Quantcast
2026 سبتمبر 28 - تم تعديله في [التاريخ]

عمر نجيب يكتب: طبول حسم الحرب تدق من جديد في الخليج العربي وخيارات واشنطن محدودة

تعود طبول التصعيد إلى الخليج، فيما يظل مضيق هرمز في قلب المواجهة. وبين رهانات القوة وحسابات الاستنزاف، يطرح عمر نجيب سؤالاً يتجاوز الميدان: من يستطيع تحمّل كلفة الحسم؟


طبول التصعيد تدقّ على ضفتي هرمز والعالم يترقب مصير الملاحة والطاقة

الكاتب عمر نجيب
الكاتب عمر نجيب
*بقلم: عمر نجيب*

بعد مرور زهاء سبعة أشهر على بداية الهجوم الأمريكي الإسرائيلي الكبير على إيران في 28 فبراير 2026، تحصد الولايات المتحدة وغالبية حلفائها في الغرب والشرق، بالإضافة إلى أطراف أخرى، حصيلة النكسة الاستراتيجية لفشل واشنطن وتل أبيب في تحقيق أهدافهما. البيت الأبيض لا يزال يأبى الاعتراف بفشله، حتى المرحلي، في المواجهة، وتطلق المصادر الرسمية الأمريكية تصريحات عن مكاسب عسكرية واقتصادية، ولكنها تصطدم بالدلائل المكذّبة لذلك، التي تنشرها وسائل الإعلام، وفي غالبيتها أمريكية. الرئيس الأمريكي ترامب يواجه أزمة كبيرة في الداخل الأمريكي، حيث انخفضت شعبيته إلى مستوى غير مسبوق، وأصبح حزبه الجمهوري، الذي يتعرض لانقسامات داخلية متضخمة، يواجه احتمالاً قوياً لخسارة انتخابات الكونغرس النصفية في شهر نوفمبر 2026، وهو ما يعني مجلسَي نواب وشيوخ يسيطر عليهما الحزب الديمقراطي والمعادون لترامب، وهو أمر من شأنه شلّ سلطة الرئيس الأمريكي بشكل كبير، وتوليد أزمات متوالية إذا حاول الديمقراطيون، حتى دون توفر الأغلبية الكافية، عزل ترامب من الرئاسة.

تصريحات الرئيس الأمريكي المتقلبة عن نواياه وأسلوبه في تعامله المقبل مع طهران، مرة بالحرب، ومرة بالمفاوضات، ومرة بالتأكيد أن إيران ضعفت وتستعد للاستسلام، وحديثه عن اللحظات الفاصلة القادمة، تخلق فوضى على الصعيدين السياسي والاقتصادي، وتضعف الثقة في التزامات واشنطن، خاصة لدى الحلفاء في منطقة الشرق الأوسط، وتدفعهم إلى البحث عن ضمانات أمنية واقتصادية مع أطراف أخرى.

القدرات العسكرية الأمريكية في تراجع، فمثلاً كشفت صحيفة «نيويورك تايمز» أن عدداً من حاملات الطائرات الأمريكية تواجه حالياً فترة صيانة طويلة الأمد في أحواض السفن، ما سيبقيها خارج دائرة الجاهزية القتالية لعدة سنوات. ويضاف إلى ذلك نقص الذخائر وعدم قدرة المجمع الصناعي العسكري على تعويضها إلا بعد أشهر، إن لم يكن سنوات.

وأوضحت الصحيفة في تقريرها أن البحرية الأمريكية تمتلك أسطولاً يتألف من 11 حاملة طائرات فقط، تم توجيه 4 منها إلى منطقة الشرق الأوسط للمشاركة في العمليات القتالية الجارية هناك، فيما تعاني الحاملات المتبقية من أعطال فنية، أو تخضع لأعمال صيانة شاقة في أحواض السفن، وهو ما يجعلها غير صالحة للقتال لفترة زمنية قد تمتد لسنوات طويلة.

تأكيدات القيادة المركزية الأمريكية «سنتكوم» عن نجاحها في تأمين حرية الملاحة في مضيق هرمز، مما مكّن من مرور مليار برميل من النفط خلال شهرين، نفتها عملياً الأسواق، حيث ترتفع أسعار النفط بشكل كبير، وتعاني بعض المناطق في الولايات المتحدة وأوروبا وغيرها من إغلاق محطات الوقود، وتفلس شركات أو تغلق أبوابها لأنها لا تستطيع العمل مع الأسعار المتضاعفة بسبب شحّ المعروض. فانس، نائب الرئيس الأمريكي، دعا الناخبين إلى إعطاء فرصة للرئاسة لتنفذ، خلال السنتين اللتين تبقتا لها في السلطة، ما وعدت به عندما انتُخب ترامب. الدين الأمريكي تجاوز 40 تريليون دولار، والثقة في العملة الأمريكية في تراجع مستمر. دول أوروبية تسحب مخزونها من الذهب المودع لدى الحكومة الأمريكية، مما يظهر تقلص الثقة في التزامات واشنطن، والبنوك المركزية في العديد من الدول تقلص أرصدتها من الدولار خوفاً من تراجع سعره.

جزء كبير من دول العالم يواجه أزمة التضخم وارتفاع الأسعار على كل المستويات. القدرات العسكرية الأمريكية في تقلص مستمر، في حين تعزز إيران ترسانتها، وتعزز موسكو وبكين قدراتهما.

الأخطار تتصاعد بسبب إفرازات الحرب ضد إيران واحتمال لجوء إسرائيل إلى السلاح النووي عندما تتأكد أن طهران أصبحت قوة نووية، وأن واشنطن لن تستطيع ثنيها عن ذلك. وفي الغرب قوى مستعدة للمخاطرة بحرب عالمية ثالثة، لتصورها أن ذلك يمكن أن يحمي النظام العالمي القديم أحادي القطب، ويمنع فرض نظام عالمي متعدد الأقطاب.

◆ طبول الحرب

جاء في تقرير نُشر في العاصمة الروسية موسكو يوم 20 سبتمبر: تعيش منطقة الشرق الأوسط ساعات تحبس الأنفاس، وسط تقارير استخباراتية وتحركات ميدانية متسارعة تجمع على أن المواجهة المستمرة منذ 7 أشهر بين واشنطن وطهران قد دخلت مرحلتها الأكثر خطورة.

ولم تعد المؤشرات مجرد تصريحات سياسية للاستهلاك الإعلامي، بل تحولت إلى خطوات لوجستية ودبلوماسية ملموسة على الأرض، تؤكد أن الخيار العسكري بات الأقرب لكسر حالة الجمود الحالية.

وتستند فرضية اقتراب الضربة العسكرية الوشيكة الواسعة ضد طهران إلى خمسة معطيات رئيسية تبلورت في الساعات الأخيرة:

◆ 1. الاستنفار الدبلوماسي الشامل وتحذيرات السفر

أطلقت وزارة الخارجية الأمريكية وسلسلة من سفاراتها في الشرق الأوسط، شملت 9 دول من بينها إسرائيل والسعودية والكويت والإمارات، تحذيرات أمنية طارئة وغير مسبوقة للرعايا الأمريكيين، بالتزامن مع تكثيف استهداف الحوثيين للمملكة العربية السعودية.

لم تكتفِ التوجيهات بالدعوة إلى الحذر، بل حثت صراحة على الاستعداد لإغلاق الأجواء المحتمل وإلغاء الرحلات الجوية. في العرف العسكري والدبلوماسي، لا تصدر مثل هذه التعميمات الشاملة إلا كإجراء استباقي لتأمين الجبهات الخلفية وحماية المواطنين من ردود الفعل الانتقامية المتوقعة عقب هجوم عسكري كبير.

◆ 2. مغادرة كامب ديفيد وإدارة الأزمة من «غرفة العمليات»

حمل قطع الرئيس دونالد ترامب إجازته الأسبوعية في منتجع كامب ديفيد وعودته المفاجئة إلى البيت الأبيض دلالة بالغة الأهمية. هذه الخطوة تعكس انتقال الإدارة الأمريكية إلى مستوى «الإدارة المباشرة للأزمة»، وتزامنت مع تسريبات نشرتها وسائل إعلام أمريكية تؤكد أن البنتاغون يراجع بالفعل خطة عمل عسكرية مكثفة تمتد لأسبوعين، تهدف إلى توجيه ضربات صاروخية وجوية ساحقة لتدمير البنية التحتية والمنشآت الحيوية الإيرانية.

◆ 3. ذريعة «بيك أكس» والخط الأحمر النووي

جاء التحرك الأمريكي المتسارع مدفوعاً بتقارير استخباراتية وصور أقمار صناعية نشرها «مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية» (CSIS)، وتناولتها الصحافة الأمريكية مثل «واشنطن بوست». تظهر التقارير «طفرة بناء غير عادية ومريبة» داخل منشأة «بيك أكس» النووية في إيران.

هذا التطور استغله ترامب لتوجيه تحذير علني حاد ومباشر لطهران، مفاده أن واشنطن لن تتسامح مع أي محاولة «للتذاكي»، مما يمنح الولايات المتحدة الذريعة المباشرة للتحرك قبل فوات الأوان.

◆ 4. اشتعال جبهات حلفاء إيران وحرب الطاقة

لم تقف إيران مكتوفة الأيدي، بل سارعت إلى تحريك أوراقها الإقليمية للضغط على واشنطن وحلفائها. وتمثل ذلك في الهجوم الواسع الذي شنه الحوثيون بالصواريخ الباليستية والمجنحة والطائرات المسيّرة، مستهدفين العاصمة السعودية الرياض ومنشآت شركة أرامكو في ينبع. هذا التصعيد الإيراني غير المباشر يهدف إلى إرسال رسالة مفادها أن أي ضربة في العمق الإيراني ستعني تفجير أمن الطاقة العالمي والممرات البحرية بالكامل، وهو الأمر الذي يراه محللون عسكريون سبباً إضافياً يدفع واشنطن إلى إنهاء هذا التهديد بشكل جذري عوضاً عن التراجع.

◆ 5. انسداد الأفق الدبلوماسي والشروط التعجيزية

أخيراً، وصلت الجهود الدبلوماسية إلى طريق مسدود، فالشروط الإيرانية التي نُقلت إلى البيت الأبيض عبر الوسيط القطري لوقف الحرب، والتي شملت الرفع الكامل للحصار البحري الأمريكي عن الموانئ الإيرانية والإفراج عن كافة الأموال المجمدة، تعد شروطاً تعجيزية ترفضها إدارة ترامب جملة وتفصيلاً. يضع هذا الانسداد الإدارة الأمريكية أمام خيارين: إما القبول بـ«شروط الاستسلام الإيرانية» أو اللجوء إلى القوة لفرض الشروط الأمريكية.

ووفقاً لتصريحات ترامب الأخيرة لوسائل إعلام أمريكية حول دراسة خيار «الإبادة العسكرية للنظام»، يبدو أن كفة السلاح هي الراجحة.

ووفق ما تقدم، يبدو أن الشرق الأوسط اليوم ليس أمام مناورة سياسية أو جولة جديدة من «الحرب النفسية»، بل يقف حرفياً على حافة تحول عسكري إقليمي كبير.

فكل المؤشرات اللوجستية والاستخباراتية والميدانية تلاقت عند نقطة واحدة: مرحلة «عض الأصابع» شارفت على الانتهاء، والساعات القادمة قد تحمل معها بداية موجة الضربات الأمريكية الأقسى ضد طهران، ما لم تحدث معجزة دبلوماسية في أروقة الأمم المتحدة بنيويورك تجبر الطرفين على التراجع في اللحظة الأخيرة.

◆ النظرة الأخرى

إذا كان فريق يرى أن فرضية الحرب هي الأقوى، فإن فريقاً آخر يقدّر أن واشنطن خسرت، وأن اللجوء إلى عمل عسكري جديد لن ينفع.

مجلة «فورين أفيرز» الأمريكية نشرت يوم 18 سبتمبر 2026 مقالاً يتناول تحوّل الحروب الحديثة إلى حروب استنزاف طويلة الأمد، حيث لا يُحسم الصراع فقط بالتفوّق العسكري، بل بقدرة كل طرف على الصمود، وتجديد موارده، والحفاظ على إرادته السياسية والاقتصادية.

يُعدّ الاستنزاف السمة الأبرز للصراعات المعاصرة. فقد تحوّلت الحروب في أوكرانيا والشرق الأوسط إلى منافسات طاحنة حول قدرة كل طرف على استنزاف القدرات العسكرية والموارد الاقتصادية والإرادة السياسية للطرف الآخر. ولكل منها، بطبيعة الحال، خصائصها الفريدة، إلا أن مساراتها المتشابهة تعكس تغيراً أعمق في كيفية سير الحروب اليوم. فخلال الحرب في أوكرانيا، كانت أطقم المدفعية تمتلك المدافع وتستطيع تحديد أهدافها، لكنها كانت تفتقر إلى القذائف اللازمة لإطلاقها. وقد اكتشف المهندسون الأوكرانيون أن أنواعاً جديدة من الطائرات المسيّرة تُواجَه بإجراءات روسية مضادة في غضون أسابيع، ما يُقوّض أي ميزة كانت تتمتع بها لفترة وجيزة. وفي إيران، أضعفت الولايات المتحدة الجيش الإيراني ودمّرت منشآت نووية مدفونة في أعماق الأرض، لكنها فشلت في حلّ المشكلة السياسية التي جعلت هذه الأسلحة تهديداً في المقام الأول.

تُجسّد كل ديناميكية فجوة مختلفة تُساعد في تفسير سبب لجوء الدول بشكل متزايد إلى استراتيجيات الاستنزاف، أو وقوعها في فخها. الأولى هي الفجوة بين القدرة العسكرية التي تمتلكها الدول نظرياً والقوة التي يمكنها نشرها والحفاظ عليها فعلياً. والثانية هي الفجوة بين مبادئ الحرب التقليدية وساحة المعركة الحديثة التي تجعل فيها التكنولوجيا تحقيق اختراقات حاسمة أمراً بالغ الصعوبة. أما الثالثة، فهي الفجوة بين الوسائل العسكرية والغايات السياسية التي يُراد تحقيقها. مجتمعة، تدفع هذه الاختلالات الحروب نحو الاستنزاف. فعندما تعجز الدول عن توليد وتجديد قدرات عسكرية كافية لسحق العدو، تصبح الحرب اختباراً للصمود. وعندما يصعب تحقيق اختراقات حاسمة، يصبح السعي وراء مكاسب تدريجية والتدمير المستمر لقدرات العدو أمراً مغرياً. وعندما تكون الأهداف السياسية النهائية للمتحاربين غامضة أو متطرفة، قد يبدو فرض تكاليف باهظة إلى أجل غير مسمّى البديل الوحيد للاستسلام.

يمثّل هذا تحدياً خاصاً للولايات المتحدة. فمع سعي القادة الأمريكيين المتزايد نحو عمليات عسكرية قصيرة وحاسمة، قد تواجه الولايات المتحدة خصوماً يرون في إطالة أمد الصراعات ميزة. قد لا تختار الولايات المتحدة حرب الاستنزاف، لكن عليها أن تكون مستعدة لخوض حروب والانتصار فيها، حتى وإن اختارها خصومها.

◆ الطريق الطويل والشاق

تُقاس القوة العسكرية تقليدياً بما تملكه الدول من أصول، كالقوات ومنصات الأسلحة ومخزونات الذخيرة. إلا أن الحروب الأخيرة كشفت الفجوة بين القوة الاسمية والقدرة العسكرية الفعلية. في كتابه «كيف حُسمت الحرب»، الصادر عام 2015، جادل المؤرخ فيليبس أوبراين بأنه حتى خلال الحرب العالمية الثانية، أصبح الفوز في المعارك الكبرى التي استحوذت على اهتمام الجماهير أقل أهمية من السيطرة على ما سمّاه «ساحة المعركة الكبرى»، وهي المساحة الشاسعة من المصانع وخطوط الإمداد التي تُنتَج وتُنقَل عبرها القوة العسكرية. ومنذ تلك الحرب، ازدادت أهمية القدرة على توليد القوة العسكرية والحفاظ عليها. تستهلك الجيوش الحديثة المعدات العسكرية بوتيرة هائلة، وأصبح خصومها أكثر قدرة على تعطيل شبكات الإنتاج والإمداد اللازمة لاستبدالها.

عندما غزت روسيا أوكرانيا مجدداً مطلع عام 2022، بدت وكأنها تمتلك تفوقاً عسكرياً ساحقاً. ومع ذلك، ولأن روسيا لم تستطع تحويل مواردها الهائلة بسرعة إلى قوة قتالية مستدامة على الجبهة، فقد فشلت في توظيف قدراتها بفعالية والاستيلاء على كييف.

لكن احتياطياتها المادية والبشرية مكّنت روسيا من تجاوز انتكاساتها المبكرة. فقد استطاعت حشد المزيد من الأفراد، والاستفادة من مخزونات الذخيرة الضخمة، وزيادة إنتاج الأسلحة، واللجوء إلى شركاء مثل كوريا الشمالية لدعم معركتها. طوّرت روسيا نظرية للنصر تقوم على فكرة أنها ليست بحاجة إلى هزيمة أوكرانيا هزيمة ساحقة إذا استطاعت الصمود أمامها وإنهاكها تدريجياً، في انتظار تراجع التزام أوروبا والولايات المتحدة السياسي. منح الاستنزاف روسيا ميزة عسكرية، لكنه كشف أيضاً عن مشكلة أخرى لدى حلفاء أوكرانيا الأقوياء في حلف الناتو: فالقوة الإجمالية لا تُترجم بالضرورة إلى القدرة على خوض حرب طويلة الأمد ومكلفة.

تتمتع الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي بقوة اقتصادية وعسكرية تفوق بكثير قوة روسيا. ومع ذلك، فإن حرب الاستنزاف تقيس القوة بمعايير مختلفة. فالناتج المحلي الإجمالي لا يُقاس بالمدفعية، والإنفاق الدفاعي الإجمالي لا يكفي بحد ذاته لاعتراض الصواريخ. لم تُبنَ الصناعات الدفاعية لشركاء أوكرانيا على استبدال الذخيرة بسرعة، بل كانت مُنظَّمة حول الإنتاج في زمن السلم. ولذلك، واجهت صعوبة في تحويل إمكاناتها الكامنة بالسرعة الكافية إلى قذائف وصواريخ اعتراضية وقدرات عسكرية أخرى قابلة للاستخدام.

وهكذا، واجهت روسيا وحلف شمال الأطلسي فجوة القدرات بطرق متناقضة تقريباً. ففي البداية، امتلكت روسيا قدرات من دون فعالية مماثلة. أما داعمو أوكرانيا، فكانت لديهم فعالية من دون عمق كافٍ لخوض حرب طويلة الأمد.

◆ صورة مختلفة للديناميكية

قدّم الصراع بين القوات الأمريكية والإسرائيلية وإيران صورة مختلفة لهذه الديناميكية. لم تكن القوة العسكرية التقليدية الإيرانية قادرة على مجاراة قوة «إسرائيل» أو الولايات المتحدة، لكن طهران أمضت عقوداً في بناء قدرتها على تعويض نقصها التقليدي من خلال إنشاء قدرات عسكرية خارج أراضيها. سمحت شبكة إيران من الوكلاء لطهران بممارسة الضغط على جبهات متعددة، ما أجبر «إسرائيل» والولايات المتحدة على استهلاك صواريخ اعتراضية والحفاظ على وتيرة عملياتية عالية. كشف استخدام إيران للطائرات المسيّرة والصواريخ منخفضة التكلفة عن قصور الصواريخ الاعتراضية باهظة الثمن والسفن الحربية المتطورة والطائرات الحديثة. في استراتيجية الاستنزاف هذه، كل ما تحتاجه إيران هو الاستمرار في تكبيد الخصوم خسائر فادحة وتعويض ما فقدته.

عشية الغزو الروسي لأوكرانيا، أشاد أحد الجنرالات الأمريكيين بقدرة موسكو على التعلم والتكيف. وقد أثبتت أوكرانيا قدرتها على التكيف بسرعة أكبر. إلا أن سرعة التكيف من كلا البلدين أدت إلى مفارقة. فالمزايا التي كان من الممكن أن تُمكّن من تحقيق اختراق أصبحت مؤقتة، ولم يتمكن أي من الطرفين من الحفاظ على تفوقه لفترة كافية لتحقيق نتائج حاسمة.

هذه هي الفجوة الثانية. فمع تغيير التكنولوجيا لساحات المعارك، بات تطبيق المبادئ التقليدية لتحقيق التفوق العسكري، كقوات المناورة وحشد القوة القتالية، أكثر صعوبة، ما يدفع الحروب نحو الاستنزاف. في عصر الطائرات المسيّرة، يَسهُل رصد القوات المحتشدة وتدميرها، ويمكن رصد تجمعات القوات والإمدادات اللوجستية اللازمة للمناورة واسعة النطاق واستهدافها قبل تحقيق أي اختراق. ويصعب خلق عنصر المفاجأة عندما تكون ساحة المعركة تحت المراقبة المستمرة. يخلق التقدم التكنولوجي باستمرار فرصاً جديدة، لكن التكيف المضاد يقضي على هذه المزايا بسرعة.

تغيّر التكنولوجيا أيضاً كيفية تطبيق مبادئ الحرب التقليدية في الشرق الأوسط. لنأخذ مثالاً على ذلك: استخدام «إسرائيل» والولايات المتحدة للمعلومات الاستخبارية والأسلحة الدقيقة والضربات بعيدة المدى لتحقيق تأثيرات واسعة النطاق من دون الحاجة إلى حشد قوات فعلية. وقد طبّقت إيران المبدأ نفسه بطريقة مختلفة، مستخدمة وابلاً كثيفاً من الصواريخ والطائرات المسيّرة لإرباك الدفاعات المتطورة. ولأن كلا الجانبين قادر على إحداث تأثيرات مركّزة باستمرار من دون حشد القوات، يصبح تدمير قدرة العدو على مواصلة القتال أكثر صعوبة. يتحوّل الصراع نحو تبادل متكرر للهجمات، وإعادة التموين، والصمود. وبهذا المعنى، يمكن للتكيّف السريع أن يُعزّز استراتيجية الاستنزاف.

◆ تغيير قواعد اللعبة

أما الفجوة الاستراتيجية الثالثة، وربما الأصعب، فهي أن الوسائل العسكرية المستخدمة في الحروب الحالية لا تُحقق النتائج السياسية المرجوة. وينطبق هذا على كل من الحرب الروسية ضد أوكرانيا، والمواجهة الأوسع نطاقاً في الشرق الأوسط التي تشمل الولايات المتحدة و«إسرائيل» وإيران وحلفاء إيران الإقليميين. ففي هذه الحروب، لا يسعى المتحاربون إلى تعديلات محدودة على الحدود الإقليمية أو تغييرات طفيفة في سلوك الخصم، بل إلى أهداف طموحة غير قابلة للتفاوض.

لا تترك هذه المخاطر الجسيمة مجالاً يُذكر للتسوية، ما يجعل الحروب مستعصية للغاية. وتُكبّد الحرب الاستنزافية خسائر فادحة في الأرواح والأموال، من دون أن تُسهم، على ما يبدو، في تضييق الخلافات السياسية.

كان هذا الغموض مفهوماً: فتحديد هدف ملموس وتخصيص الوسائل العسكرية لتحقيقه كان يُنذر بوضع الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي في مسار تصادمي مباشر مع روسيا. لكن النتيجة كانت استراتيجية عسكرية منفصلة عن الاستراتيجية السياسية، وعزيمة على منع هزيمة أوكرانيا وفرض تكاليف باهظة على روسيا إلى أجل غير مسمّى.

في الشرق الأوسط، برزت مشكلة مماثلة. فقد فرضت القوة العسكرية تكاليف باهظة على كل من حماس وإيران. لكنها لم تدفع أيّاً منهما إلى الاستسلام. في بداية حرب «إسرائيل» ضد حماس، جادل غراهام أليسون وعاموس يادلين في مجلة «فورين أفيرز» بأن «إسرائيل» هزمت حماس لأنها قتلت معظم قادتها العسكريين وأكثر من نصف مقاتليها. إلا أن تدمير القدرات العسكرية للعدو لا يعني بالضرورة تهيئة الظروف السياسية اللازمة لإنهاء الصراع بشكل دائم.

استخدمت إيران السياسة، وتحديداً الضغط الدولي، كأداة في حرب الاستنزاف التي تشنّها. وسعت إلى تقويض الدعم الدولي لـ«إسرائيل»، مُشكّلة حلقة سياسية متوترة حول خصمها. وقد زادت المؤسسات الدولية، والعديد من الحكومات الأوروبية، والرأي العام في جميع أنحاء العالم، الضغط على «إسرائيل»، وتعمّقت عزلتها. وكان لهذا تبعات استراتيجية. فعلى الرغم من أنّ «إسرائيل» أثبتت قدرتها على الهيمنة العسكرية، إلا أنها واجهت صعوبة في ترجمة تلك الانتصارات إلى بيئة سياسية إقليمية أكثر ملاءمة. وتدهورت علاقاتها مع الحكومات الأوروبية وغيرها من الحكومات الأجنبية، وتُعقّد هذه الانقسامات الآن المناقشات الدولية حول ترتيبات ما بعد الحرب في غزة.

◆ كسر القالب

تُشكّل حروب الاستنزاف معضلة استراتيجية خاصة للولايات المتحدة. فقد خطط البنتاغون لعمليات عسكرية قصيرة وحاسمة، وكثيراً ما يعد بها القادة السياسيون في واشنطن. إلا أن الخصوم اليوم يملكون الوسائل والحوافز لحرمان الولايات المتحدة من هذا النوع من الحروب وإطالة أمد الصراعات، على أمل استعادة القدرات، وفرض تكاليف باهظة، وتجاوز الإرادة السياسية الأمريكية.

في الوقت نفسه، بنت الولايات المتحدة جيشاً يعتمد اعتماداً كبيراً على أعداد قليلة نسبياً من أنظمة الأسلحة المتطورة والمكلفة، وقاعدة صناعية لا تستطيع استبدال العديد من هذه الأنظمة بسرعة، واستراتيجيات غالباً ما تُبقي الظروف السياسية اللازمة للنصر من دون حل. يبذل مخططو الدفاع الأمريكيون بعض الجهود لتغيير هذا الوضع العسكري، لكن الأمر سيستغرق وقتاً. لا يكمن الخطر في عجز الولايات المتحدة عن كسب حرب استنزاف، بل في استمرار تنظيمها على أساس توقع عدم اضطرارها لخوضها.

◆ الخروج من الشرق الأوسط

نشرت صحيفة «التلغراف» البريطانية يوم 19 سبتمبر 2026 تقريراً يتناول فشل الاستراتيجية العسكرية الأمريكية في «الشرق الأوسط» أمام الاستهدافات الإيرانية، مؤكدة انهيار 30 عاماً من «الردع المتقدم» خلال أشهر.

ويكشف التقرير، نقلاً عن المفتش العام لـ«البنتاغون»، تضرر وتدمير مئات المنشآت والمباني بالقواعد الأمريكية بالمنطقة، معتبراً أن هذه المواقع تحولت إلى عبء وأهداف سهلة لضربات حرس الثورة الإيراني.

ويرى التقرير أنّ الفشل الميداني أثبت قدرة طهران على إخراج واشنطن من المنطقة، ما دفع حلفاء الخليج إلى إعادة حساباتهم والبحث عن شراكات دفاعية جديدة مع دول مثل تركيا وباكستان.

وأكدت صحيفة «التلغراف» أن إيران أثبتت قدرتها على إخراج الولايات المتحدة من «الشرق الأوسط»، كاشفة عن كلفة عسكرية فادحة تكبدتها واشنطن خلال الحرب المستمرة منذ نحو 7 أشهر على طهران.

ونقلت الصحيفة تقديرات صريحة صادرة عن المفتش العام في وزارة الحرب الأمريكية «البنتاغون» منتصف سبتمبر، أفادت بأن «مئات المباني والمنشآت» في القواعد الأمريكية في أنحاء المنطقة تعرضت للضرر أو دُمرت بالكامل، وهو رقم أعلى بكثير من التقديرات السابقة، ويتوافق مع صور الأقمار الاصطناعية التي تظهر كميات كبيرة من الأنقاض في مواقع استراتيجية مثل قاعدة «الأمير سلطان» الجوية في السعودية ومقر الأسطول الخامس الأمريكي في البحرين.

وجزمت الصحيفة بأنّ الواقع الميداني لا يتطابق إطلاقاً مع النظرة الوردية التي تتشبث بها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والتي تزعم أن الحرب تسير وفق الخطة وأن «النصر» بات قاب قوسين أو أدنى، حيث يصر ترامب على أن القتال سينتهي بعد وقت قصير من انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر، بينما يؤكد وزير حربه، بيت هيغسيث، أن الجيش الأمريكي يمتلك الذخائر والوقت لإجبار الإيرانيين على «استسلام مذل».

وشدد التقرير على أن الحرب لم تسر وفق الخطة منذ الأسبوع الأول، إذ لم تُوقّع إيران أي اتفاق، ولا يزال مضيق هرمز مغلقاً أمام حركة ناقلات النفط، في حين تتوقف أنابيب النفط السعودية الرئيسية الممتدة من الشرق إلى الغرب عن العمل، مشيراً إلى أن محاولات «البنتاغون» تقديم أقل قدر ممكن من المعلومات للجمهور لم تستطع إخفاء الفشل الميداني.

◆ انهيار 30 عاماً من استراتيجية «الردع المتقدم»

وأوضحت «التلغراف» أن الأهم من لقطات الأضرار المادية وحجمها هو ما كشفته الحرب بشأن الانتشار العسكري التقليدي لواشنطن في منطقة الخليج، إذ إن 30 عاماً من السياسة العسكرية الأمريكية والافتراضات التي قامت عليها منذ نهاية حرب الخليج عام 1991 قد انهارت خلال أقل من 7 أشهر.

وأضافت أن المنطق الأمريكي القائم على مفهوم «الدفاع المتقدم» وإنشاء شبكة قواعد لوجستية لردع خصوم مثل إيران ومنع استهدافات على دول الخليج قد تمزق إرباً، إذ تحولت القواعد الأمريكية، بمجرد اندلاع القتال، من أداة ردع إلى عبء ونقاط استهداف مثالية لإيران، التي كرست عقوداً ومليارات الدولارات لبناء أكبر مخزون من الصواريخ في «الشرق الأوسط».

ولفتت إلى أن المنشآت نفسها التي اعتبرها صانعو السياسة الأمريكيون أساسية للحفاظ على توازن القوى أصبحت مصادر للفوضى، في ظل الاستهدافات المتواصلة لحرس الثورة الإيراني، والتي أجبرت واشنطن على استهلاك صواريخ اعتراض دقيقة ومهمة للدفاع الجوي سيستغرق تعويضها سنوات، مؤكدة أن القواعد الأمريكية في الأردن لم تكن هي الأخرى بمنأى عن الاستهدافات الإيرانية.

◆ إعادة تقييم خليجية ونهاية «مبدأ كارتر»

وأشار التقرير إلى أن شبكة المطارات العسكرية والموانئ والثكنات الأمريكية الممتدة من قطر إلى «إسرائيل» باتت تمثل أهدافاً سهلة ونقاط ضعف يتعين على «البنتاغون» حمايتها، مبيناً أن الحلفاء في الرياض وأبوظبي والدوحة يخوضون نقاشات حاسمة حول ما إذا كان الاعتماد المطلق على واشنطن خطأً فادحاً في التقدير، خاصة بعد توقيع قطر والبحرين والإمارات اتفاقيات دفاع مع واشنطن في عقود سابقة.

وكشفت الصحيفة أن السعودية تتولى قيادة هذا التحول بعيداً عن الاتكال التام على واشنطن، عبر توقيعها اتفاق دفاع مع باكستان وتركيا شهر أغسطس 2026، بحثاً عن ضمانات وحواجز أمان إضافية، دون قطع شامل للروابط مع الأمريكيين.

وخلصت «التلغراف» إلى أن هذه الحرب الممتدة في الخليج، التي لم يرغب فيها أحد باستثناء «إسرائيل»، فرضت إعادة تقييم طال انتظارها للأولويات الاستراتيجية الأمريكية والمصالح المحدودة لواشنطن، جازمة بأن الرئيس دونالد ترامب قد وضع عملياً حداً لـ«مبدأ كارتر» الصادر عام 1979، والذي كان يعتبر أي عدوان يستهدف إمدادات الطاقة في الخليج تهديداً مباشراً للأمن القومي الأمريكي.

◆ تهديد للانتخابات

نشرت وكالة «بلومبرغ» الأمريكية يوم 19 سبتمبر 2026 تقريراً يتناول أزمة الديزل في الولايات المتحدة وتداعياتها الاقتصادية والسياسية، في ظل ارتفاع أسعار النفط واضطراب عمل المصافي عالمياً.

ويركز على أن ارتفاع سعر الديزل لا يقتصر أثره على سائقي المركبات، بل يمتد إلى الشحن والتصنيع والزراعة والبناء وسلاسل التوريد، ما قد يفاقم التضخم ويرفع الكلفة على المستهلكين.

تبدأ السياسة الأمريكية في مجال الطاقة وتنتهي عادة بأسعار البنزين. وقد بلغت هذه الأسعار مستويات قياسية موسمية، لكن حتى سعر 4.44 دولارات للغالون يبدو ضئيلاً مقارنة بسعر الديزل، الذي وصل الآن إلى أعلى مستوى له على الإطلاق عند 6.40 دولارات. يتجاهل معظم السائقين هذا الجزء من لوحة الأسعار ـ فهي محطة وقود في نهاية المطاف ـ لكن أمريكا لا تستطيع تجاهل الأمر. فالديزل لا يمثل مشكلة سعرية وسياسية آنية فحسب، بل يفاقم أيضاً نقاط الضعف في الولايات المتحدة على عدة جبهات، وستستمر آثار ذلك طوال فصل الشتاء وحتى عام 2027.

يُكرَّر برميل النفط الخام إلى منتجات مختلفة، مثل البنزين والنفتا وغيرها. وأحد هذه المنتجات هو «زيت الوقود المقطر»، الذي يتكون من ديزل النقل، نحو 75 في المئة من الإجمالي، إضافة إلى زيت الوقود المستخدم في تدفئة المنازل وتشغيل المولدات وغيرها من العمليات الصناعية. وتستهلك الولايات المتحدة في المتوسط نحو 3.9 ملايين برميل من المقطر يومياً، وهو أقل بكثير من استهلاك البنزين البالغ 8.8 ملايين برميل. لكن الديزل هو وقود التجارة، إذ يشغل الشاحنات والقطارات والجرارات وغيرها، ما يعني أن سعره يؤثر في كل شيء: الخدمات اللوجستية، والتصنيع، والزراعة، والبناء، وحتى مراكز البيانات.

ويضيف ذلك عنصراً آخر معقداً إلى التضخم المستعصي أصلاً، والذي، كما كتب زميلي جوناثان ليفين في «بلومبرغ أوبينيون» مؤخراً، يهدد بزعزعة استقرار توقعات الأسعار العامة. ويمكن تمرير الارتفاعات الطفيفة في أسعار الديزل عبر رسوم إضافية مؤقتة على عقود الشحن، لكن الزيادة المستمرة ستصبح، في نهاية المطاف، جزءاً لا يتجزأ من تلك العقود، وستصل إلى المستهلكين مع مرور الوقت عبر سلسلة التوريد.

ويبدو أن الارتفاع الحالي سيستمر. ويُعدّ وصول سعر النفط الخام إلى أكثر من 100 دولار بسبب الحرب الإيرانية عاملاً مهماً. وقد عجز محللو السلع في شركة «جي بي مورغان تشيس» عن التنبؤ بمآل هذا الارتفاع، وكتبوا: «ببساطة، لا نعرف كيف نرسم صورة لما سيحدث في نهاية المطاف».

لكن من الواضح أن الأمر لا يقتصر على النفط الخام فحسب، بل يشمل أيضاً التكرير، إذ يجري تداول العقود الآجلة للديزل عند نحو 214 دولاراً للبرميل، ما يعادل سعر تجزئة يبلغ نحو 269 دولاراً. ويبلغ فرق السعر بين العقود الآجلة للديزل والنفط الخام، أو ما يُعرف بـ«هامش التكرير»، حالياً نحو 112 دولاراً للبرميل، أي أعلى من سعر النفط الخام نفسه، وهو أمر غير معتاد على الإطلاق.

وإلى جانب النفط الخام، أدت الحرب الإيرانية إلى تعطيل إنتاج المصافي الإقليمية وشحنات الوقود. وفي الوقت نفسه، اشتدت هجمات الطائرات المسيّرة الأوكرانية على المصافي الروسية. وتشير تقديرات وكالة الطاقة الدولية إلى أن صادرات الديزل الروسية والشرق أوسطية انخفضت مجتمعة بنسبة 75 في المئة في أغسطس مقارنة بعام 2025. وعلى الصعيد العالمي، انخفض تشغيل المصافي بمقدار 4.2 ملايين برميل يومياً.

وعندما تتوقف المصافي عن العمل، تنخفض أسعار الأسهم. لكن الوضع مختلف قليلاً في الولايات المتحدة، فالمصافي تعمل بكامل طاقتها، ومع ذلك انخفضت أسعار الأسهم بشكل حاد.

وبلغ مخزون الولايات المتحدة من المشتقات النفطية نحو 104 ملايين برميل في نهاية أغسطس، وهو أدنى مستوى سُجل في ذلك الشهر منذ مطلع خمسينيات القرن الماضي، حين كان الطلب يعادل ثلث مستواه الحالي. ويرتفع الطلب على المشتقات النفطية من هذه المستويات ليبلغ ذروته الشتوية، ويعود ذلك جزئياً إلى موسم الحصاد واستخدام الأسر لزيت التدفئة، لا سيما في ولايات الشمال الشرقي. أما نيو إنجلاند، حيث تعد المخزونات من بين أدنى مستوياتها المسجلة، فمن الأفضل لها أن تأمل ألا يكون شتاء هذا العام شبيهاً بشتاء عام 2025.

ومع ذلك، فإن هوامش الربح الهائلة هذه تعني أن مصافي النفط الأمريكية تشهد عاماً ذهبياً، فهي القطاع الفرعي الرائد في مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بفارق كبير، بعدما ارتفعت بنسبة 141 في المئة حتى الآن. كما تعمل هذه المصافي بجهد أكبر ولفترات أطول من المعتاد، مع تجاوز معدل التشغيل 95 في المئة طوال فصل الصيف.

ومع ذلك، ارتفعت صادرات الديزل، إذ سعت دول أخرى متأثرة بالاضطرابات الجيوسياسية إلى شراء النفط الأمريكي. ويتزايد خطر أن تتعرض شركات النفط لضغوط في حال أصيب ترامب، رغم كونه حليفاً لها، بالذعر حيال الأسعار قبيل انتخابات التجديد النصفي، فيقدم على حظر صادرات الوقود. ومن المؤكد أن تصريح زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ، جون ثون، بأنه «منفتح على دراسة» هذه الفكرة، لن يلقى استحساناً في هيوستن.

لكن المشكلة الأساسية تكمن في محدودية عدد مصافي النفط الأمريكية. وقد أشار وزير الطاقة كريس رايت إلى إمكانية تفعيل قانون الإنتاج الدفاعي لزيادة الطاقة الإنتاجية. ويرى محللون في شركة «كليرفيو إنرجي بارتنرز» أن التمويل الفيدرالي قد يسهم في إعادة فتح مصفاة أُغلقت مؤخراً، مثل مصفاة «فاليرو» في بينيسيا بكاليفورنيا، أو حتى مصفاة «ليمتري باي» في جزر فيرجن الأمريكية، التي واجهت تحديات طويلة الأمد. إلا أن ذلك لن يحدث بين عشية وضحاها.

أما بالنسبة إلى المصافي الجديدة، فعلى أي مطور أن يوازن بين استثمار يمتد لعقود من الزمن، وبين ركود الطلب على النفط في الولايات المتحدة وسياسة الطاقة الفيدرالية التي تذبذبت بين دعم الوقود الأحفوري والطاقة النظيفة خلال عقد واحد فقط.

وفي الوقت نفسه، يؤدي تشغيل المصافي بجهد أكبر ولفترات أطول إلى تراكم العجز في أعمال الصيانة المؤجلة. وقد تجاوز معدل الاستخدام المتوسط طوال العام، وقد تطغى هذه الشقوق الكبيرة على موسم الصيانة الخريفية. وهذا ينذر بخطر حدوث انقطاعات غير مخطط لها، قد تسبب اضطرابات في عام 2027، حين يأمل السوق في إعادة بناء المخزونات المستنفدة.

وبحلول ذلك الوقت، قد تكون الحربان اللتان تشكلان أساس هذه الأزمة قد انتهتا. وإحداهما على الأقل تخضع اسمياً لسيطرة ترامب، وهو يدرك تماماً التداعيات السياسية لارتفاع أسعار الطاقة مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي. وقد لا يمثّل زيت الوقود مشكلة شاملة مثل البنزين، لكنه يستخدم لتدفئة العديد من المنازل في عدة ولايات متأرجحة في انتخابات مجلس الشيوخ، مثل ألاسكا ومين ونيو هامبشاير، كما أن استخدامه أكثر شيوعاً في المناطق الريفية التي غالباً ما تميل إلى الحزب الجمهوري.

ومع ذلك، بمجرد أن ينقشع غبار انتخابات 3 نوفمبر 2026، ستظل مشكلات الديزل في أمريكا تتفاقم.

عمر نجيب

Omar_najib2003@yahoo.fr


طبول التصعيد تدقّ على ضفتي هرمز والعالم يترقب مصير الملاحة والطاقة
طبول التصعيد تدقّ على ضفتي هرمز والعالم يترقب مصير الملاحة والطاقة

              















MyMeteo




Facebook
YouTube
Newsletter
Rss

الاشتراك بالرسالة الاخبارية
أدخل بريدك الإلكتروني للتوصل بآخر الأخبار