Quantcast
2026 سبتمبر 11 - تم تعديله في [التاريخ]

لقجع أشعل نارًا كنا في غنى عنها… أول زلة سياسية كبيرة لرجل اعتاد الانتصارات الرياضية

كلمة واحدة فوق منصة انتخابية أشعلت سباقًا دوليًا لم تحسمه «فيفا».. الكاتب "بوشعيب حمراوي" يفتح ملف أول اختبار سياسي كبير لـ"فوزي لقجع" ويسأل: ماذا ربح المغرب من إعلان النتيجة قبل نهاية المباراة؟


الكاتب "بوشعيب حمراوي"
الكاتب "بوشعيب حمراوي"
*بقلم: بوشعيب حمراوي*
«فيفا» تعيد النهائي إلى مربع الانتظار وإسبانيا ترفع السقف… فهل نقل لقجع معركة كان يجب أن تُدار في الكواليس إلى قلب السياسة والانتخابات؟

لم يحتج تصريح فوزي لقجع بشأن نهائي كأس العالم 2030 إلى أيام أو أسابيع حتى تظهر تداعياته؛ فقد كانت ساعات قليلة كافية ليتحول كلام قيل فوق منصة انتخابية في بوزنيقة إلى قضية رياضية وسياسية تتردد أصداؤها بين الرباط ومدريد ومقر الاتحاد الدولي لكرة القدم.

لقجع قال إن إقليم بنسليمان سيحظى بشرف تنظيم نهائي كأس العالم 2030، وربط ذلك أيضًا بما ينبغي أن تحظى به المنطقة من تنمية خلال المرحلة المقبلة. لكن «فيفا» لم تترك الانطباع بأن الملف حُسم يستقر طويلًا؛ إذ أكدت، في 10 شتنبر، أن قرار تحديد مكان المباراة النهائية لم يُتخذ بعد، وأنه سيصدر «في الوقت المناسب».

وفي اليوم التالي، لم يعد الأمر مجرد سجال رياضي أو تأويل إعلامي؛ إذ دخل رئيس الحكومة، عزيز أخنوش، بنفسه على الخط، منتقدًا استباق الحسم في موضوع بهذا الحجم، ومشددًا على ضرورة التنسيق واحترام الشريكين الإسباني والبرتغالي، ومعتبرًا استعمال هذه المسألة في السياق الانتخابي أمرًا غير مناسب.

أما في إسبانيا، فقد جاء تصريح لقجع فوق أرض سياسية ورياضية ملتهبة أصلًا؛ لأن معركة النهائي لم تبدأ معه، ولم يكن الإسبان ينتظرون كلامه للمطالبة بالمباراة الحاسمة.

فرئيس الحكومة الإسبانية، بيدرو سانشيز، سبق أن أكد أن حكومته ستعمل بكل ما تستطيع لكي يكون النهائي في إسبانيا. كما ذهب رئيس الاتحاد الإسباني لكرة القدم، رافاييل لوزان، أبعد من ذلك منذ يناير 2026، عندما قال إن إسبانيا «ستقود» مونديال 2030 وإن النهائي سيقام فيها، رغم أن «فيفا» لم تكن قد اتخذت قرارها. ثم كرر خلال شتنبر أنه من غير المفهوم ألا تحتضن إسبانيا المباراة النهائية.

إذن، وحتى نكون منصفين، لقجع ليس أول مسؤول كروي يجزم بشيء لم تجزم به «فيفا».

لكن الفرق كبير.

لوزان يتحدث باسم اتحاد لكرة القدم يريد انتزاع المباراة النهائية لبلاده، أما لقجع فلم يقل كلامه داخل اجتماع للجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، ولا خلال مؤتمر يتعلق بملف مونديال 2030، بل قاله من قلب تجمع انتخابي، وهو في الوقت نفسه رئيس الجامعة ووزير منتدب ومسؤول سياسي حاضر في الحملة الانتخابية.

وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية.

* ليس الخطأ أن نريد النهائي… بل أين ومتى وكيف نعلنه

لا أحد يستطيع أن يلوم لقجع لأنه يريد النهائي للمغرب، بل إن مسؤوليته على رأس الجامعة تفرض عليه أن يستعمل كل ما يملكه المغرب من قوة وعلاقات وحضور دولي لانتزاع المباراة الأهم في كأس العالم.

ونحن، بدورنا، نريدها في بنسليمان.

لكن المعركة التي تدور داخل دواليب «فيفا» شيء، وتحويل نتيجتها المفترضة إلى وعد فوق منصة انتخابية شيء آخر تمامًا.

فحين يقول رئيس الجامعة أمام جمهور انتخابي إن بنسليمان «سيكون لها شرف» تنظيم النهائي، ثم يتحدث عمن يريد أن يكون في الحكومة المقبلة وما ينبغي أن يفعله لتنمية الإقليم، يصبح من الصعب فصل الرياضي عن الانتخابي، والوعد الوطني عن الرسالة المحلية، ومعلومة رئيس الجامعة عن خطاب السياسي.

وهنا يمكن القول إن لقجع أشعل نارًا كان المغرب في غنى عنها.

ليس لأنه اخترع الصراع مع إسبانيا، بل لأنه أعطاه، في توقيت بالغ الحساسية، عنوانًا جديدًا ودرجة حرارة إضافية.

* إسبانيا لم تنتظر طويلًا

في مدريد، التقط الجميع الرسالة.

خرج رئيس الاتحاد الإسباني، رافاييل لوزان، في 11 شتنبر، ليقول بوضوح أكبر إن إسبانيا ستكون مكان النهائي، وإنه «لا يمكن أن يكون الأمر على نحو آخر»، مستندًا إلى خبرة بلاده ومنشآتها وقدرتها التنظيمية، مع إقراره، في الوقت نفسه، بأن القرار النهائي يعود إلى «فيفا».

والاتحاد الإسباني، وفق ما نقلته الصحافة الإسبانية، فوجئ بتصريح لقجع، وإن كان يحاول تفادي تحويل الخلاف إلى مواجهة مباشرة مع شريكه المغربي. لكنه يؤكد، في المقابل، أنه مستعد للقتال من أجل النهائي، وأنه لا توجد، في الحقيقة، أي وثيقة تضمن حسم المباراة لإسبانيا أو المغرب.

ثم دخل خافيير تيباس، رئيس رابطة الدوري الإسباني، على الخط متسائلًا، عمليًا: من ينبغي تصديقه؟ لقجع، وهو عضو في مجلس «فيفا» ورئيس جامعة، أم الاتحاد الدولي الذي يقول إن القرار لم يُتخذ؟

وهو سؤال، مهما كان موقفنا من صاحبه، يكشف حجم الإحراج الذي تسبب فيه التصريح.

ولم يتوقف الأمر عند المسؤولين؛ فقد تحولت القضية إلى موضوع يومي داخل الإعلام والبرامج الرياضية الإسبانية، ووصل النقاش لدى بعض المعلقين إلى القول إنه إذا خسرت إسبانيا النهائي لصالح المغرب، فعليها التفكير حتى في جدوى الاستمرار في التنظيم.

وهذه دعوة إعلامية وليست قرارًا رسميًا للدولة أو الاتحاد الإسباني، ويجب التمييز بين الأمرين.

إسبانيا لم تعلن رسميًا أنها ستنسحب إذا ذهب النهائي إلى المغرب، لكن فكرة الانسحاب ليست اختراعًا صحفيًا مغربيًا أيضًا؛ فقد سبق للحزب الشعبي الإسباني أن طالب الحكومة بضمان إقامة النهائي في إسبانيا، وطرح إعادة النظر في المشاركة في التنظيم إذا لم يتحقق ذلك، بينما تمسكت الحكومة الإسبانية رسميًا باستمرار التنظيم المشترك مع المغرب والبرتغال والعمل على إنجاح البطولة.

إذن، النار موجودة بالفعل، وتصريح لقجع أضاف إليها حطبًا جديدًا.

* من المنافسة الرياضية إلى صراع سياسي إسباني

المشكلة أن النهائي لم يعد في إسبانيا مجرد ملف كروي.

فالمغرب نفسه أصبح، خلال الأشهر الأخيرة، جزءًا من التجاذب الحزبي الإسباني، خصوصًا بعد أحداث سبتة والتوتر السياسي والإعلامي الذي رافقها، حتى إن الرباط اضطرت، قبل أيام، إلى الاحتجاج على استعمال المغرب ورقة في الحسابات والصراعات السياسية الداخلية الإسبانية.

وفي مثل هذه الأجواء، يصبح كل تصريح مغربي قابلًا لأن يُنزع من سياقه ويُدفع به إلى قلب الصراع الداخلي الإسباني.

فهل كان المغرب في حاجة إلى أن يقدم بنفسه مادة جديدة لمن يريد تصوير المملكة باعتبارها بصدد انتزاع النهائي من إسبانيا؟

وهل كان من الحكمة أن نقول فوق منصة انتخابية ما كان الأجدى أن نتركه للمفاوضات والاتصالات والتوازنات داخل «فيفا»؟

لدينا ملعب الحسن الثاني ببنسليمان، الذي ستبلغ طاقته الاستيعابية نحو 115 ألف متفرج، ولدينا حركية كروية وتنظيمية عالمية، وعلاقات قوية داخل «فيفا» وإفريقيا، وملف يستطيع الدفاع عن نفسه.

فلماذا نحتاج إلى إعلان النتيجة قبل نهاية المباراة؟

* «فيفا» سبق أن قالت: لم نحسم شيئًا

الأكثر حساسية أن موقف «فيفا» لم يكن جديدًا.

ففي 5 غشت، عندما انتشرت أخبار تفيد بأن جياني إنفانتينو ربما يكون قد وعد المغرب باحتضان النهائي، خرج الاتحاد الدولي لينفي الأمر، ويؤكد أن القرار لم يُتخذ بعد. ثم عاد، يوم 10 شتنبر، عقب تصريحات لقجع، ليكرر الرسالة نفسها تقريبًا: سنقرر في الوقت المناسب.

أي إننا لم نكن أمام فراغ معلوماتي يسمح بالتأويل؛ فقد كنا نعرف مسبقًا أن المؤسسة صاحبة القرار تقول إن الملف ما زال مفتوحًا.

وهنا يصبح السؤال السياسي مشروعًا: على أي أساس قُدمت بنسليمان أمام جمهور انتخابي باعتبارها صاحبة النهائي؟

هل يمتلك لقجع معلومات لم تعلنها «فيفا»؟

إذا كان الجواب نعم، فلماذا كشفها من منصة انتخابية قبل المؤسسة المعنية؟

وإذا كان الجواب لا، فلماذا قُدمت الأمنية أو التوقع بصيغة توحي بالحسم؟

وفي الحالتين، هناك مشكلة اتصال وتقدير سياسي.

* لكن لوزان فعل الشيء نفسه… فما الفرق؟

قد يرد البعض بالقول إن رئيس الاتحاد الإسباني سبق أن أكد، بدوره، أن النهائي سيكون في إسبانيا. وهذا صحيح، وينبغي ألا نخفيه.

بل إن لوزان قال في يناير إن النهائي سيكون في إسبانيا، ثم كرر خلال شتنبر أن بلاده ينبغي أن تستضيفه، مع أن «فيفا» لم تقرر شيئًا.

ولكن خطأ الآخر لا يبرر خطأنا.

والفارق أن لقجع يجمع اليوم بين ثلاث قبعات ثقيلة جدًا: رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، ووزير منتدب مكلف بالميزانية، وفاعل سياسي حاضر في الحملة الانتخابية.

وحين يتحدث من منصة حزبية، يصبح لكل كلمة وزن مختلف.

فما قد يُقرأ من لوزان باعتباره ضغطًا تفاوضيًا لاتحاد كرة قدم، يمكن أن يُقرأ من لقجع باعتباره إعلانًا لمسؤول حكومي، ووعدًا انتخابيًا، وموقفًا رسميًا من ملف مشترك مع دولتين.

وهذا هو ثمن الانتقال من الرياضة إلى السياسة.

* أول زلة سياسية كبيرة؟

اعتاد فوزي لقجع، خلال السنوات الأخيرة، أن تتحرك حول اسمه مفردات النجاح والانتصار وصعود كرة القدم المغربية، وهي مكاسب لا يستطيع إنكارها منصف. لكن النجاح الرياضي لا يمنح صاحبه حصانة سياسية.

في الرياضة، يكفي أحيانًا أن يفوز المنتخب لكي تُنسى عشرات التفاصيل. أما في السياسة، فالأرشيف لا ينسى، والخصوم لا ينسون، والشركاء الدوليون لا يتعاملون مع الجملة باعتبارها مجرد حماس جماهيري.

ولهذا يمكن اعتبار ما حدث إحدى أولى الزلات السياسية الكبيرة للقجع في هذه المرحلة الجديدة من حضوره السياسي.

لا لأن تصريحًا واحدًا سيسقط الرجل أو ينهي مساره، فمثل هذا الاستنتاج سيكون مبالغًا فيه، ولكن لأنه كشف مبكرًا صعوبة الجمع بين رجل الدولة، ورئيس جامعة كرة القدم، والفاعل الانتخابي في شخص واحد من دون أن تتداخل الحدود.

ومن يدري، ربما يكون لهذا الخطأ ما بعده سياسيًا إذا تحول إلى مثال يستعمله خصومه للحديث عن توظيف الإنجازات والمشاريع الرياضية انتخابيًا، وربما يكون له ما بعده رياضيًا إذا اضطر المغرب إلى استهلاك جزء من جهده لتصحيح الانطباعات، بدل تركيزه على إقناع أصحاب القرار بقوة ملف بنسليمان.

* هل أضر التصريح بحظوظ المغرب؟

يجب أن نكون هنا حذرين.

لا يوجد اليوم أي دليل يسمح بالقول إن تصريح لقجع سيحرم المغرب من النهائي، ومن غير المهني ربط قرار بهذا الحجم بجملة واحدة. لكن توجد قاعدة بسيطة: حين تكون في سباق لم يُحسم بعد، لا توجد فائدة في دفع المنافس إلى الاستنفار أكثر مما هو مستنفر أصلًا.

إسبانيا كانت تنافس، واليوم أصبحت تنافس بصوت أعلى.

حكومتها تريد النهائي، واتحادها يريده، وإعلامها يناقشه يوميًا، والحزب الشعبي جعله مسألة سياسية، وأسماء كبيرة في كرة القدم الإسبانية تدخل، تباعًا، إلى النقاش.

وفي المقابل، كل ما تقوله «فيفا» هو: لم نقرر بعد.

فمن المستفيد من رفع حرارة المواجهة قبل أربع سنوات من البطولة؟

* النهائي لا يُربح في تجمع انتخابي

معركة نهائي 2030 لن تُحسم بعدد التصفيقات في بوزنيقة، ولا بعدد العناوين في مدريد، ولا بمن يسبق الآخر إلى القول إن النهائي أصبح ملكه.

ستُحسم عندما تضع «فيفا» معاييرها، وتفحص الملاعب والبنية التحتية والنقل والأمن والطاقة الاستيعابية والتجربة التنظيمية والعوائد التجارية، ثم تدخل أيضًا الحسابات والتوازنات التي تحكم مؤسسة بحجم الاتحاد الدولي لكرة القدم.

ولهذا كان الأولى بنا أن نجعل ملعب الحسن الثاني يتكلم عن نفسه.

أن يكتمل في موعده.

أن تكون الطرق والسكك والنقل والمطارات والفنادق والأمن وكل المحيط التنظيمي جاهزًا.

وعندها يستطيع المغرب أن يقول للعالم: هذا ملعبنا، وهذه قدراتنا، وهذه ضماناتنا… اختاروا الأفضل.

ذلك أقوى ألف مرة من إعلان النتيجة قبل أن تبدأ «فيفا» في توزيع الجوائز.

* نريد النهائي مغربيًا… ولا نريد أن نخسره بسبب فائض الكلام

لسنا ضد لقجع، ولا ضد طموح المغرب، ولا ندافع عن حق إسبانيا في النهائي. العكس تمامًا.

نريد النهائي في بنسليمان، ونريد أن يرى العالم واحدًا من أكبر الملاعب على وجه الأرض يحتضن المباراة التي ستختتم مئوية كأس العالم.

لكن لأننا نريده فعلًا، علينا أن نخاف عليه من فائض الكلام بقدر ما ندافع عنه بالأشغال والاستثمارات والعلاقات والدبلوماسية.

ولقجع، الذي راكم خبرة طويلة داخل دهاليز «فيفا»، يعرف أكثر من غيره أن الملفات الكبرى لا تُربح دائمًا أمام الكاميرات، وأن بعض المعارك يحسمها الصمت أكثر مما تحسمها المنصات.

لقد أعلن لقجع النهائي من بوزنيقة، فردت «فيفا»: لم نقرر بعد.

ورد رئيس الاتحاد الإسباني: النهائي سيكون في إسبانيا.

ودخل رئيس الحكومة المغربية على الخط منتقدًا استباق الحسم.

واشتعل الإعلام الإسباني، وعادت دعوات إعادة النظر في التنظيم، ودخل تيباس وغيره إلى المواجهة. كل هذا في أقل من يومين.

لهذا يجوز أن نسأل، من دون تجنٍّ أو خصومة: ماذا ربح المغرب من هذا التصريح؟

وإذا كان الجواب أنه لم يربح شيئًا ملموسًا حتى الآن، بينما ربح منافسو ملفه مناسبة إضافية للاستنفار والضغط، فإننا نكون، بالفعل، أمام نار كان المغرب في غنى عنها.

وقد تكون هذه أولى الرسائل التي ينبغي أن يستوعبها فوزي لقجع وهو يعبر من ملاعب كرة القدم إلى الملاعب السياسية: في الكرة قد تنقذك صافرة النهاية، أما في السياسة والدبلوماسية، فقد تبدأ المباراة الحقيقية بعد أن تنطق بالكلمة.

الكأس المعلّق وشرارة التنافس
الكأس المعلّق وشرارة التنافس

              















MyMeteo




Facebook
YouTube
Newsletter
Rss

الاشتراك بالرسالة الاخبارية
أدخل بريدك الإلكتروني للتوصل بآخر الأخبار