Quantcast
2026 سبتمبر 5 - تم تعديله في [التاريخ]

من الرباط إلى مدريد.. العصبة تضع إسبانيا أمام سؤال المساءلة في أحداث سبتة

لم تبقِ العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان أحداث سبتة حبيسة الحدود أو الروايات المتعارضة، فقد حملت ملفها من الرباط إلى قلب الإعلام الإسباني، واضعة مدريد أمام أسئلة لا يمكن تطويقها بالأسلاك ولا اختزالها في تدبير الهجرة: ماذا جرى على الأرض، ومن يتحمل المسؤولية، وهل تفتح الأمم المتحدة باب التحقيق المستقل؟ الكاتبة "فوزية أورخيص" ترصد كيف انتقل صوت الوقفة أمام السفارة الإسبانية إلى الصحف والإذاعات ووكالة «EFE»، وكيف تحول ملف الحدود إلى معركة من أجل الحقيقة والمساءلة.


الكاتبة "فوزية أورخيص"
الكاتبة "فوزية أورخيص"

*العلم الإلكترونية: فوزية أورخيص*

لم تتوقف أصداء الندوة الصحفية التي عقدتها العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان لتقديم تقريرها التركيبي حول أحداث الهجرة غير النظامية إلى سبتة ومليلية عند حدود القاعة التي احتضنتها، ولا عند الوقفة الاحتجاجية التي نظمتها أمام السفارة الإسبانية بالرباط؛ بل امتدت إلى الإعلام الإسباني، الذي تابع التحرك من زوايا متعددة، واضعاً ملف سبتة مجدداً عند تقاطع حساس بين حقوق الإنسان والهجرة والسياسة والسيادة.

واللافت في التغطية الإسبانية أن تحرك العصبة لم يُختزل في مجرد وقفة احتجاجية أمام تمثيلية دبلوماسية، وإنما انتقل جانب مهم من مضمونه إلى صلب النقاش الإعلامي، خصوصاً ما يتعلق بالمطالبة بفتح تحقيق دولي مستقل وشفاف في الأحداث والانتهاكات التي طالت مهاجرين ومهاجرات، مع الدعوة إلى إشراك الآليات الأممية المختصة والمنظمات الحقوقية والمجتمع المدني المغربي والإسباني في أي مسار للتحقيق وتحديد المسؤوليات.

وكانت وكالة الأنباء الإسبانية «EFE» من أبرز المنابر التي نقلت التحرك إلى الرأي العام الإسباني، من خلال تغطية للوقفة الاحتجاجية ومادة مصورة واكبت الحدث. وركزت الوكالة على مطلب العصبة بإحداث لجنة دولية مستقلة للتحقيق في الأحداث التي عرفتها سبتة، تحت إشراف الأمم المتحدة، مع إمكانية تجميع الآليات الأممية ذات الصلة بالهجرة وحقوق المهاجرين والعنف والانتهاكات ضمن آلية مستقلة.

ولا ترتبط أهمية هذه التغطية فقط بحجم الانتشار الذي تحظى به وكالة الأنباء الإسبانية، وإنما أيضاً بكون موادها الإخبارية تشكل، في العادة، مصدراً لعدد من وسائل الإعلام التي تعيد بناء تغطياتها استناداً إلى ما تنقله الوكالة؛ وهو ما ساهم في توسيع دائرة حضور خطاب العصبة داخل المشهد الإعلامي الإسباني.

وفي الاتجاه نفسه، أولت صحيفة «La Razón» اهتماماً واضحاً بمطلب التحقيق الدولي تحت إشراف الأمم المتحدة، وربطته بما اعتبرته أزمة إنسانية شهدتها سبتة، مع إبراز الدعوة إلى إجراء تحقيق مستقل وإشراك الهيئات الحقوقية والمجتمع المدني في المغرب وإسبانيا.

أما إذاعة «Onda Cero»، فقد أدرجت بدورها موقف العصبة ضمن تغطيتها لتطورات أزمة سبتة، مبرزة المطالبة بتشكيل لجنة مستقلة للتحقيق وإشراك الفاعلين الحقوقيين والمدنيين. وبذلك، خرج مضمون التقرير من دائرة التغطية المحلية إلى فضاء إعلامي إسباني أوسع، وأصبح جزءاً من النقاش المتعلق بتداعيات الأحداث وكيفية التعامل معها.

غير أن المشهد لم يكن موحداً في جميع المنابر الإسبانية؛ إذ اختارت بعض الصحف زاوية أكثر ارتباطاً بالبعد السياسي والسيادي. فقد تناولت «El País» تحرك العصبة في سياق يربط أزمة الهجرة في سبتة بقضية السيادة، بينما قرأت «Diario Área» الوقفة من زاوية أكثر ارتباطاً بسبتة ومليلية، والسياق الأمني والسياسي المحيط بالسفارة الإسبانية في الرباط.

ويكشف اختلاف زوايا المعالجة عن طبيعة ملف سبتة نفسه، باعتباره قضية تتجاوز البعد الإنساني للهجرة إلى ملفات أكثر حساسية تتصل بالعلاقات المغربية الإسبانية وبالوضع السياسي والقانوني للمدينتين. لذلك، لم يكن مستغرباً أن تنتقل بعض التغطيات من مضمون التقرير الحقوقي إلى الأسئلة المرتبطة بالسيادة، في حين حافظت تغطيات أخرى على التركيز على حقوق المهاجرين والمطالبة بالتحقيق والمساءلة.

ومع ذلك، ظل القاسم المشترك في جانب مهم من هذه التغطيات متمثلاً في حضور مطلب التحقيق الدولي. وهي نقطة ذات دلالة، لأنها تعني أن الرسالة الأساسية التي حملتها العصبة لم تبق حبيسة خطابها الداخلي، بل أصبحت موضوعاً قابلاً للتداول داخل الإعلام الإسباني نفسه.

وتكمن أهمية هذا التحول في أن ملف الهجرة غير النظامية إلى سبتة عادة ما يُقرأ في إسبانيا من زاوية أمن الحدود وتدبير تدفقات الهجرة والعلاقات مع المغرب. أما إدخال سؤال الانتهاكات والمساءلة والتحقيق الدولي إلى واجهة النقاش، فيعيد ترتيب بعض عناصر القضية، وينقلها من سؤال كيفية إدارة الحدود إلى سؤال ما جرى على الأرض، وكيف يمكن التحقق من الوقائع، ومن يتحمل المسؤولية عنها إذا ثبت وقوع انتهاكات.

ومن هنا، تكتسب الوقفة أمام السفارة الإسبانية دلالتها السياسية والإعلامية، بصرف النظر عن اختلاف التقييمات بشأنها. فهي لم تكن مجرد تعبير احتجاجي، بل جاءت امتداداً لتقرير حقوقي يسعى إلى تثبيت رواية حول الأحداث والدفع نحو آلية مستقلة للتحقيق فيها. كما أن وصول مضمون التقرير إلى وسائل إعلام إسبانية ذات انتشار وطني يفتح أمامه مجالاً أوسع للتداول والنقاش.

وفي المقابل، فإن حضور قضية السيادة في عدد من التغطيات يبرز أن أي تحرك يتعلق بسبتة ومليلية يظل محكوماً بحساسية العلاقات المغربية الإسبانية. فحتى عندما ينطلق النقاش من خلفية حقوقية وإنسانية، سرعان ما تتقاطع معه الأسئلة السياسية والتاريخية والسيادية؛ وهو ما ظهر بوضوح في اختلاف العناوين والزوايا التي اعتمدتها وسائل الإعلام الإسبانية.

غير أن رهان العصبة لا يبدو محصوراً في تسجيل حضور إعلامي عابر، بقدر ما يرتبط بإعطاء التقرير امتداداً خارجياً يمكن البناء عليه في مسار المناصرة الحقوقية. فالتغطية الإعلامية، في هذه الحالة، توفر نافذة للوصول إلى منظمات وهيئات دولية، كما تمنح المطالب الواردة في التقرير فرصة للانتقال إلى مستوى أوسع من النقاش.

ومن هذه الزاوية، فإن أبرز ما حققته الندوة والوقفة هو إخراج القضية من إطارها المحلي الضيق إلى فضاء إعلامي إسباني يضم وكالة أنباء وصحفاً وإذاعات ذات حضور وطني، مع بروز واضح لمطلب التحقيق الدولي المستقل.

وبينما قرأت بعض المنابر الحدث باعتباره قضية حقوقية تتعلق بمصير المهاجرين والانتهاكات التي تعرضوا لها، وضعته منابر أخرى داخل سياق الصراع السياسي والدبلوماسي حول سبتة ومليلية. لكن هذا الاختلاف في المقاربات لا يلغي حقيقة أساسية: أن ملف الأحداث لم يعد يُناقش فقط باعتباره أزمة هجرة، بل بات يحمل أيضاً سؤالاً يتعلق بالحقيقة والمساءلة والمسؤولية.

وهنا تحديداً تكمن الجرأة السياسية والحقوقية في تحرك العصبة؛ فالمطالبة بالتحقيق الدولي تعني نقل النقاش من مستوى تبادل الاتهامات والروايات المتعارضة إلى مستوى البحث المستقل في الوقائع، وتحديد المسؤوليات على أساس الأدلة، بعيداً عن الحسابات السياسية.

وبذلك، فإن السؤال الذي خرج من الرباط ووجد طريقه إلى الإعلام الإسباني ليس فقط سؤال الهجرة، ولا حتى سؤال سبتة ومليلية وحده، وإنما سؤال أعمق: ماذا حدث؟ ومن المسؤول؟ ومن يملك القدرة على كشف الحقيقة؟

وإذا تمكن التقرير من الانتقال من دائرة التغطية الإعلامية إلى فضاء المؤسسات الحقوقية والآليات الأممية المختصة، فإن الندوة والوقفة ستكونان قد تجاوزتا وظيفتهما الاحتجاجية المباشرة، لتصبحا محطة في مسار أطول يروم تدويل النقاش الحقوقي حول أحداث سبتة، وفرض سؤال المساءلة على أجندة الفاعلين المعنيين.

وفي جميع الأحوال، يؤكد اهتمام الإعلام الإسباني بالتحرك وتعدد زوايا تناوله أن قضية سبتة لا تزال تحمل قابلية عالية لإنتاج نقاش سياسي وحقوقي عابر للحدود. وبينما اختار جزء من الإعلام الإسباني التركيز على السيادة والعلاقات المغربية الإسبانية، وضع جزء آخر مطلب التحقيق الدولي في الواجهة؛ لكن الرسالة التي وصلت إلى مدريد ظلت واحدة: أحداث سبتة لن تُغلق قبل كشف الحقيقة وتحديد المسؤوليات.

ملف حقوقي بين الرباط ومدريد
ملف حقوقي بين الرباط ومدريد

              















MyMeteo




Facebook
YouTube
Newsletter
Rss

الاشتراك بالرسالة الاخبارية
أدخل بريدك الإلكتروني للتوصل بآخر الأخبار