*بقلم: عبد الفتاح الصادقي*
سمحت الانتخابات التشريعية التي جرت يوم 23 سبتمبر 2026 بتجديد المقاعد الـ395 في مجلس النواب، لكنها سلطت الضوء على حقيقة بالغة الأهمية والخطورة، تتمثل في نسبة المشاركة الانتخابية التي لم تتجاوز 38,08 في المائة على الصعيد الوطني. وهو ما يدعو إلى تجاوز القراءة البسيطة للنتائج بين الأحزاب، للتساؤل عن علاقة المواطنين بالتمثيل السياسي وشروط تعزيز المشاركة الديمقراطية والمساهمة في التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
إن ضعف المشاركة في الانتخابات وتراجع نسبتها يمكن تفسيره بعدة عوامل وأسباب، تشمل العزوف السياسي، والابتعاد عن الأحزاب، والشعور بعدم فعالية التصويت، وانعدام الثقة في المؤسسات، بالإضافة إلى ثقل القيود الاجتماعية والمهنية المفروضة على الناخبين خلال فترة الاقتراع، وضعف تعبئة بعض الفئات الاجتماعية، واتساع حالة اليأس بسبب انتشار البطالة، ولا سيما وسط الشباب. كما يمكن أن يرتبط تراجع المشاركة بخصائص النظام الانتخابي وسير الحملة الانتخابية. وتتمثل المخاطر الرئيسية المترتبة على ذلك في إضعاف الديمقراطية التمثيلية، واتساع الفجوة بين المواطنين والمؤسسات، وتقلص تنوع التوقعات المعبر عنها، وفي نهاية المطاف، إضعاف الثقة في العملية الديمقراطية برمتها، والتأثير على القرارات التنموية ذات الطابع الاقتصادي والاجتماعي.
وفي هذا السياق، لا بد من التأكيد، منذ البداية، على أن إحدى القضايا الرئيسية تتعلق بالتمثيل السياسي. فقد تكون الانتخابات سليمة من الناحية القانونية وتؤدي إلى تشكيل مجلس نواب كامل العضوية، ومع ذلك تتسم بمشاركة محدودة. لذا، يجب التمييز بين الشرعية القانونية للعملية الانتخابية والمسألة الأوسع نطاقًا المتمثلة في درجة التأييد الشعبي لها. ولا يعني انخفاض معدل المشاركة، في حد ذاته، رفضًا شاملًا للمؤسسات؛ لكنه يشير إلى أن غالبية المواطنين المسجلين لم يشاركوا في التصويت وينظرون بعيون الريبة والشك إلى هذه المؤسسات، وبالتالي فهم غير مقتنعين بالأدوار التي تقوم بها. وتكمن خطورة ضعف التصويت، تحديدًا، فيما يكشفه عن محدودية قدرة الآليات التمثيلية على حشد المواطنين وتعبئتهم على المدى الطويل.
ومن الواضح أن هذا القلق تعززه التركيبة التي تتشكل منها الهيئة الناخبة. فمن أصل 15,8 مليون ناخب مسجل، لم يمثل الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و24 عامًا سوى 4 في المائة، مع العلم أن هذه الفئة تمثل حوالي 10 في المائة من مجموع السكان، أي ما يعادل 3.9 مليون نسمة، كما أن نسبة مشاركة الفئة العمرية من 25 إلى 34 عامًا لم تتجاوز 15 في المائة، مع العلم أن عدد المواطنين المغاربة المنتمين إلى هذه الفئة العمرية يُقدَّر بحوالي 6.4 ملايين نسمة، وهو ما يعني أن أكثر من خمسة ملايين خارج حساب العملية الانتخابية، في حين شكّل الأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 60 عامًا فأكثر أكثر من 29 في المائة من المسجلين. وبالتالي، فإن الوجود الضئيل للشباب (يبلغ عدد الشباب المغاربة في الفئة العمرية ما بين 15 و34 عامًا حوالي 11.7 مليون نسمة، وهو ما يمثل أزيد من 34 في المائة من مجموع السكان) في الهيئة الناخبة المسجلة يمثل قضية منفصلة عن قضية انخفاض نسبة التصويت بالمعنى الضيق للكلمة: فهو يشير إلى مسألة التسجيل الانتخابي وكيفية إدماج الأجيال الجديدة في آليات التمثيل المؤسساتي.
ولا شك أن نفور الشباب من السياسة يعد أحد المخاطر الكبرى التي تهدد النموذج الديمقراطي المغربي، ولذلك فإن العامل الجيلي يستحق اهتمامًا أكبر، لا سيما أن الشباب أعربوا، مع اقتراب موعد الانتخابات، عن مواقف متباينة تجاه السياسة. وتشير دراسة استقصائية وشهادات نقلتها وكالة «أسوشيتد برس»، قبل الانتخابات بقليل، إلى تشكك جزء من الشباب المغربي في المنظومة السياسية وقدرتها على تلبية انشغالاتهم، لا سيما في مجالات العمل والتعليم والخدمات الصحية. وتشكل هذه العناصر مؤشرات نوعية مهمة ينبغي تمحيص النظر فيها، ارتباطًا بانخفاض التسجيل في اللوائح الانتخابية ونسبة التصويت يوم الاقتراع.
ويتعلق الخطر الثاني بالثقة في المؤسسات. ذلك أن ضعف التصويت ينجم عن عوامل متنوعة للغاية، تشمل عدم الاهتمام، أو القيود العملية، أو الشعور بعدم فعالية التصويت، أو الابتعاد عن الأحزاب، أو ضبابية العرض السياسي وضعف المعرفة بالخيارات السياسية المتاحة، أو التقييم الشخصي للنتائج المتوقعة من تدبير الشأن العام. ولذلك، يمكن اعتبار ضعف المشاركة ظاهرة تُفسَّر بمزيج من العوامل الاجتماعية والسياسية والمؤسساتية و«الجيلية».
أما الخطر الثالث فيتعلق بما يمكن تسميته بجودة الديمقراطية التمثيلية. ذلك أن الديمقراطية لا تقوم فقط على إجراء انتخابات دورية؛ بل على كيفية اشتغال آليات هذه الديمقراطية، وهي تنطوي أيضًا على المشاركة والتمثيل والمساءلة وقدرة المؤسسات على مراعاة التوقعات الاجتماعية. ويتوقف ذلك على مدى قدرة المواطنين على المساهمة في تعزيز الشفافية والشمولية والمساءلة وجودة السياسات العامة، عبر مشاركتهم الفاعلة في الاستحقاقات الانتخابية، مع العلم أن الدستور المغربي رسخ مبادئ المشاركة والتعددية في إطار الحكامة العامة.
والحقيقة أن السياسات العامة تكتسب مزيدًا من الأهمية عندما تستند إلى فهم واسع بما يكفي للتوقعات الاجتماعية والاقتصادية. ومن المؤكد أن المشاركة المحدودة تؤدي إلى تقليص تنوع المطالب المعبر عنها في العملية الانتخابية وزيادة الفجوة بين فئات معينة من المواطنين والمؤسسات التمثيلية، وهي تعيق بناء علاقة مستدامة بين السياسات العامة ومساءلة المنتخبين وتوقعات السكان. وهذا بالذات هو الجانب الذي تكون فيه للمشاركة الضعيفة تداعيات غير مباشرة على التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
والواقع أن الخطر الحقيقي يتجاوز مجرد انخفاض نسبة المشاركة في الانتخابات من الناحية الإحصائية. إنه يتعلق بإعادة بناء العلاقات المدنية والسياسية داخل المجتمع، لا سيما بين الشباب والفئات التي تشعر بالإقصاء عن آليات التمثيل. وهذا يفترض النظر إلى التصويت باعتباره أحد مكونات مشاركة أوسع نطاقًا، تشمل التثقيف السياسي، والنقاش العمومي، واستشارة المواطنين، ومراقبة تدبير الشأن العام، والمشاركة في الحياة الوطنية والمحلية.
وبشكل عام، يمكن القول إن ضعف نسبة المشاركة في انتخابات المؤسسات التمثيلية يمثل مؤشرًا واستنتاجًا قويين بأن هناك خللًا ما في النموذج الديمقراطي المتبع وفي آليات تصريفه في المجتمع. صحيح أنه لا يسمح وحده بالتشكيك في أهمية الانتخابات، ولكنه يُعتبر دليلًا على أزمة الديمقراطية التمثيلية في بلادنا. وهو يسلط الضوء على مسألة جوهرية: كيف يمكن تعزيز قدرة المؤسسات التمثيلية على حشد التأييد، لا سيما لدى الأجيال الجديدة، وتحويل هذه المشاركة إلى ثقة ومسؤولية عامة ومساهمة فعالة في التنمية؟ إن الإجابة عن هذا السؤال تعتمد على مدى قدرة المؤسسات المنتخبة على القيام بأدوارها الدستورية ومدى قدرة التنظيمات الحزبية ومختلف الفاعلين السياسيين على الاستفادة من الدروس، وعلى تجديد أدوات العمل وفقًا للمتغيرات الداخلية والخارجية، وعلى إعادة التواصل مع المواطنين والمساهمة في تأطيرهم على المدى الطويل.
سمحت الانتخابات التشريعية التي جرت يوم 23 سبتمبر 2026 بتجديد المقاعد الـ395 في مجلس النواب، لكنها سلطت الضوء على حقيقة بالغة الأهمية والخطورة، تتمثل في نسبة المشاركة الانتخابية التي لم تتجاوز 38,08 في المائة على الصعيد الوطني. وهو ما يدعو إلى تجاوز القراءة البسيطة للنتائج بين الأحزاب، للتساؤل عن علاقة المواطنين بالتمثيل السياسي وشروط تعزيز المشاركة الديمقراطية والمساهمة في التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
إن ضعف المشاركة في الانتخابات وتراجع نسبتها يمكن تفسيره بعدة عوامل وأسباب، تشمل العزوف السياسي، والابتعاد عن الأحزاب، والشعور بعدم فعالية التصويت، وانعدام الثقة في المؤسسات، بالإضافة إلى ثقل القيود الاجتماعية والمهنية المفروضة على الناخبين خلال فترة الاقتراع، وضعف تعبئة بعض الفئات الاجتماعية، واتساع حالة اليأس بسبب انتشار البطالة، ولا سيما وسط الشباب. كما يمكن أن يرتبط تراجع المشاركة بخصائص النظام الانتخابي وسير الحملة الانتخابية. وتتمثل المخاطر الرئيسية المترتبة على ذلك في إضعاف الديمقراطية التمثيلية، واتساع الفجوة بين المواطنين والمؤسسات، وتقلص تنوع التوقعات المعبر عنها، وفي نهاية المطاف، إضعاف الثقة في العملية الديمقراطية برمتها، والتأثير على القرارات التنموية ذات الطابع الاقتصادي والاجتماعي.
وفي هذا السياق، لا بد من التأكيد، منذ البداية، على أن إحدى القضايا الرئيسية تتعلق بالتمثيل السياسي. فقد تكون الانتخابات سليمة من الناحية القانونية وتؤدي إلى تشكيل مجلس نواب كامل العضوية، ومع ذلك تتسم بمشاركة محدودة. لذا، يجب التمييز بين الشرعية القانونية للعملية الانتخابية والمسألة الأوسع نطاقًا المتمثلة في درجة التأييد الشعبي لها. ولا يعني انخفاض معدل المشاركة، في حد ذاته، رفضًا شاملًا للمؤسسات؛ لكنه يشير إلى أن غالبية المواطنين المسجلين لم يشاركوا في التصويت وينظرون بعيون الريبة والشك إلى هذه المؤسسات، وبالتالي فهم غير مقتنعين بالأدوار التي تقوم بها. وتكمن خطورة ضعف التصويت، تحديدًا، فيما يكشفه عن محدودية قدرة الآليات التمثيلية على حشد المواطنين وتعبئتهم على المدى الطويل.
ومن الواضح أن هذا القلق تعززه التركيبة التي تتشكل منها الهيئة الناخبة. فمن أصل 15,8 مليون ناخب مسجل، لم يمثل الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و24 عامًا سوى 4 في المائة، مع العلم أن هذه الفئة تمثل حوالي 10 في المائة من مجموع السكان، أي ما يعادل 3.9 مليون نسمة، كما أن نسبة مشاركة الفئة العمرية من 25 إلى 34 عامًا لم تتجاوز 15 في المائة، مع العلم أن عدد المواطنين المغاربة المنتمين إلى هذه الفئة العمرية يُقدَّر بحوالي 6.4 ملايين نسمة، وهو ما يعني أن أكثر من خمسة ملايين خارج حساب العملية الانتخابية، في حين شكّل الأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 60 عامًا فأكثر أكثر من 29 في المائة من المسجلين. وبالتالي، فإن الوجود الضئيل للشباب (يبلغ عدد الشباب المغاربة في الفئة العمرية ما بين 15 و34 عامًا حوالي 11.7 مليون نسمة، وهو ما يمثل أزيد من 34 في المائة من مجموع السكان) في الهيئة الناخبة المسجلة يمثل قضية منفصلة عن قضية انخفاض نسبة التصويت بالمعنى الضيق للكلمة: فهو يشير إلى مسألة التسجيل الانتخابي وكيفية إدماج الأجيال الجديدة في آليات التمثيل المؤسساتي.
ولا شك أن نفور الشباب من السياسة يعد أحد المخاطر الكبرى التي تهدد النموذج الديمقراطي المغربي، ولذلك فإن العامل الجيلي يستحق اهتمامًا أكبر، لا سيما أن الشباب أعربوا، مع اقتراب موعد الانتخابات، عن مواقف متباينة تجاه السياسة. وتشير دراسة استقصائية وشهادات نقلتها وكالة «أسوشيتد برس»، قبل الانتخابات بقليل، إلى تشكك جزء من الشباب المغربي في المنظومة السياسية وقدرتها على تلبية انشغالاتهم، لا سيما في مجالات العمل والتعليم والخدمات الصحية. وتشكل هذه العناصر مؤشرات نوعية مهمة ينبغي تمحيص النظر فيها، ارتباطًا بانخفاض التسجيل في اللوائح الانتخابية ونسبة التصويت يوم الاقتراع.
ويتعلق الخطر الثاني بالثقة في المؤسسات. ذلك أن ضعف التصويت ينجم عن عوامل متنوعة للغاية، تشمل عدم الاهتمام، أو القيود العملية، أو الشعور بعدم فعالية التصويت، أو الابتعاد عن الأحزاب، أو ضبابية العرض السياسي وضعف المعرفة بالخيارات السياسية المتاحة، أو التقييم الشخصي للنتائج المتوقعة من تدبير الشأن العام. ولذلك، يمكن اعتبار ضعف المشاركة ظاهرة تُفسَّر بمزيج من العوامل الاجتماعية والسياسية والمؤسساتية و«الجيلية».
أما الخطر الثالث فيتعلق بما يمكن تسميته بجودة الديمقراطية التمثيلية. ذلك أن الديمقراطية لا تقوم فقط على إجراء انتخابات دورية؛ بل على كيفية اشتغال آليات هذه الديمقراطية، وهي تنطوي أيضًا على المشاركة والتمثيل والمساءلة وقدرة المؤسسات على مراعاة التوقعات الاجتماعية. ويتوقف ذلك على مدى قدرة المواطنين على المساهمة في تعزيز الشفافية والشمولية والمساءلة وجودة السياسات العامة، عبر مشاركتهم الفاعلة في الاستحقاقات الانتخابية، مع العلم أن الدستور المغربي رسخ مبادئ المشاركة والتعددية في إطار الحكامة العامة.
والحقيقة أن السياسات العامة تكتسب مزيدًا من الأهمية عندما تستند إلى فهم واسع بما يكفي للتوقعات الاجتماعية والاقتصادية. ومن المؤكد أن المشاركة المحدودة تؤدي إلى تقليص تنوع المطالب المعبر عنها في العملية الانتخابية وزيادة الفجوة بين فئات معينة من المواطنين والمؤسسات التمثيلية، وهي تعيق بناء علاقة مستدامة بين السياسات العامة ومساءلة المنتخبين وتوقعات السكان. وهذا بالذات هو الجانب الذي تكون فيه للمشاركة الضعيفة تداعيات غير مباشرة على التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
والواقع أن الخطر الحقيقي يتجاوز مجرد انخفاض نسبة المشاركة في الانتخابات من الناحية الإحصائية. إنه يتعلق بإعادة بناء العلاقات المدنية والسياسية داخل المجتمع، لا سيما بين الشباب والفئات التي تشعر بالإقصاء عن آليات التمثيل. وهذا يفترض النظر إلى التصويت باعتباره أحد مكونات مشاركة أوسع نطاقًا، تشمل التثقيف السياسي، والنقاش العمومي، واستشارة المواطنين، ومراقبة تدبير الشأن العام، والمشاركة في الحياة الوطنية والمحلية.
وبشكل عام، يمكن القول إن ضعف نسبة المشاركة في انتخابات المؤسسات التمثيلية يمثل مؤشرًا واستنتاجًا قويين بأن هناك خللًا ما في النموذج الديمقراطي المتبع وفي آليات تصريفه في المجتمع. صحيح أنه لا يسمح وحده بالتشكيك في أهمية الانتخابات، ولكنه يُعتبر دليلًا على أزمة الديمقراطية التمثيلية في بلادنا. وهو يسلط الضوء على مسألة جوهرية: كيف يمكن تعزيز قدرة المؤسسات التمثيلية على حشد التأييد، لا سيما لدى الأجيال الجديدة، وتحويل هذه المشاركة إلى ثقة ومسؤولية عامة ومساهمة فعالة في التنمية؟ إن الإجابة عن هذا السؤال تعتمد على مدى قدرة المؤسسات المنتخبة على القيام بأدوارها الدستورية ومدى قدرة التنظيمات الحزبية ومختلف الفاعلين السياسيين على الاستفادة من الدروس، وعلى تجديد أدوات العمل وفقًا للمتغيرات الداخلية والخارجية، وعلى إعادة التواصل مع المواطنين والمساهمة في تأطيرهم على المدى الطويل.
★ عبد الفتاح الصادقي - إعلامي باحث في القانون العام والعلوم السياسية
رئيسية 








الرئيسية




