Quantcast
القائمة
alalam
facebook
newsletter
youtube
flux RSS
AL Alam






"العلم" تخترق عزلة ساكنة جبال خنيفرة



رغمَ أنّ التجربةَ تُعاشُ ولا تُحكى، ورغمَ أنّ مَن رأى ليس كمن سمع، فقد نزلتِ "العلم" إلى الميدان هناك على بعد مئات الكيلومترات من العاصمة الرباط، ومسافةِ سنواتٍ ضوئية عن مستوى معيش أهلها، لتنقل نزراً من يوميات معاناة ساكنة الجبال مع برودة الطقس وقساوة الطبيعة وقلة ذات اليد..





"مصارعو الثلوج"... مسلسلُ معاناة أبطاله يتحدون قساوة المناخ وقصر ذات اليد!

العلم الإلكترونية - إنجاز: عبد الناصر الكواي/ تصوير: حسني
 
قابلنا مدبرَ الشأن المحلي الذي يشكو افتقارَه للإمكانيات، والراعي الذي يؤكد بيع خروف بخمسمائة درهم تكفي لعلف باقي القطيع ليلة واحدة، وصاحب المأوى السياحي الذي يندد بحرمانه من التعويض عن الإغلاق خلالَ الحجر الصحي، والقروي الذي يعيش في كوخ بسيط تحت رحمة الثلوج وسط الغابة، وهو يناشد السلطات فك عزلته، والمرأة القروية التي تدعو لإنصاف بنات منطقتها.. وغيرهم من سكان جبال منطقة ويوان الذين يطالبون بأبسط الحقوق للبقاء لا للترف!
 
ولأنّ واقعَ المغرب العميق متشابهٌ، نظرا لاقتسام جل ساكنته ضنكَ المعيشة نفسَه، فإن صورة "مصارعي الثلوج" وسط جبال منطقة ويوان التابعة لجماعة أم الربيع بإقليم خنيفرة، قابلة للإسقاط على نظرائهم في شتى البقاع النائيةِ المنسيّ أهلُها ببلادنا، حيث تتحول أساسياتُ حفظِ الكرامة الإنسانية إلى مطلب يتردد صداه في قاع وادٍ سحيق. من ذلك، أننا كنا على الطريق رفقة منتخب ترابي، فإذا بنسوة وأطفال يبيعون خبز الأفران التقليدية يصرخون مرددين عبارة "المعاناة" !

بّا حبيبي يطالب بالدعم..

"العلم" تخترق عزلة ساكنة جبال خنيفرة
يختلف الناس هنا في تدبير معاناتهم، كل حسب موقعه وقدراته ومشاكله، فـ"بّا حبيبي"، رغمَ أنه في الثالثة والستين من عمره، يثابر الظروف القاسية وهو في قمة النشاط.. يشتغل في مأواه الجبلي ليلَ نهارَ دون كلل ولا ملل. تراه مقبلا على الزبناء بوجه طَلقٍ ولكنةٍ تمزج العربية بالأمازيغية، يضاهي في براعته أكبرَ مدربي التواصل والتسويق.
الرجل الذي اتخذ من منزله الكبير بمنطقة ويوان الجبلية وعرةِ التضاريس مصدرا للدخل، يستضيف فيه محبي سياحة الجبال من الداخل والخارج، يقول بنبرة تجمع بين الجلَد والفخر: "أشتغل في السياحة منذ أربعين سنة، أستقبل السياح المغاربة والأجانب وأبذل جهدي لأوفر لهم الراحة، وهذا هو نشاط الذي أمضيتُ فيه عمري وربيتُ من دخله أبنائي، فليس لدي غنم ولا بقر ولا ماعز ولا حرث..".
 
ويستدرك با حبيبي بلهجة صارمة "مع تفشي مرض كورونا هذا العام وفرض الحجر الصحي كتدبير احترازي، طلبت منا السلطات المحلية الإغلاق مدة أربعة أشهر كاملة، فاستجبتُ لذلك احتراما للقانون، وتطبيقا لأوامر جلالة الملك نصره الله حتى لا ينتشر الفيروس. لكن مع الأسف، تم إقصائي من دعم صندوق تدبير الجائحة رغم أني أؤدي جميع الضرائب وهذا المأوى هو مصدر قوت أبنائي الوحيد".
 
وفي جوابه عن سؤال "العلم" ماذا تحتاجون في المنطقة؟ قال المهني المثابر "ليست هناك أي مبادرة للدعم من أي جهة كانت، خاصة وزارة السياحة لتعويضنا عن الأضرار التي لحقتنا جراء الجائحة"، مطالبا الجهة الوصية على القطاع بـ"مراعاة ظروف هذه الفئة التي تعيش على السياحة، ومساعدتها ماديا للتخفيف من وطأة أزمتها".

واقع مثير للحسرة

لا توحي ملابسها ولا طريقة حديثها، أنها تنتمي لمنطقة جبلية نائية، فإلهام كما تصف نفسها "محظوظة"، لأنها استطاعت الخروج من مسقط رأسها والحصول على إجازة في القانون من مكناس على بعد أزيدَ من 160 كلم من بلدتها، "أنا محظوظة لأني وصلتُ إلى مرحلة معينة من التحصيل الدراسي وحققت جزءاً بسيطاً من أحلامي عكس جل فتيات منطقتنا المحرومات من أبسط حقوقهن"، تعبر إلهام بحرقة.
 
 
تستحضر إلهام ذات 22 ربيعا بدايات تحصيلها الدراسي، وكيف شربتْ من كأس المعاناة نفسها التي سقت فتيات المنطقة؛ حيث تقول بحسرة "عانيتُ من بعد المدرسة عن منطقتنا بأزيد من 8 كيلومترات، والتي لم تكن تتوفر إلا على فصلين، كما كنت أضطر للمكوث في الداخلية بسبب عدم توفر النقل المدرسي..".
 
وإن كان الحظ قد حالف إلهام، لتوفر أسرتها على إمكانيات مادية ساعدتها على استكمال دراستها وتحسين مستواها الاجتماعي، فإنها تندب حظ كثير من فتيات منطقتها اللواتي يواجهن إكراهات شتى تحول دون استكمال تعليمهن، توضح إلهام ذلك ومسحة من الحزن تعلو محياها بالقول "لدينا فتيات دون الخامسة عشرة من العمر متزوجات بدل متابعة الدراسة"، موضحة أنها ليست ضد فكرة الزواج لكن التعلم هو المفتاح الوحيد للتغيير في هذا الوسط القاسي.
 
وتختم مخاطبتنا التي تعتزم استكمال تعليمها العالي، بأنه "منَ العيب الاستخفاف بقدرات الفتيات القرويات الفكرية، وإرغامهن على عيش حياة بئيسة لا يستطعن جرّاءها المساهمةَ في إنعاش منطقهن وتقدم وطنهن".

فيديو


خرفان حمان الجائعة..

لكل واحد من "مصارعي الثلوج"، قصةُ معاناة هي ما يحركه للشكوى، من هؤلاء حمان الكساب الذي يشدد على ضرورة دعم مربي المواشي في هذا الظرف الذي تنعدم فيه المراعي في منطقته "ويوان"، ذلك أن علف القطيع ليلة واحدة يكلفه 500 درهم وهو مبلغ لا طاقة له به.
 
الثلاثيني القاطن بمنزل متواضع عند قدم الجبل تحفه الثلوج، قال لـ"العلم" برنة حزينة على ما آل إليه وضع أسرته وقطيع خرفانه من خصاصة وجوع بسبب البرد القارس والثلوج التي تغشى المنطقة، "أعاني الأمرين لأن ماشيتي لا تجد الكلأ بسبب تردي الأحوال الجوية، وهي سجينة زريبتها لا أخرجها إلا لترد الماء"، مضيفا أن "حالته المادية متردية وشراء العلف يكلفه كل يوم ثمن خروف".
 
وطالب المتحدث، من المسؤولين الالتفات لحالته، وتعجيل توصله بالعلف المدعوم بدل تركه حتى شهر ماي حين تتوفر المراعي لأصحاب الماشية المتضررين حاليا"، متسائلا حمرة البرد القارس تستبد بوجنتيه "كيف سيكون مصير قطيع خرفاني وأنا عاجز عن اقتناء التبن والنخالة والشعير لإطعامه؟".

لاذ بالقارب من الهجرة

"العلم" تخترق عزلة ساكنة جبال خنيفرة
بخلاف الذين يفرون من المنطقة نحو الهجرة الداخلية والخارجية، فضل عبد الكبير البقاء في مَنبتِ غرسه والعيش على ما يجود به قارب صغير يستخدمه لأخذ الزوار في نزهة ببحيرة ويوان. يقول الشاب ذو 26 ربيعا لـ"العلم" مبتسما "راه بحال بحال شي كيمشي لإسبانيا وشي كيمشي لأكادير.. لكن بلادك شحال ما مشيتي غادي ترجع ليها، والحاجة اللي كنتي غادي ديرها تما ديرها هنا".
 
وفي جوابه عن سؤال ما الذي تحتاج منطقتك؟ اعتبر عبد الكبير، أن البحيرة في حاجة للعناية بها وبمحيطها، وأن الطريق يجب تعبيدها، والمخيم الصيفي ينبغي تنظيمه. وأسر لنا أنه في اليوم الجيد يكسب 300 درهم بينما في الأيام الراكدة لا يتعدى دخله 50 درهما، يقتسمها مع صاحب القارب وهو راض بنصيبه.
 

مطالب بسيطة.. ولكن

بعكسِ عبد الكبير، وبعد تلكؤ طويل مبعثهُ اعتقادهُ بعدم جدوى المرور في وسائل الإعلام، قبل محمد أوحدو على مضض أن يستضيفنا في منزله البسيط وهو عبارة عن كوخ أو "نوالة" باللغة المحلية وسط الغابة، ويطلعنا على وضعه المعيشي الصعب تحت نير الثلوج المتراكمة هنا على علو أزيد من 1200 متر عن سطح البحر.
 
محمد وهو كساب يقيم في منطقة إرسكازيد بجماعة أم الربيع منذ أزيد من ثمان سنوات، يبرز أن ساكنة المنطقة تعاني من العزلة في فترة تساقط الثلوج التي يتجاوز سمكها المتر
 
عادةً، مضيفا بلغته الأمازيغية الزّايانية، أنهم يعانون من انقطاع الطريق مما يعرقل تنقلهم لشراء الأعلاف للمواشي وقضاء مستلزماتهم الضرورية، قائلا بلهجة ممتعضة "المنطقة تبعد بنحو 71 كيلومترا عن مركز مدينة خنيفرة ونحن لا نطلب سوى فتح الطرقات في وقت الثلج لنتمكن من قضاء مصالحنا ويستطيع أبناؤنا الوصول إلى المدرسة البعيدة بثمانية كيلومترات من هنا".

مدبرو الشأن المحلي دون إمكانيات

عادةً ما تُلجئ الحاجةُ الساكنةَ إلى المنتخبين المحليين لما يجمع الطرفين من وشائجَ مباشرة، غير أن المشكل يزداد حدةً حينما يجد المنتخب نفسه دون وسائل وإمكانيات كافية لتلبية مطالب مَنْ صوّتوا له بالأمس، والذين لا تعني لهم التعقيدات القانونية والإدارية الشيء الكثير...
 
محمد الحجاجي، رئيس الجماعة الترابية أم الربيع بإقليم خنيفرة من هؤلاء، فهاتفه لا يكف عن الرنين وهو يجوب أنحاء الجماعة القروية التي تغطي مساحتها 350 كيلومترا مربعا (نحوُ نصف مساحة دولة البحرين)، بتضاريسها الجبلية ومسالكها الوعرة، للتواصل مع الساكنة المحلية التي يتقاسم معها الانتماء إلى قبائل آيت سكوكو الأمازيغية، كما فسر لنا.
 
الرئيس الذي خبر خبايا مهمته منذ سنوات، يؤكد أن المنطقة تعرف إكراهات عديدة منها ما يخص البنيات التحتية، مشيرا إلى قيام الجماعة بمجهودات جبارة لفك العزلة عن الساكنة بالقول "فتحنا ما يناهز 150 كيلومترا من الطرق المعبدة بشراكة مع المجلس الإقليمي بتكلفتها 36 مليون درهم".
 
لكن الجماعة التي تعاني على مدى سبع سنوات متوالية من عجز في الميزانية بحسب رئيسها، لا تتوفر على إمكانيات لتهيئة هذه الطرق، وقد قدمت فعلاً طلبات لجهة بني ملال خنيفرة التي تتبع لها إلا أنها لم تتلقّ أي رد إلى الآن.
 
وكشف محدثنا، أنه في إطار برنامج محاربة الفوارق الاجتماعية، تم إنجاز طريق يربط بين أكلمام وعيون أم الربيع من جهة، وأكلمام وويوان من أخرى. ثم طريق آخر يمتد من خنيفرة إلى عين اللوح عبر ثلاث مراحل: الشطر الأول من خنيفرة إلى عيون أم الربيع، والثاني من عيون أم الربيع إلى ويوان، في انتظار الشطر الثالث الذي يصل ويوان بحدودِ جماعة سوق الأحد.
 
وأما حظ التعليم الوافر من شكاوى مواطنين الجماعة، يعرض الحجاجي إكراهات هذا القطاع المكون محليا من سبع فرعيات ومدرسة جماعاتية وثانوية إعدادية، موضحاً أن هذه الفرعيات تعيش مشاكل تخص التحصيل الدراسي للتلاميذ، منها جمع عدة مستويات في قسم واحد، وضعف الطاقة الاستيعابية للداخلية التي لا يمكنها إيواء جميع تلاميذ المنطقة، ولحل مشكل تنقل هؤلاء للدراسة حاولت الجماعة توفير حافلات نقل بواسطة عدة شراكات.
 
في هذا السياق، التمس محدثنا من السلطات إنشاء مدارس جماعاتية تضم جميع أطفال الدواوير من أجل تحصيل دراسي جيد ومردودية أفضل.
 
وفي ما يتعلق بالجانب الصحي؛ أوضح الرئيس ذاته، أن جماعة أم الربيع تشتمل على مستوصفين اثنين، غير أنهما لا يتوفران على معدات طبية تستجيب لحاجيات الساكنة مما يضطرهم للذهاب إلى مدينة خنفيرة أو جماعة مريرت الحضرية البعيدتين بعشرات الكيلومترات، واللتين يصعب على الساكنة التنقل إليهما في حالة نزول الثلوج.
 
وكحلٍّ لمشاكلها التي لا تترك أي فائض في الميزانية للتجهيز، تسعى جماعة أم الربيع بحسب رئيسها، للبحث عن مداخيل ذاتية، وذلك بتطوير الجانب السياحي اعتمادا على مؤهلات المنطقة الطبيعية المهمة، مثل بحيرة ويوان وعيون أم ربيع، والتي يرى محدثنا إمكانيةَ استثمارها لتوفير مداخلَ تساهم في التنمية المحلية للمنطقة ككل.

إذا كان بياض الثلج يمثل للبعض فسحة للنزهة والاستجمام، فإن ساكنة الجبال النائية ترى فيه صنوفا من المعاناة التي تتجدد كلما تراكمت أكوامه مانعة عنها سبل الحياة، ومكرسةً واقعَ قصرِ ذات اليد وضعفَ الإمكانيات.
 
Hicham Draidi