العلم الإلكترونية - بقلم هشام الدرايدي
لم يكن أشد المتشائمين في مدرجات مركب الأمير مولاي عبد الله، أو بين الـ 70 ألف مناصر الذين زلزلوا أيقونة العاصمة بهتافاتهم، يتوقع أن يشهد سيناريو تراجيديا كالذي حدث. فالأجواء كانت مهيأة بالكامل لكسر العقدة، والفرصة كانت سانحة ليتوج الجيش الملكي بطلا لدوري أبطال إفريقيا في عقر داره بعد صيام دام لواحد وأربعين سنة، وزملائي الصحافيين والإعلاميين تجهزوا وجهزوا لعرس سيطفئ مرارة الخيبات. لكن، ويا للأسف، سقط "العساكر" كما سقطت أندية أخرى في ذات الفخ القديم المتجدد الذي تقع فيه في النهائيات الإفريقية. فالحقيقة القاسية التي يجب أن نواجهها بجرأة شجاعة دون إلقاء الورود أو إلصاق الأسباب في الغير هي أن الجيش لم يهزمه صن داونز، بل هزم نفسه بنفسه!
فقد عايننا كلنا كيف دخلت عناصر الجيش الملكي المباراة بتسرع مفرط واندفاع عشوائي غابت عنه الحكمة. وشاهدنا عشرات المحاولات والتمريرات الضائعة وغير المركزة، وإهدارا لفرص سانحة للتسجيل كان يمكن أن تحسم اللقب مبكرا، وكأن الكرة المغربية لم تتعلم شيئا من دروسها القاسية السابقة في أدغال القارة السمراء. وبدلا من التركيز على الميدان الأخضر، سقط اللاعبون في فخ الاستفزازات المتكررة والانفعالات المجانية التي كبدت الفريق بطاقات ملونة لا داعي لها، ليتحول بياض الأمل الناصع تدريجيا إلى سواد يلف قلوب المناصرين.
لقد واجه الجيش خصما أدار المباراة باستراتيجية محكمة تجاوزت الحنكة التقنية والتكتيكية إلى تدبير أعصاب الخصم. صال وجال لاعبو الزعيم في الملعب طولا وعرضا دون طائل، ممتصين موجات استفزازية أثرت على ثبات روح الفريق الجماعية. وقد بدا المشهد سرياليا، كأنه "حلبة لمصارعة الثيران"، وكان الفريق الجنوب إفريقي يمثل فيها ذلك "الماتادور" الذكي والهادئ الذي يروض ثورا أرعنا وهائجا، يحركه جيئة وذهابا بحمراء المنديل، ثم يغرس رمحه القاتل في الوقت الذي يشاء وأينما يشاء.
وفي مثل هذه الهزائم المريرة، سيكون من السهل كالعادة تعليق شماعة الفشل على التحكيم، لكننا لا يمكننا لوم الصافرة هذه المرة في المشاركة في هذه الانتكاسة. فالتحكيم الإفريقي وكواليسه يعلمها القاصي قبل الداني في القارة، وأصبح التسبب به متجاوزا، وإن كنا سنتقدم بالأعذار بسبب سوء التحكيم أو عدم احتساب بعض الأخطاء أو ركلات الجزاء، فالأحرى بنا أن نصمت أحسن، لأن لغة وشخصية البطل الحقيقي تفرض نفسها فوق كل الظروف، والجيش ببساطة غض الطرف عن الجزئيات والتفصيلات الدقيقة التي تكشف وجه البطل الحقيقي.
وحتى عندما ابتسم الحظ للجيش واحتسبت له ضربة جزاء تعادلت بها نتيجة مباراتي الذهاب والإياب، وهي لحظة كان يجب أن تكون نقطة التحول الكبرى لو فهمت عناصر الجيش أنها تلعب من أجل ارتداء جلباب البطل وكسب الرهان، جاء الرد الصاعق. فالخصم كان يفهم اللعبة جيدا وعرف كيف يرد بسرعة البرق، مستغلا خطأ أرعنا، وسوء تقدير من اللاعب آيت أورخان، خطأ كان وزنه هدف تعديل الكفة في اللقاء، لكن قيمته المعنوية والفعلية كانت تعادل هدفين قضيا على أحلام العساكر.
هنا، لا بد من توجيه أصابع اللوم للمدرب البرتغالي الذي هزم نفسه بنفسه أيضا، فلم يستطع الانتقال بالفريق من عالم الأحلام العاطفية إلى أرض الواقع التكتيكي، ولم يعرف كيف يلعب على ذات الأوراق والمفاتيح التي أدار بها منافسه المباراة، وضبط المفاتيح السيكولوجية عند اللاعبين، وتغيير التكتيك، بل ظل متمسكا باستراتيجية كلاسيكية عقيمة، وظل الوضع رتيبا، واستهلكت كل البناءات الهجومية في كرات عرضية يسهل على دفاع الخصم الطويل التحكم فيها، وكرات عابرة للقارات بلا عنوان، وبتركيز مشتت وذهن غائب.
جاءت رصاصة الرحمة في ضربة الجزاء الثانية التي أُتيحت للجيش، والتي انبرى لها القائد ربيع حريمات، ليهدرها بكل استسلام وخنوع غريبين، وكأن لسان حال اللاعبين في تلك اللحظة يقول: "إننا لا نلعب من أجل الكأس، بل نحن هنا لنهديه لضيوفنا الأجلاء، فنحن المغرب أرض الكرم والضيافة، ومالنا لغيرنا بل ما قد سيكون لنا نهديه لغيرنا". فبدأت أشك أننا أصبحنا أمام متلازمة مغربية معتادة في ليلة التتويج يتركه للآخرين، حيث اعتدنا أن نسامح ونتسامح في كل شيء.. حتى وإن كان هذا الشيء اسمه اللقب القاري الغالي، فهل سيستمر هذا النويف؟ أم على الكرة المغربية أن أتعلم الخبث الإفريقي…؟!
رئيسية 








الرئيسية




