Quantcast
القائمة
alalam
facebook
newsletter
youtube
flux RSS
AL Alam






"اللائحة الوطنية للشباب بين التمييز الإيجابي والريع الحزبي."



لقد اختار المشرع وهو يستحضر ويستجمع حجم النضالات والاحتجاجات والحركات الاجتماعية التي كان وراءها الشباب، أن يخلق إطارا قانونيا تحفيزيا يشجع الشباب على المشاركة السياسية من داخل المؤسسات، ويدرب المنتخبين الشباب عبرها على المسؤولية التمثيلية قصد التنافس الانتخابي بعد ذلك في الدوائر التشريعية المحلية، من خلال كوطا إيجابية موجهة لفائدة الشباب كما سبق القيام به بالنسبة للنساء في دورتين انتخابيتين سابقتين على 2011.





العلم الإلكترونية - بقلم مصطفى التاج
 
خلف هذا الإجراء الجديد أنذاك نفساً إيجابياً لدى الأحزاب عامة والشبيبات الحزبية خاصة، كما ترك أصداءً طيبةً في نفوس بقية ممثلي الأمة وأعضاء الحكومات المتعاقبة الذين أحسوا بقيمة الإجراء عبر الآثار الاستثنائية التي تركها الشباب البرلمانيون في مختلف مراحل التشريع والمراقبة وتقييم السياسات العمومية وكذا الدبلوماسية البرلمانية.
 
كيف لا، وقد ربح البرلمان المغربي أعضاء جدد بهامة الشباب من العيار الثقيل، ونذكر هنا من الجيل الأول على سبيل المثال لا الحصر، كل من عبد القادر الكيحل، عادل بن حمزة، حسن طارق، خالد البوقرعي، رشيد روكبان، عادل تشيكيطو، عبد الصمد الادريسي، منصور لمباركي، الشرقاوي الروداني، سمير بلفقيه وآخرون بصموا بمداد من ذهب مرورهم المشرف عبر مجلس النواب وتمثيلهم للأمة من داخله.
 
مرت المرحلة الأولى ما بعد دستور 2011 على أحسن وجه، رغم أن الهدف الذي سعى إليه المشرع من وراء الكوطا لم يتحقق، إذ أنه من أصل 30 شاباً لم يتمكن من الظفر بمقعد عبر اللائحة المحلية إلا واحد، فيما البعض تمت تزكيتهم في دوائر محلية وفشلوا، والأغلبية لم تقدم على الترشح أصلاً.
 
وقد يبدو هذا بالنسبة للبعض إخفاقاً، ولكنه في الحالة المغربية وباستحضار النسق السياسي الخاص والسياقات الانتخابية المعروفة، فإن الأمر عادي وطبيعي جداً، أمام ثقل حضور الأعيان وسماسرة الانتخابات والمتدخلين والراسمين للخرائط الانتخابية، وأمام حجم الفساد المالي وحضور النزعة القبلية والبلقنة الإدارية والتوجيه القبلي والآني التي تعرفها عمليات التصويت والفرز وإعلان النتائج وإن بدرجات متفاوتة.
 
نفس الملاحظة يمكن تسجيلها على النساء اللواتي استفدن من نظام الكوطا لولوج مجلس النواب، حيث تكاد تنعدم تقريباً الحالات التي دخلت القبة عبر لائحة محلية بعد اللائحة الوطنية، باستحضار أن هناك من استفادت لولايتين اثنتين من نظام الكوطا وهن كثيرات. بل بالعكس، هناك منهن من سبق أن ظفرت بمقعد عبر لائحة محلية، وطمحت فيما بعد للعودة إلى البرلمان عبر اللائحة الوطنية.
 
إن المرحلة التأسيسية لنظام كوطا الشباب في مجلس النواب (2011/2016) كانت إيجابية بشكل كبير جداً، إعداداً واقتراحاً ومسطرةً وأداءً. لكن هذا المسار اهتز في الوقت الذي كان يجب عليه أن يعزز، حيث عرفت انتخابات 2016 استخداماً سافراً لهذا النظام في غير الغاية التي أنشئ لها، عبر إنزال الأقرباء وأبناء ذوي النفوذ وكذلك عبر التحكم المركزي للحزب في تغييب تام للجسد الشبيبي في مسألة الحسم في اللائحة، حتى أصبحنا أمام أحزاب لم تملك حتى الجرأة لإعلان لائحة شبابها المرشح وترتيبهم، وكذلك أمام لائحة وطنية لحزب تم إعدادها وترتيبها من طرف شخص واحد داخل الحزب دون الرجوع لجسد الحزب الشبابي ودون إشراك لمؤسسات الحزب. 
 
هذا الأمر شكل ارتداداً على غاية المشرع الدستوري من نظام الكوطا من جهة، ومن جهة أخرى على نضالات ومذكرات ومطالب الشبيبات الحزبية، وكذلك شكل صدمة لدى المتتبعين، والمشكلين أساساً من وسائل الإعلام وجمعيات المجتمع المدني التي تتسم بأن أغلب من يتحرك فيها هم من فئة الشباب.
 
الطرق الفظيعة التي تم بها تدبير لوائح الشباب داخل أغلب الأحزاب السياسية في انتخابات 2016 هي من قلبت الرضا إلى سخط، والإشادة إلى تذمر، بحيث طفت إلى السطح توصيفات وعبارات الريع والتريع وباك صاحبي وحزب العائلة والأعيان والنافذين.. إلى غير ذلك من الأوصاف التي عجت بها الصحف وصفحات التواصل الاجتماعي... والتي ضربت الفكرة الحزبية في مقتل، وساهمت في بداية التفكير في إزالة كوطا الشباب، وربما تحويل مقاعدها إلى لائحة النساء.
 
وهنا بالضبط يجب الوقوف والتركيز بالكثير من التدقيق والتحليل، الذي سيصل بنا لا محالة إلى ثلاث نتائج مهمة، وهي:
 
أولاً: أن السبب الرئيسي وراء سخط الناس على كوطا الشباب ليست الكوطا نفسها، بقدر ما هي طريقة انتداب الشباب وطريقة تدبيرها من طرف الأحزاب السياسية خصوصاً في محطة 2016.
 
ثانياً: أن المغاربة عموماً يثقون في الشباب ويتوقون إلى تشبيب المؤسسات، ولكن عبر شباب كفء ووطني ومسؤول وقادر على مواجهة كافة تحديات العمل البرلماني وتمثيل المواطنين وخصوصاً فئة الشباب أحسن تمثيل، وليس عبر شباب لا يهتم ولا يحضر لجلسات البرلمان، ولا يكاد يسمع صوته داخل المجلس، ووجوده داخله راجع فقط لإرادة ونفوذ صاحب الفضل عليه أكان قيادياً قريباً أو رئيساً أو بائعاً ومشترياً.
 
ثالثاً: أن أكبر من يطعن في لائحة الشباب إذا ما استثنينا عموم المهتمين الذين بنوا موقفهم على ما سبق ذكره وهم في ذلك على حق، هم بعض القيادات الحزبية التي تضيق ذرعا بالشباب، وتخافهم، إلى جانب بعض الناقمين الذين يكنون العداء للبرلمانيين الشباب إما حقدا أو حسدا أو غيرة، والحديث هنا عن مدى انتشار الحقد الاجتماعي في مجتمعنا تلزمه مجلدات.
 
وكخلاصة لما تم الوقوف عنده، ولكل ما تم ذكره، هي أن الرأي العام الوطني عموماً سيصفق للائحة الشباب وسيدعو للحفاظ عليها إذا ما تجلت له الضمانات الكافية بأنها ستدبر بشكل ديمقراطي داخل الأحزاب السياسية، وبأنها ستمثل الشباب الحزبي الكفء الذي يستحق، وبأنها ستعتمد توزيعاً مجالياً منصفاً. وهذا هو مربط الفرس الذي يجب أن يعتكف الجميع في نظري الشخصي حوله وتعميق النقاش في شروطه.
 
سبق للمرحوم الحسن الثاني أن قال بأن لكل جيل رجالاته، لذلك أدعو إلى فسح المجال لهذا الجيل ليعبر عن نفسه وليفرض ذاته ويثبت وجوده، فسهل جداً أن نقفز على لائحة الشباب بجرة قلم، ولكن السهل الممتنع والتحدي الحقيقي الذي يجب أن نخوضه جميعاً (أحزاباً وشبيباتٍ ومجتمعاً مدنياً ووسائلَ إعلام ووسائطَ اجتماعية...) هو المحافظة على هذا المكتسب الشبابي الإيجابي (كوطا الشباب)، وتحصينه، والاستفادة من كبوات 2011 وتجنب فظائع 2016، والاتفاق على ميثاق أخلاقي لتدبير لوائح الشباب داخل الأحزاب السياسية من طرف شبيباتها بشكل حر وديمقراطي وشفاف ونزيه، يحترم الكفاءة والتدرج والمسؤولية والقدرة والالتزام ويراعي التمثيلية الجهوية والمجالية، ويدفع في اتجاه المزيد من تشبيب المؤسسات، فما عاش وطن إلا بشبابه، وما تحققت تنمية إلا بالديمقراطية التمثيلية الحقة. 

 
 
Hicham Draidi