Quantcast
2026 سبتمبر 9 - تم تعديله في [التاريخ]

نيران الكراهية قرب «البرنابيو».. العلم المغربي يضع إسبانيا أمام اختبار مونديال 2030

اشتعل العلم المغربي على مقربة من أحد أشهر ملاعب العالم، لكن النيران أضاءت ما تحاول الكرة الإسبانية إخفاءه منذ سنوات: جماعات متطرفة ما تزال قادرة على توظيف المدرجات ومحيطها لبث العنصرية والكراهية. وقبل أربعة أعوام من مونديال يجمع المغرب وإسبانيا والبرتغال، لم تعد القضية مجرد شغب عابر، بل اختباراً حقيقياً لقدرة مدريد على حماية جماهير شريكتها المغربية وصون المعنى الحضاري للبطولة.


مشاهد منسوبة إلى متطرفين من «أولتراس سور» تحول مباراة أوروبية إلى إنذار بشأن العنصرية وحماية الجماهير قبل كأس العالم

لقطة من فيديو متداول
لقطة من فيديو متداول

*بقلم: حكيمة الوردي*

لم تكن المشاهد المتداولة من محيط ملعب «سانتياغو برنابيو»، مساء الثلاثاء 8 شتنبر 2026، جزءاً من الحماس المعتاد الذي يسبق مباريات دوري أبطال أوروبا. فقد أظهرت تسجيلات نشرتها منصات متخصصة في متابعة جماعات «الأولتراس» أشخاصاً نُسبوا إلى فصيل «أولتراس سور» وهم يحرقون العلم الوطني المغربي قبيل مواجهة ريال مدريد وإنتر ميلان.

وإذا كان تحديد هوية جميع المشاركين ومسؤولياتهم يظل من اختصاص السلطات الإسبانية، فإن مضمون الصور لا يحتمل كثيراً من التأويل؛ لأن اختيار علم دولة بعينها وإضرام النار فيه ليس تشجيعاً رياضياً ولا تعبيراً عادياً عن موقف سياسي، وإنما فعل عدائي يستهدف رمزاً وطنياً ويحمل رسالة مباشرة إلى المغاربة، وفي مقدمتهم أفراد الجالية المقيمة في إسبانيا.

وجرت الواقعة بالتزامن مع أجواء سياسية مشحونة مرتبطة بمدينة سبتة، ظهرت انعكاساتها داخل «البرنابيو» من خلال رفع أعلام إسبانيا والمدينة وترديد شعار «سبتة لا تباع بل يُدافع عنها». غير أن الضرورة المهنية تقتضي الفصل بين ما حدث في المدرجات وما وقع خارجها، فرفع الأعلام وترديد موقف سياسي، بصرف النظر عن الاتفاق أو الاختلاف معه، لا يساوي إحراق العلم المغربي أو التحريض ضد شعب ودولة.

وهذا التمييز ضروري أيضاً حتى لا تُحمّل جماهير ريال مدريد بكاملها مسؤولية تصرفات مجموعة متطرفة. ففصيل «أولتراس سور» لا يمثل النادي ولا جمهورَه الواسع، كما أن إدارة ريال مدريد أخرجته من موقعه التقليدي في المدرج الجنوبي منذ أكثر من عقد، على خلفية تاريخه المرتبط بالعنف والصراعات الداخلية واستعمال الرموز النازية.

لكن ابتعاد المجموعة عن المدرجات المنظمة لا يعني انتهاء الخطر الذي تمثله. فما تكشفه التسجيلات الجديدة هو قدرة عناصر متطرفة على استغلال التجمعات الرياضية الكبرى والوجود الجماهيري الكثيف لفرض رسائلها في الشارع، ثم نشرها عبر المنصات الرقمية بحثاً عن التأثير والاستقطاب.

والمشكلة هنا لا تتوقف عند قطعة قماش أُحرقت في الطريق. فالعلم المغربي يمثل دولة تربطها بإسبانيا شراكة سياسية واقتصادية وأمنية، فضلاً عن وجود جالية مغربية كبيرة داخل المجتمع الإسباني. وعندما يستهدف متطرفون هذا الرمز قرب ملعب رياضي، فإن الرسالة تصل كذلك إلى المغربي الذي يعيش ويعمل ويدرس في مدريد وغيرها من المدن: هويتك يمكن أن تصبح هدفاً في أي لحظة إذا تُرك خطاب الكراهية من دون ردع.

ويصبح الصمت أكثر خطورة حين تنتقل مثل هذه الممارسات من هوامش الإنترنت إلى الفضاء العام. فالتطرف يبدأ غالباً بصورة أو هتاف يقدمه أصحابه بوصفه استفزازاً، لكنه يختبر في الحقيقة قدرة القانون والمجتمع على الاعتراض. وكلما غاب الرد، ارتفع سقف الأفعال التالية واتسعت دائرة المستهدفين.

وسبق للكرة الإسبانية أن دفعت ثمناً باهظاً نتيجة البطء في مواجهة العنصرية. ففي يونيو 2024 قضت محكمة في فالنسيا بسجن ثلاثة مشجعين ثمانية أشهر ومنعهم من دخول الملاعب لمدة عامين، بعد إدانتهم بإهانات عنصرية استهدفت لاعب ريال مدريد البرازيلي فينيسيوس جونيور خلال مباراة بملعب «ميستايا».

وفي ماي 2025 صدرت أحكام أخرى في حق خمسة مشجعين بسبب إساءات عنصرية تعرض لها اللاعب نفسه في بلد الوليد، في قرار اعتُبر محطة قضائية بارزة بعدما صُنفت الأفعال صراحة ضمن جرائم الكراهية. وقد أثبتت القضيتان أن التعامل مع العنصرية باعتبارها مجرد «انفعال جماهيري» لم يعد مقبولاً، وأن الكلمة التي تحرض على التمييز قد تقود صاحبها إلى المحاكمة.

كما أظهر ريال مدريد، في فبراير 2026، أن التدخل الفوري ممكن عندما أعلن طرد أحد أعضائه من الملعب وفتح مسطرة لإبعاده، عقب رصده وهو يؤدي التحية النازية قبل مباراة الفريق أمام بنفيكا. وأكد النادي حينها رفضه الإشارات والتعبيرات التي تحرض على العنف والكراهية داخل الرياضة والمجتمع.

هذا الموقف يجعل انتظار رد واضح على واقعة العلم المغربي أمراً مشروعاً، سواء تعلق الأمر بالسلطات الأمنية أو المؤسسات الرياضية المعنية. والمطلوب ليس إصدار إدانة عامة فحسب، وإنما فحص التسجيلات وتحديد المشاركين والتحقق من مكان الواقعة وملابساتها، ثم ترتيب المسؤوليات القانونية متى ثبتت الأفعال المنسوبة إليهم.

وتتجاوز القضية العلاقة بين فصيل متطرف ونادٍ سبق أن أبعده عن مدرجاته، لأنها تمس صورة إسبانيا نفسها قبل استضافتها، إلى جانب المغرب والبرتغال، نهائيات كأس العالم 2030. فالدولة التي تستقبل جماهير قادمة من مختلف القارات لا تُختبر فقط بجودة ملاعبها وقطاراتها وفنادقها، بل بقدرتها على ضمان ألا يتعرض مشجع للتهديد أو الإهانة بسبب جنسيته أو دينه أو لون بشرته.

وسيكون المغاربة من أكثر الجماهير حضوراً وتنقلاً خلال البطولة المشتركة، ما يجعل حمايتهم مسؤولية فعلية وليست مجرد تفصيل تنظيمي. ولا يمكن الاحتفاء بشعار التقارب بين إفريقيا وأوروبا، ثم التساهل مع مجموعات تجعل من علم الدولة الإفريقية الشريكة وقوداً لاستعراضها المتطرف.

ولا يتعلق الأمر بالمطالبة بتجريم الاختلاف السياسي أو منع الجماهير من التعبير عن مواقفها، بل برسم حد واضح بين الرأي والكراهية. يمكن لأي مشجع أن يرفع العلم الذي يختاره في إطار القانون، لكن إحراق علم المغرب لتوجيه رسالة عدائية إلى المغاربة فعل مختلف في طبيعته ودلالته.

ومن مصلحة ريال مدريد والكرة الإسبانية أن يكون الرد سريعاً وحاسماً، لأن ترك الواقعة معلقة سيمنح منفذيها الدعاية التي يبحثون عنها، وسيحوّل محيط أحد أشهر الملاعب العالمية إلى مساحة رمزية تستطيع الجماعات المتطرفة تسجيل حضورها فيها متى أرادت.

أُطفئت النيران التي التهمت العلم المغربي، لكن الاختبار الذي أشعلته ما يزال قائماً. فمونديال 2030 لن يكون مجرد منافسة على الكأس، بل مناسبة يفترض أن تجسد التقارب بين ضفتي المتوسط. وإذا كانت إسبانيا تريد أن تدخل هذا الموعد بوصفها شريكاً آمناً وجديراً بالثقة، فعليها أن تثبت منذ الآن أن كرامة المغاربة ورموزهم الوطنية ليست هدفاً مباحاً في الشوارع أو حول الملاعب.

              



في نفس الركن
< >

الاربعاء 9 سبتمبر 2026 - 11:59 مخيمات تندوف وانهيار وهم الانفصال














MyMeteo




Facebook
YouTube
Newsletter
Rss

الاشتراك بالرسالة الاخبارية
أدخل بريدك الإلكتروني للتوصل بآخر الأخبار