Quantcast
2026 سبتمبر 14 - تم تعديله في [التاريخ]

ضمير المرشح يبدأ من حملة انتخابية نظيفة اليد والشارع والبيئة

قبل أن يطلب المرشح ثقة الناخب، قد تكشف ورقة واحدة ملقاة على الأرض حقيقة فهمه للمسؤولية… فهل تبدأ النزاهة من صندوق الاقتراع أم من الشارع؟


الكاتب بوشعيب حمراوي
الكاتب بوشعيب حمراوي
*بقلم: بوشعيب حمراوي*

رمي المنشورات الانتخابية عشوائيًا ليس دعاية، بل تلويث للفضاء العام والطبيعة… ومطلوب من وزارة الداخلية تجريم هذه الممارسة ومعاقبة المسؤولين عنها بعقوبات رادعة قد تصل إلى إسقاط اللائحة


هناك مرشحون يطلبون من المواطن أن يمنحهم صوته، ثم يبدؤون حملتهم بإهانة الشارع الذي يسكن فيه، وتلويث محيط منزله، وإغراق الأزقة والطرقات والمسالك والشعاب بآلاف الأوراق التي لا يقرأها أحد ولا تصل إلى يد ناخب، ثم يتركون وراءهم عمال النظافة والسكان والطبيعة يتكفلون بجمع مخلفات حماس انتخابي لا يعرف أصحابه الفرق بين الدعاية والفوضى، وبين التواصل والتلويث، وبين حقهم المشروع في طلب أصوات الناس وواجبهم البديهي في احترام المكان الذي يعيش فيه هؤلاء الناس.

ولا يتعلق الأمر هنا بورقة سقطت صدفة من يد شخص، ولا بمنشور أخذه مواطن ثم تخلص منه بطريقة غير مسؤولة، وإنما بممارسات أصبحت مألوفة في بعض الحملات، حين تتحول سيارات إلى آلات لرمي المنشورات، وتتحول الأزقة والأحياء والطرقات إلى ساحات لنثر الورق، ويصبح معيار قوة الحملة عند بعضهم هو عدد المنشورات التي غطت الأرض، لا عدد المواطنين الذين قرؤوها واقتنعوا بمضمونها.

وهنا يجب أن نقولها بوضوح: الانتخابات لا تمنح أحدًا حق تلويث الوطن. ومن يرمي منشوره على الأرض لا يوزع برنامجًا، بل يعلن أول فشل له في تحمل المسؤولية.

المنشور الانتخابي ليس ورقة بلا قيمة

يفترض أن يكون المنشور الانتخابي أداة تواصل بين المرشح والناخب، يحمل اسمًا وصورة وبرنامجًا ووعودًا ومواقف، ولذلك فإن مكانه الطبيعي هو يد المواطن، لا قارعة الطريق، ولا مدخل العمارة، ولا باب المنزل، ولا مجرى المياه، ولا حافة الغابة، ولا وسط الحقل؛ لأن المنشور الذي لا يصل إلى قارئ يتحول فورًا من وسيلة سياسية إلى نفاية.

ومن يريد أن يقدم نفسه للناس باعتباره جديرًا بتدبير شأنهم العام، يجب أن يبرهن منذ حملته على قدرته على تدبير أبسط تفاصيلها؛ لأن المرشح الذي لا يستطيع أن يفرض على أنصاره قاعدة بسيطة من قبيل: «لا ترموا منشورًا واحدًا على الأرض»، يحق للمواطن أن يتساءل: كيف سيستطيع غدًا مراقبة إدارة أو مؤسسة أو ميزانية أو مرفق عمومي؟

بل إن الأمر يصبح أكثر سخرية حين يكون المنشور نفسه مليئًا بعبارات من قبيل: «بيئة نظيفة»، و«مدينة أفضل»، و«تنمية مستدامة»، و«خدمة المواطن»، ثم نجد عشرات النسخ منه ممزقة ومتسخة تحت الأقدام؛ لأن الرسالة التي تصل إلى المواطن آنذاك ليست ما كُتب داخل المنشور، وإنما ما فعله صاحبه به.

السياسة لا تُقرأ فقط في البرامج

السياسة تُقرأ أيضًا في السلوك. ومن العيب أن تطلب صوت مواطن، ثم تجعله يكنس دعايتك من أمام منزله.

ليس مقبولًا أن يفتح مواطن باب منزله صباحًا، فيجد محيطه غارقًا في أوراق مترشح لم يطلب منه شيئًا، ولم يسمح له باستعمال رصيفه أو زقاقه أو مدخل بيته مستودعًا للدعاية الانتخابية. وليس مقبولًا أن يشعر الإنسان بأنه مطالب بتنظيف آثار حملة تريد، في اليوم نفسه، إقناعه بأنها جاءت لخدمته.

المواطن ليس صندوق بريد مفتوحًا، ومحيط المنزل ليس جزءًا من مقر الحملة، والفضاء العام ليس ملكًا لأي حزب أو مرشح.

من أراد أن يقدم منشوره للمواطن، فليتقدم إليه باحترام، وليعرضه عليه من يد إلى يد. فإن رفضه، فليحتفظ به ويواصل طريقه، وإن أخذه، فقد انتقلت الورقة إلى مسؤولية المواطن، الذي يصبح بدوره مطالبًا بعدم رميها عشوائيًا. لكن لا معنى للدعاية التي تقوم على فرض الورق على الناس بالقوة، ولا على إلقائه حول منازلهم ثم اعتبار ذلك «توزيعًا».

فالتوزيع فعل تواصل، أما الرمي ففعل تخلص، والفرق بينهما أخلاقي قبل أن يكون لغويًا.

دقائق من الفوضى تتحول إلى ساعات من العذاب لعمال النظافة

الأكثر ظلمًا في هذه الممارسة أن صاحب الحملة قد يحتاج إلى دقائق فقط لرمي مئات المنشورات، بينما يحتاج عامل النظافة إلى ساعات كي يجمعها ورقة ورقة من بين الأرصفة، وتحت السيارات، وحول الأشجار، وعند مداخل المنازل، وفي قنوات تصريف المياه، وقد تعيد الرياح توزيعها من جديد بعد أن يعتقد أنه أنهى عمله.

وهنا يصبح السؤال أخلاقيًا قبل أن يكون انتخابيًا: بأي حق يحمّل مرشح أو حزب عامل نظافة أعباء إضافية لا علاقة له بها؟ ولماذا يدفع العامل بجسده وجهده ثمن كسل الحملة وسوء تنظيمها؟ ولماذا تتحمل الجماعات وشركات النظافة والمواطنون تكلفة جمع أوراق طُبعت لخدمة مصلحة انتخابية خاصة؟

الحملة التي تلقي آلاف المنشورات على الأرض لا توزع كلفتها فقط على مطابعها وميزانيتها، بل تنقل جزءًا منها إلى المال العام وإلى أجساد العاملات والعمال الذين ينظفون خلفها. وهذا سلوك ينبغي أن نتوقف عن التعامل معه باعتباره مجرد «مظهر مزعج»؛ لأنه في جوهره تحميل للغير تبعات نشاط انتخابي كان يفترض أن يكون منظمًا ومسؤولًا.

ومن يتحدث في خطاباته عن كرامة العمال، عليه أولًا ألا يحول عامل النظافة إلى شخص مكلف بجمع آثار حملته.

الشارع قد يُنظف غدًا… لكن من يجمع الأوراق من الشعاب والحقول والغابات؟

الخطر لا يقف عند حدود المدن. ففي المناطق القروية والطبيعية، تصبح المسألة أكثر سوءًا؛ لأن المنشورات التي تُلقى على جوانب الطرق والمسالك وبين الحقول وفي الشعاب والغابات والمراعي قد تبقى أيامًا أو أسابيع أو أكثر، تحملها الرياح، وتدفعها الأمطار، وتصل إلى مجاري المياه، وتختلط بالأعشاب والتربة، بينما لا يوجد هناك عامل نظافة يمر كل صباح ليجمعها.

وقد تحتوي بعض المنشورات على مواد لامعة أو أحبار أو مكونات تغليف تجعلها أبعد من مجرد ورق بسيط، فضلًا عن إمكانية تعرض الحيوانات لها أو ابتلاع أجزاء منها، خصوصًا في المناطق المفتوحة ومجالات الرعي. ولذلك، فإن من يرمي الدعاية الانتخابية في الطبيعة لا يسيء فقط إلى منظر المكان، بل يترك أثرًا بيئيًا لا يعرف مداه ولا مدته.

والسؤال هنا بسيط: كيف يمكن لمرشح أن يكتب في برنامجه فقرة عن حماية البيئة، بينما تبدأ حملته بتلويثها؟

إذا كانت البيئة فعلًا أولوية، فعليها أن تبدأ من سلوك المرشح نفسه، لا من وعود مؤجلة إلى ما بعد إعلان النتائج.

وزارة الداخلية مطالبة بأكثر من التنبيه

هذه الممارسات لم تعد تحتاج إلى مزيد من الوعظ؛ لأن الوعظ لا يردع من يعتبر الشارع مساحة مجانية للدعاية. ولهذا، فإن المطلوب هو تدخل واضح من وزارة الداخلية، ليس فقط عبر توجيه تعليمات أخلاقية أو دعوات عامة إلى النظافة، وإنما عبر المبادرة إلى اقتراح مقتضيات قانونية صريحة تجعل إلقاء المنشورات والوثائق والمواد الدعائية في الطرق والأزقة والفضاءات الطبيعية ومحيط المنازل مخالفة انتخابية مستقلة، متى ثبت أنها تمت عمدًا ومن طرف عناصر تابعة للحملة أو باستعمال وسائلها.

ينبغي أن يعرف كل مترشح، قبل انطلاق الحملة، أن مسؤوليته لا تتوقف عند مضمون خطابه، بل تشمل أيضًا الطريقة التي يدير بها أنصاره ووسائل نقله ومواد دعايته، وأن السيارة التي تحمل صورته أو شعاره ليست فوق القانون، وأن الأشخاص الذين يشتغلون لحسابه لا يمكن اعتبارهم مجهولين لحظة ارتكاب المخالفة، ثم يصبحون أعضاء في حملته حين يتعلق الأمر بحشد الأصوات.

لا يكفي أن نقول إن الشخص الذي رمى الورق هو المسؤول وحده، إذا ثبت أن الرمي تم في إطار عملية منظمة ومكررة وبوسائل الحملة؛ لأن المرشح أو وكيل اللائحة مسؤول عن إدارة حملته كما هو مسؤول عن خطابها.

ومن هنا، فإن المطلوب هو الانتقال من منطق «النصيحة» إلى منطق المسؤولية والجزاء.

لماذا لا تصل العقوبة إلى إسقاط اللائحة؟

لا أدعو، بطبيعة الحال، إلى إسقاط لائحة لأن منشورًا سقط عرضًا، ولا لأن مواطنًا تسلمه ثم رماه في مكان غير مخصص للنفايات. فالقانون لا يُبنى على المبالغة ولا على العقوبات العمياء، وإنما على الإثبات والتناسب والتمييز بين الخطأ الفردي والفعل المنظم.

لكن إذا ثبت أن حملة انتخابية تعتمد الرمي الجماعي للمنشورات طريقةً للتوزيع، وأن سياراتها أو أفرادها قاموا بذلك بصورة واضحة، وأن السلوك تكرر بعد التنبيه، فلماذا تبقى العقوبة مجرد غرامة بسيطة لا يشعر بها صاحب الحملة؟

عندما يصبح تلويث الفضاء العام أسلوبًا ممنهجًا في العمل الانتخابي، يجب أن تصبح العقوبة انتخابية كذلك.

يمكن أن تبدأ بالتنبيه والإلزام بتنظيف المكان، ثم الغرامة، ثم مضاعفة الجزاء عند التكرار. لكن، في الحالات الجسيمة التي يثبت فيها التعمد والإصرار والتنظيم، يجب أن يفتح المشرع نقاشًا جديًا حول عقوبات أكثر صرامة، قد تصل إلى إسقاط اللائحة أو إلغاء انتخاب المرشح، وفق شروط قانونية دقيقة وضمانات واضحة.

سيقول البعض إن ذلك قاسٍ.

لكن القسوة الحقيقية هي أن نترك آلاف الأوراق تُلقى كل يوم في الشوارع والطبيعة، ثم نطالب عامل النظافة والمواطن والدولة بإصلاح ما أفسدته الحملة، بينما يواصل صاحبها الحديث عن المسؤولية والمواطنة.

فالردع لا يكون رادعًا إذا كانت العقوبة أرخص من المخالفة.

لا تجعلوا القانون يعاقب المواطن وحده

يجب أيضًا أن يكون النقاش القانوني عادلًا؛ فلا يعقل أن نطالب المواطن بعدم رمي النفايات في الشارع، ثم نغض الطرف عن حملة انتخابية تلقي آلاف الأوراق دفعة واحدة، لأن العدالة تفترض أن تكون المسؤولية متناسبة مع حجم الفعل.

إذا أخذ المواطن منشورًا بإرادته ثم رماه، فهو مسؤول عن فعله. أما إذا لم يأخذه أصلًا، ووجد عشرات النسخ منه أمام منزله، فالمسؤولية ليست عليه. وإذا ثبت أن الحملة هي التي ألقت الأوراق، فعليها أن تتحمل الجزاء.

هذا هو المنطق البسيط الذي يجب أن يتحول إلى قاعدة قانونية واضحة: كل طرف مسؤول عما يرميه هو، لا عما رماه غيره.

أخبرني كيف تخوض حملتك… أقل لك كيف تفهم المسؤولية

كثير من المرشحين سيكتبون في برامجهم عن النزاهة والحكامة والبيئة واحترام المواطن، وسيعدون الناس بمدن أنظف وقرى أفضل ومرافق أكثر جودة. لكن المواطن ليس مضطرًا دائمًا إلى انتظار خمس سنوات كي يكتشف حقيقة هذه الوعود، فقد تكفيه أحيانًا طريقة إدارة حملة من أسبوعين لكي يفهم الكثير.

مرشح يمنع أنصاره من رمي ورقة واحدة، ويتأكد من تنظيف المكان بعد تجمعه، ويحترم الشوارع والطبيعة، يقدم نموذجًا عمليًا عن معنى المسؤولية.

ومرشح يترك خلفه أكوامًا من المنشورات ثم يغادر، يقدم هو الآخر نموذجًا عمليًا، ولكن في الاتجاه المعاكس.

فالانتخابات ليست فقط اختبارًا للبرامج، وإنما اختبار للأخلاق والسلوك والانضباط.

ومن لا يحترم الفضاء العام وهو يحتاج إلى صوت المواطن، يصعب أن يطمئن إليه هذا المواطن بعد أن يحصل على المقعد.

الحملة النظيفة ليست ترفًا… إنها أول امتحان في النزاهة

نريد من الأحزاب أن تصل إلى المواطنين، وأن توزع منشوراتها وبرامجها، وأن تنظم حملاتها بقوة، وأن تنافس على كل صوت؛ فهذا حقها، لكن هذا الحق يقف عند حدود حقوق الآخرين، وحق المدينة والقرية والطبيعة في النظافة والاحترام.

وزّع منشورك من يد إلى يد. ومن رفضه، لا تفرضه عليه ولا ترمه أمامه. ومن أخذه، أصبح هو مسؤولًا عن طريقة التخلص منه.

أما أن تحول الشارع إلى سلة مهملات ضخمة، ثم تتحدث عن مشروع سياسي لإنقاذ المدينة، فهذه مفارقة لا تحتاج إلى تعليق.

لقد حان الوقت لأن تجعل وزارة الداخلية والمشرع النظافة جزءًا من قواعد الحملة الانتخابية، لا مجرد نصيحة أخلاقية، وأن يصبح الرمي المنظم والمتعمد للمنشورات مخالفة صريحة يعاقب عليها القانون بعقوبات حقيقية ومتدرجة، قد تصل، في الحالات الجسيمة والمتكررة، إلى المساس بالترشح أو اللائحة نفسها.

فالوطن ليس أرضية للإعلانات التي نرميها ثم نغادر.

والشارع ليس ملكًا للأحزاب.

والطبيعة لا تصوت لأحد حتى نعاقبها بمنشوراتنا.

وعمال النظافة ليسوا أفرادًا إضافيين في حملات المرشحين.

ضمير المرشح لا يبدأ بعد الفوز، بل قبل أن يطلب أول صوت. يبدأ من الطريقة التي يخاطب بها المواطن، ومن الطريقة التي يعامل بها الشارع، ومن الورقة التي يرفض أن يرميها على الأرض.

ضمير المرشح يبدأ من حملة انتخابية نظيفة اليد والشارع والبيئة.

منشورات انتخابية تتحول من وسيلة للتواصل إلى عبء على الشارع وعمال النظافة
منشورات انتخابية تتحول من وسيلة للتواصل إلى عبء على الشارع وعمال النظافة

              















MyMeteo




Facebook
YouTube
Newsletter
Rss

الاشتراك بالرسالة الاخبارية
أدخل بريدك الإلكتروني للتوصل بآخر الأخبار