار يأتي في لحظة شديدة الحساسية في العلاقات المغربية الإسبانية، وبعد سنوات من تثبيت مدريد موقفها الداعم لمبادرة الحكم الذاتي المغربية باعتبارها الأساس الأكثر جدية وواقعية لتسوية النزاع. كما يأتي عقب أزمة سبتة الأخيرة وما خلفته من توتر وسجال سياسي وإعلامي بين البلدين.

وهذا وحده يكفي لطرح سؤال سياسي، حتى وإن لم تكن له إجابة جاهزة.

* من المستفيد من هذه الجنسية؟

هناك عشرات الآلاف من الأشخاص الذين قد يحصلون على وضع قانوني جديد إذا استكمل النص مساره التشريعي ودخل حيز التنفيذ، بينهم من يعيشون في أوروبا، ومن يوجدون داخل مخيمات تندوف، ومن يقيمون في الصحراء.

وتشير تقديرات أوردتها منظمات ومصادر إسبانية إلى أن عدد المستفيدين المحتملين قد يتراوح ما بين 80 و120 ألف شخص، بينما تحدثت تقديرات أخرى عن نحو 110 آلاف. لكنها تظل أرقامًا تقريبية غير رسمية، لأن العدد الحقيقي لن يتضح إلا بعد تقديم الطلبات وفحص الوثائق وإثبات استيفاء الشروط القانونية.

وهنا بالضبط تصبح أزمة المخيمات جزءًا من السؤال.

لنفترض، فقط لغايات التفكير السياسي، أن آلاف الأشخاص الموجودين في تندوف أصبحوا يحملون جوازات سفر إسبانية. ماذا يعني ذلك بالنسبة إلى مخيمات يعيش فيها أناس منذ نصف قرن تقريبًا؟ هل ستبقى المخيمات بتركيبتها البشرية نفسها؟ وهل يمكن أن تصبح الجنسية الأوروبية منفذًا فرديًا لخروج جزء من سكانها من واقع طال أكثر مما كان يُفترض أن يطول؟

لا أملك ما يثبت وجود صفقة إسبانية جزائرية معلنة أو سرية، ولا يجوز تقديم هذه الفرضية باعتبارها حقيقة قائمة. لكن إذا كان القانون سيشمل أشخاصًا يعيشون في مخيمات تندوف، فمن المشروع أن نسأل: هل نحن أمام تصحيح تاريخي فقط، أم أمام بداية مسار قد يساعد، بصورة غير مباشرة، على تفكيك جزء من أزمة المخيمات؟

وهنا أسمح لنفسي بتسمية الفرضية التي قد تبدو صادمة: «صفقة القرن».

ليس بمعنى صفقة سرية مثبتة، وإنما بمعنى صفقة سياسية محتملة في نتائجها؛ إسبانيا تعالج جزءًا من إرثها التاريخي، والصحراويون الذين يستوفون الشروط يحصلون على حق قانوني يفتح أمامهم أبواب إسبانيا والفضاء الأوروبي، وقد تجد أزمة المخيمات منفذًا جديدًا للخروج من حالة الجمود التي استمرت نصف قرن.

لكن إذا كان الأمر جبرًا تاريخيًا، كما يقدمه مؤيدو مقترح القانون في إسبانيا، فإن السؤال يصبح أكثر إزعاجًا: هل يكفي جواز السفر لجبر نصف قرن من الضرر؟

ماذا عن الذين ولدوا في المخيمات؟ وماذا عن سنوات التعليم والعمل التي ضاعت؟ وماذا عن الأسر التي عاشت نصف قرن في الانتظار؟ وماذا عن جيل كامل لم يعرف إلا حياة المخيم؟

الجنسية تمنح حقوقًا، لكنها لا تعيد الزمن.

وإذا كانت إسبانيا تعتبر هذا القانون نوعًا من جبر الماضي، فلماذا لا يُفتح أيضًا نقاش سياسي وأخلاقي حول الأضرار التي خلفها ذلك الماضي؟ لا يتعلق الأمر بحق قانوني تلقائي في التعويض، فالحصول على الجنسية لا ينشئ، في حد ذاته، مثل هذا الحق، وإنما بالسؤال عن مدى كفاية «الإصلاح» إذا كان لا يتجاوز منح وثيقة سفر.

ثم هناك مستفيد آخر لا يظهر كثيرًا في الخطاب الرسمي: أوروبا نفسها. فالجنسية الإسبانية ليست مجرد هوية وطنية، بل تمنح، وفق القواعد الأوروبية، حقوقًا واسعة في التنقل والدراسة والعمل والإقامة داخل دول الاتحاد الأوروبي. ولذلك، فإن أثر القانون قد يتجاوز حدود إسبانيا بكثير.

لقد قرر مجلس النواب الإسباني فتح الباب، لكن عبوره ما زال رهينًا باستكمال المسار التشريعي ودخول القانون حيز التنفيذ، ثم تقديم الطلبات وفحصها بصورة فردية.

والسؤال الآن ليس فقط: كم صحراويًا سيحصل على الجنسية؟

السؤال الأكبر هو: ماذا يمكن أن يحدث للمخيمات عندما يصبح جزء من سكانها قادرًا على حمل جواز أوروبي؟

قد يكون هذا مجرد تصحيح تاريخي.

وقد يكون أكثر من ذلك.

وقد يكون، من حيث لا تقول مدريد ذلك صراحة، بداية مسار جديد في أزمة عمرها نصف قرن.

وفي السياسة، أحيانًا لا تكون الصفقة فيما يقال، وإنما فيما يصبح ممكنًا بعد القرار.

فهل تكون الجنسية الإسبانية مجرد جبر للتاريخ، أم أنها بداية «صفقة القرن» مع أزمة المخيمات؟

جواز إسباني بين المخيم والبرلمان
جواز إسباني بين المخيم والبرلمان

              















MyMeteo




Facebook
YouTube
Newsletter
Rss

الاشتراك بالرسالة الاخبارية
أدخل بريدك الإلكتروني للتوصل بآخر الأخبار