*بقلم: بوشعيب حمراوي*
لا تُقاس قوة الشراكات في العلاقات الدولية، بعدد الاتفاقيات التي تُوقَّع، ولا بحجم المبادلات التجارية التي تتضاعف، ولا حتى بعدد الزيارات الرسمية التي يتبادلها المسؤولون، وإنما تُقاس، قبل كل شيء، بقدرة الدول على تحويل لحظات الخلاف إلى فرص للتفاهم، وعلى تحرير المستقبل من إرث الماضي، وعلى امتلاك الشجاعة السياسية الكافية لمعالجة الملفات التي بقيت، لعقود طويلة، أسيرة حسابات تاريخية تجاوزتها الوقائع، وتجاوزتها التحولات الجيوسياسية، وأصبحت تحتاج إلى مقاربة جديدة تستند إلى منطق الدولة، وإلى المصالح المشتركة، وإلى الثقة التي تُبنى بصبر، وتترسخ بالفعل، ولا تكتفي بالشعارات.
ومن يتابع مسار العلاقات المغربية الإسبانية خلال السنوات الأخيرة، لا يمكنه إلا أن يلاحظ أن البلدين انتقلا، في فترة وجيزة، من مرحلة كانت تتسم بكثرة الأزمات وسوء الفهم وتضارب المواقف حول عدد من القضايا الحساسة، إلى مرحلة جديدة أصبحت فيها الرباط ومدريد تقدمان نموذجًا متقدمًا للتعاون في قضايا الأمن والهجرة ومحاربة الإرهاب والجريمة المنظمة والطاقة والاستثمار والتبادل التجاري، وهي مجالات لم يكن تحقيق هذا المستوى من التنسيق فيها ممكنًا لولا توفر إرادة سياسية مشتركة، وإيمان متبادل بأن استقرار الضفة الجنوبية والشمالية للمتوسط لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال شراكة صادقة ومتوازنة، تراعي مصالح الطرفين، وتحترم خصوصيات كل منهما.
ولعل اللحظة الأكثر تأثيرًا في هذا التحول كانت عندما أعلنت الحكومة الإسبانية دعمها الصريح لمبادرة الحكم الذاتي التي تقدم بها المغرب سنة 2007، معتبرة إياها الأساس الأكثر جدية وواقعية ومصداقية لتسوية النزاع الإقليمي حول الصحراء المغربية، وهو موقف لم يكن مجرد تعديل في اللغة الدبلوماسية، بل شكل منعطفًا سياسيًا أعاد رسم طبيعة العلاقات الثنائية، وفتح الباب أمام مرحلة جديدة قوامها الواقعية السياسية، والاحترام المتبادل، والبحث عن الحلول بدل الاكتفاء بإدارة الخلافات.
غير أن التحولات الكبرى لا ينبغي أن تتوقف عند حدود المواقف السياسية، لأن السياسة، مهما بلغت أهميتها، تظل بحاجة إلى ترجمة عملية داخل مختلف الملفات المرتبطة بها، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بملفات ذات طبيعة تقنية وإدارية، بقيت قائمة بفعل ظروف تاريخية تعود إلى عقود مضت، ولم تعد تعكس الواقع الجديد الذي تعرفه المنطقة، ولا مستوى الثقة الذي وصلت إليه العلاقات المغربية الإسبانية.
طبعا لازال هناك ملف كبير عالق بشمال المغرب، يتعلق بالاحتلال الاسباني لمدينتي سبتة ومليلية و21 جزيرة. فضل الطرفان تركه داخل مجمد إلى حين بروز خيوط وخطوط تمكن من وضعه على طاولة التفاوض.
لكن هناك من بين الملفات المفروض تسويتها، يبرز موضوع إدارة خدمات الملاحة الجوية المرتبطة بجزء من الأجواء فوق الأقاليم الجنوبية للمملكة، وهو ملف قد يبدو للبعض تقنيًا صرفًا، لكنه في الحقيقة يعكس إلى أي حد يمكن للعلاقات الإستراتيجية أن تكتمل عندما تمتلك الدول الشجاعة الكافية لمراجعة الترتيبات القديمة، وتكييفها مع التحولات الجديدة، بعيدًا عن أي منطق للمواجهة أو التصعيد، وبعيدًا كذلك عن أي قراءة تختزل الموضوع في شعارات سياسية أو في تأويلات قانونية غير دقيقة.
ولأن هذا الملف كثيرًا ما كان موضوع خلط، سواء في النقاشات الإعلامية أو حتى في بعض التحليلات السياسية، فإن من الضروري، قبل الخوض في تفاصيله، توضيح الفرق الجوهري بين السيادة على المجال الجوي، باعتبارها حقًا سياديًا ثابتًا تكفله قواعد القانون الدولي، وبين إدارة خدمات الملاحة الجوية، باعتبارها مسؤولية تقنية وتنظيمية تهدف أساسًا إلى ضمان سلامة حركة الطيران المدني، وهي مسؤولية لا تمنح سيادة، ولا تنزعها، ولا تغير من الوضع القانوني للأقاليم التي تُمارس فوقها تلك الخدمات.
إن هذه المقالة لا تُكتب من أجل فتح باب جديد للخلاف بين الرباط ومدريد، ولا من أجل توجيه اللوم إلى إسبانيا، التي اتخذت خلال السنوات الأخيرة مواقف شجاعة ومسؤولة أسهمت في إعادة الدفء إلى العلاقات الثنائية، وإنما تُكتب من منطلق الإيمان بأن الشراكة الحقيقية لا تكتمل إلا عندما تُراجع، بروح من الثقة والاحترام المتبادل، كل الملفات التي بقيت عالقة بفعل ظروف تاريخية تجاوزها الزمن، وأن الدول التي تنجح في بناء المستقبل هي تلك التي تمتلك الجرأة الكافية لتحديث أدوات تعاونها، تمامًا كما تمتلك الجرأة لتحديث مواقفها السياسية.
ومن هذا المنطلق، يصبح من المشروع أن يُطرح سؤال هادئ، ومسؤول، وبعيد عن أي مزايدة: إذا كانت مدريد قد اختارت الواقعية السياسية في موقفها من قضية الصحراء المغربية، وإذا كانت العلاقات الثنائية بلغت مستوى غير مسبوق من التعاون، وإذا كان البلدان يستعدان، إلى جانب البرتغال، لتنظيم أكبر تظاهرة رياضية في العالم سنة 2030، فهل آن الأوان لكي تواكب بعض الترتيبات التقنية هذا التحول التاريخي، بما يخدم سلامة الملاحة الجوية، ويعزز الثقة بين البلدين، ويجسد، على أرض الواقع، روح الشراكة الإستراتيجية التي تجمعهما؟
بين السيادة وإدارة الملاحة الجوية... تختلط المفاهيم ويضيع جوهر النقاش
قبل الخوض في أي نقاش يتعلق بالمجال الجوي للأقاليم الجنوبية للمملكة، ينبغي تحرير النقاش من واحد من أكثر المفاهيم التي تعرضت للخلط وسوء الفهم، وهو الاعتقاد بأن الجهة التي تدير خدمات الملاحة الجوية فوق منطقة معينة تمتلك، بالضرورة، السيادة القانونية عليها، في حين أن قواعد القانون الدولي للطيران المدني، كما أرستها اتفاقية شيكاغو لسنة 1944، تميز بوضوح بين الحق السيادي للدولة على مجالها الجوي، وبين المسؤولية التقنية عن تنظيم حركة الطائرات داخل ما يسمى بمناطق معلومات الطيران، وهي مسؤولية يمكن أن تُسند، وفق اعتبارات السلامة والكفاءة والتنسيق الدولي، إلى دولة معينة، دون أن يرتب ذلك أي أثر على وضع السيادة القانونية للإقليم المعني.
لماذا بقي هذا الملف معلقًا منذ نهاية الإدارة الإسبانية؟ ولماذا تُطيل الجغرافيا عمر ترتيباتٍ فرضها التاريخ؟
إن فهم طبيعة ملف إدارة خدمات الملاحة الجوية المرتبطة بالأقاليم الجنوبية للمملكة المغربية يقتضي، قبل إصدار الأحكام أو تبني المواقف، العودة إلى السياق التاريخي الذي نشأت فيه هذه الترتيبات، لأن كثيرًا من القضايا التي تبدو اليوم معقدة لم تكن، في الأصل، سوى حلول تقنية مؤقتة فرضتها ظروف سياسية وجغرافية كانت سائدة في مرحلة معينة، ثم استمرت بفعل مبدأ الاستمرارية الإدارية، دون أن يعني ذلك أنها أصبحت ترتيبات أبدية أو أنها اكتسبت حصانة تحول دون مراجعتها كلما تغيرت الوقائع والمعطيات.
فخلال فترة الوجود الإسباني في الصحراء، كانت مدريد تتولى، بحكم الأمر الواقع، إدارة مختلف المرافق المدنية والعسكرية، بما فيها تنظيم حركة الطيران المدني والإشراف على خدمات الملاحة الجوية في المجال المرتبط بالإقليم، وذلك في إطار النظام الدولي للطيران المدني الذي كان يسعى، منذ منتصف القرن الماضي، إلى ضمان سلامة الملاحة الجوية العالمية عبر توزيع مسؤوليات المراقبة الجوية بين الدول وفق معايير تقنية، بعيدًا عن الاعتبارات السياسية.
وعندما استرجع المغرب أقاليمه الجنوبية سنة 1975، تغيرت السيادة على الأرض، وتغيرت الإدارة المدنية، وتغيرت المؤسسات، غير أن بعض الترتيبات التقنية الخاصة بالملاحة الجوية استمرت كما هي، ليس لأن القانون الدولي كان يمنع مراجعتها، ولا لأن منظمة الطيران المدني الدولي كانت تعتبرها وضعًا نهائيًا، وإنما لأن مثل هذه الملفات لا تُعدَّل بقرارات سياسية أو بإعلانات إعلامية، وإنما تخضع لمساطر تقنية دقيقة، ولمفاوضات ثنائية ومتعددة الأطراف، ولتقييمات ترتبط أساسًا بسلامة الطيران، وكفاءة البنيات التحتية، واستمرارية الخدمات، وضمان عدم حدوث أي اضطراب في حركة الملاحة الجوية الدولية.
ولهذا السبب، فإن استمرار بعض الاختصاصات التقنية في يد إسبانيا خلال العقود الماضية لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره موقفًا سياسيًا من قضية الصحراء، ولا دليلًا على وضع قانوني معين، لأن التاريخ الحديث للطيران المدني الدولي مليء بحالات تتولى فيها دولة تقديم خدمات الملاحة الجوية فوق مناطق لا تمارس عليها سيادة، أو تتقاسم فيها عدة دول مسؤوليات تقنية مرتبطة بحركة الطيران، دون أن يكون لذلك أي أثر على الوضع القانوني أو السياسي للأقاليم المعنيةز
إن الخلط بين إدارة خدمات الملاحة الجوية والسيادة على المجال الجوي هو، في الحقيقة، واحد من أكثر المغالطات التي ساهمت في تشويش النقاش العمومي حول هذا الموضوع. فالمراقب الجوي الذي يوجه الطائرات لا يرسم الحدود السياسية، ومركز المراقبة الجوية لا يمنح الشرعية لأي طرف، ومنطقة معلومات الطيران ليست خريطة للسيادة، بل فضاء تنظيمي هدفه الوحيد هو ضمان سلامة الطائرات والركاب والأطقم الجوية.
ولذلك، فإن استمرار هذه الترتيبات طوال العقود الماضية كان انعكاسًا لمنطق الاستمرارية التقنية أكثر مما كان تعبيرًا عن موقف قانوني أو سياسي، وهو منطق تعرفه منظمة الطيران المدني الدولي في مناطق عديدة من العالم، حيث تُفضَّل سلامة الملاحة الجوية على أي ارتباك قد ينجم عن تغييرات متسرعة، إلى أن تتوفر الظروف المناسبة لإعادة توزيع المسؤوليات وفق معايير الكفاءة والتنسيق والاتفاق بين الأطراف المعنية.
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم لم يعد يتعلق بالماضي، وإنما بالحاضر والمستقبل. فهل لا تزال الظروف التي بررت استمرار تلك الترتيبات قائمة؟ وهل لا يزال الواقع الجيوسياسي والاقتصادي والأمني في المنطقة هو نفسه الذي كان قائمًا قبل خمسين سنة؟ أم أن المغرب، بما راكمه من خبرة مؤسساتية واستثمارات ضخمة في بنياته التحتية الجوية والمطارية، أصبح يمتلك من الإمكانات البشرية والتقنية واللوجستيكية ما يجعله مؤهلًا، أكثر من أي وقت مضى، لاستكمال هذا الورش في إطار التعاون والتوافق واحترام القانون الدولي؟
إن الإجابة عن هذا السؤال لا ينبغي أن تُبنى على العاطفة الوطنية وحدها، مهما كانت مشروعيتها، بل على قراءة موضوعية للتحولات التي شهدتها المملكة، وعلى تقييم دقيق لمستوى التطور الذي بلغته منظومة الطيران المدني المغربية، وعلى استحضار المكانة التي أصبح يحتلها المغرب داخل المنظمات الدولية المتخصصة، وفي مقدمتها منظمة الطيران المدني الدولي، التي لا تنظر إلى الدول من زاوية الخطابات السياسية، وإنما من زاوية قدرتها على توفير أعلى معايير السلامة والكفاءة والجاهزية.
ومن هنا، فإن النقاش الحقيقي لم يعد يدور حول ما إذا كان المغرب يملك الحق في المطالبة بتطوير هذه الترتيبات، وإنما حول التوقيت الأنسب، والآليات الأكثر نجاعة، والصيغة التي تجعل من هذا التطور ثمرةً للشراكة المغربية الإسبانية، لا موضوعًا لخلاف جديد بين بلدين أثبتا خلال السنوات الأخيرة أنهما قادران على تجاوز أكثر الملفات تعقيدًا عندما تتوفر الإرادة السياسية، ويسود منطق الحوار، وتغلب المصالح المشتركة على حسابات الماضي.
صحراء 2026.. أحد أهم محاور المشروع التنموي المغربي وأهم الجسور لربط أوروبا بإفريقيا
إذا كانت الترتيبات التقنية الخاصة بالملاحة الجوية قد وُضعت في زمن كانت فيه الأقاليم الجنوبية تعيش واقعًا مختلفًا سياسيًا واقتصاديًا ولوجستيًا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يُطرح اليوم ليس: لماذا وُضعت تلك الترتيبات؟ وإنما: هل ما زالت الظروف التي أفرزتها قائمة؟ وهل يمكن لمنطقة شهدت، خلال نصف قرن، واحدة من أكبر عمليات التحول العمراني والاقتصادي والاستراتيجي في شمال إفريقيا أن تظل، في بعض جوانبها التقنية، محكومة بمنطق يعود إلى سبعينيات القرن الماضي؟ إن الإجابة الموضوعية عن هذا السؤال لا تحتاج إلى شعارات أو خطابات حماسية، بل يكفي أن ننظر إلى حجم التحولات التي عرفتها الصحراء المغربية، وإلى المكانة الجديدة التي أصبحت تحتلها داخل الرؤية الاستراتيجية للمملكة، حتى ندرك أن الحديث لم يعد يدور عن منطقة هامشية أو بعيدة عن مراكز القرار الاقتصادي، بل عن فضاء أصبح يشكل أحد أهم محاور المشروع التنموي المغربي، وأحد أهم الجسور التي يراهن عليها المغرب لربط أوروبا بإفريقيا، وربط البحر الأبيض المتوسط بالمحيط الأطلسي.
لقد تحولت مدينة العيون إلى قطب إداري واقتصادي متكامل، وارتقت الداخلة إلى مصاف المدن التي تستقطب الاستثمارات الوطنية والدولية في مجالات الصيد البحري، والطاقات المتجددة، والسياحة، والاقتصاد الأزرق، والخدمات اللوجستيكية، كما شهدت مختلف الأقاليم الجنوبية توسعًا كبيرًا في شبكات الطرق، والمناطق الصناعية، والمطارات، والمرافق العمومية، وهو تحول لم يكن مجرد تحسين للبنيات التحتية، بل كان ترجمة عملية لرؤية ملكية بعيدة المدى، تعتبر أن تنمية الصحراء ليست فقط واجبًا وطنيا، وإنما خيارًا استراتيجيًا يهدف إلى جعلها منصة اقتصادية وجيوسياسية تربط المغرب بعمقه الإفريقي، وتجعله فاعلًا رئيسيًا في إعادة تشكيل موازين التنمية داخل الواجهة الأطلسية للقارة.
ولعل خير دليل على هذا التحول هو المشروع الضخم لميناء الداخلة الأطلسي، الذي لا يُنظر إليه باعتباره مجرد ميناء جديد، بل باعتباره أحد أكبر المشاريع الاستراتيجية التي ينجزها المغرب في القرن الحادي والعشرين، بالنظر إلى ما ينتظر أن يوفره من قدرات لوجستيكية وتجارية وصناعية، وما سيفتحه من آفاق أمام المبادلات البحرية بين أوروبا وإفريقيا والأمريكيتين، فضلًا عن دوره في دعم المبادرة الملكية الرامية إلى تمكين دول الساحل الإفريقي من الولوج إلى المحيط الأطلسي، وهي المبادرة التي حظيت باهتمام واسع داخل القارة وخارجها، لأنها تقدم تصورًا جديدًا للتعاون الإقليمي يقوم على التنمية المشتركة بدل منطق العزلة والانغلاق.
وفي موازاة هذه المشاريع الاقتصادية، عرفت الأقاليم الجنوبية توسعًا ملحوظًا في البنية الجوية، سواء من خلال تحديث مطاري العيون والداخلة، أو من خلال الارتفاع المتواصل في عدد الرحلات الجوية، وتزايد حركة المسافرين، وازدياد الحاجة إلى خدمات ملاحية أكثر تطورًا، بما يواكب النمو الذي تعرفه المنطقة، ويضمن أعلى مستويات السلامة والكفاءة في تدبير الحركة الجوية، خصوصًا وأن النقل الجوي لم يعد مجرد وسيلة للتنقل، بل أصبح عنصرًا حاسمًا في جذب الاستثمارات، وتشجيع السياحة، وربط الأقاليم الجنوبية بمختلف المراكز الاقتصادية داخل المملكة وخارجها.
ولا يمكن الحديث عن التحول الذي عرفته الصحراء المغربية دون التوقف عند البعد الدبلوماسي، الذي تجسد في افتتاح عشرات القنصليات العامة لعدد من الدول الشقيقة والصديقة بمدينة العيون ومدينة الداخلة، بلغت في مجملها 29 قنصلية. وهو معطى يعكس، بغض النظر عن اختلاف المواقف الدولية، اعترافًا متزايدًا بالدور الذي أصبحت تضطلع به الأقاليم الجنوبية داخل السياسة الإفريقية للمغرب، كما يعكس اقتناع عدد متزايد من الدول بأن مستقبل هذه المنطقة لا يُبنى بالصراعات، وإنما بالمشاريع والاستثمارات والتعاون الإقليمي.
إن كل هذه المعطيات تجعل من الصعب، بل ومن غير المنطقي، أن يبقى النقاش حول إدارة بعض الجوانب التقنية للملاحة الجوية منفصلًا عن الواقع الجديد الذي تعيشه الصحراء المغربية. فالدول لا تطور منظوماتها الجوية استجابة لرغبات سياسية، وإنما استجابة لتحولات اقتصادية، ولتزايد حركة النقل، ولتوسع الاستثمارات، ولارتفاع المسؤوليات المرتبطة بأمن وسلامة الملاحة الجوية، وهي عناصر أصبحت كلها حاضرة بقوة في الأقاليم الجنوبية للمملكة.
ثم إن المغرب اليوم ليس هو المغرب الذي كان قبل خمسين سنة. فقد أصبح يمتلك خبرة معترفًا بها في إدارة مطاراته، وتطوير فضائه الجوي، وتأهيل أطره التقنية، والانخراط في برامج منظمة الطيران المدني الدولي، كما راكم تجربة معتبرة في تدبير واحد من أكثر المجالات الجوية نشاطًا على مستوى شمال غرب إفريقيا، وهو ما يجعل أي نقاش مستقبلي حول تحديث ترتيبات خدمات الملاحة الجوية قائمًا، قبل كل شيء، على معايير الكفاءة والجاهزية والقدرة المؤسساتية، وليس فقط على الاعتبارات التاريخية.
ولذلك، فإن أي قراءة موضوعية لهذا الملف لا يمكنها أن تتجاهل حقيقة أساسية، وهي أن التحولات التي عرفتها الصحراء المغربية خلال العقود الأخيرة لم تكن مجرد مشاريع تنموية متفرقة، وإنما كانت مشروعًا استراتيجيًا متكاملًا أعاد رسم مكانة هذه الأقاليم داخل الخريطة الاقتصادية والسياسية للمملكة، وجعلها أحد أهم المفاتيح التي يراهن عليها المغرب لتعزيز حضوره في الفضاء الأطلسي والإفريقي، وهو ما يجعل من الطبيعي أن يواكب هذا التحول نقاش هادئ ومسؤول حول تحديث مختلف الآليات التقنية المرتبطة بهذا الفضاء، في إطار القانون الدولي، وبروح التعاون التي أصبحت تطبع العلاقات المغربية الإسبانية، وبما يخدم، في نهاية المطاف، أمن الملاحة الجوية، واستقرار المنطقة، ومصالح جميع الشركاء.
من مدريد 2022 إلى مونديال 2030... الثقة بين المغرب وإسبانيا مشروعًا للمستقبل لا مجرد تسويةٍ للماضي
يصعب على أي متابع منصف أن ينكر أن العلاقات المغربية الإسبانية تعيش، منذ سنة 2022، واحدة من أكثر مراحلها استقرارًا ونضجًا منذ عقود. فبعد سنوات طويلة من التوترات المتقطعة، التي كانت تتداخل فيها الاعتبارات السياسية والأمنية والهجرية والاقتصادية، اختارت مدريد أن تعيد النظر في مقاربتها لعدد من الملفات الاستراتيجية، وفي مقدمتها قضية الصحراء المغربية، عندما أعلنت، بوضوح غير مسبوق، أن مبادرة الحكم الذاتي التي اقترحها المغرب تشكل الأساس الأكثر جدية وواقعية ومصداقية للتوصل إلى حل دائم لهذا النزاع الإقليمي، وهو موقف لم يكن حدثًا عابرًا في سجل العلاقات الثنائية، بل شكل تحولًا استراتيجيًا أعاد رسم معالم مرحلة جديدة، عنوانها الواقعية السياسية، والشراكة المسؤولة، والبحث عن المصالح المشتركة بدل الارتهان لحسابات الماضي.
لقد أدركت إسبانيا، بحكم موقعها الجغرافي وخبرتها التاريخية، أن استقرار المغرب ليس شأنًا مغربيًا فحسب، بل هو عنصر أساسي في استقرار شبه الجزيرة الإيبيرية والفضاء المتوسطي والأطلسي برمته، وأن المملكة المغربية لم تعد مجرد جار جنوبي، وإنما أصبحت قوة إقليمية صاعدة، وشريكًا موثوقًا في مواجهة التحديات المشتركة، من مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، إلى تدبير الهجرة، وأمن الطاقة، وسلاسل التوريد، والتعاون الاقتصادي، والانفتاح على الأسواق الإفريقية. ومن هنا، لم يكن التقارب بين الرباط ومدريد مجرد تقارب سياسي ظرفي، بل كان نتيجة قراءة إستراتيجية عميقة لمصالح البلدين في عالم تتسارع فيه التحولات، وتتغير فيه موازين القوة والتحالفات.
وقد أثبتت السنوات الأخيرة أن هذا الاختيار لم يكن خاطئًا، إذ شهدت العلاقات الثنائية انتعاشًا لافتًا في مختلف المجالات؛ فارتفع حجم المبادلات التجارية إلى مستويات قياسية، وتعزز التنسيق الأمني والاستخباراتي، وتكاثفت اللقاءات الحكومية والاقتصادية، وتطورت مشاريع التعاون في مجالات النقل والطاقة والربط البحري والاستثمار، وأصبحت الرباط ومدريد تتعاملان مع كثير من القضايا الإقليمية بروح الشريك الذي يبحث عن الحلول، لا بروح الخصم الذي يراكم الخلافات.
وفي هذا السياق، يكتسب تنظيم المغرب وإسبانيا، إلى جانب البرتغال، لنهائيات كأس العالم 2030 دلالة تتجاوز بكثير الجانب الرياضي، لأنه يجسد، في جوهره، إعلانًا للعالم بأن الضفتين الجنوبية والشمالية للمتوسط قادرتان على بناء نموذج جديد من التعاون، يقوم على الثقة والتكامل وتقاسم المسؤوليات. فهذا الحدث العالمي لن يكون مجرد منافسة كروية تستمر بضعة أسابيع، بل سيكون اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدول الثلاث على تنسيق شبكات النقل، والموانئ، والمطارات، والمجالات الجوية، والمنظومات الأمنية، والخدمات اللوجستيكية، بما يضمن انسيابية حركة ملايين المسافرين وآلاف الرحلات الجوية والبحرية والبرية.
ومن هذا المنظور، فإن الحديث عن تحديث بعض الترتيبات التقنية المرتبطة بالملاحة الجوية لا ينبغي أن يُفهم باعتباره مطلبًا سياسيًا معزولًا، أو محاولة لإحياء نقاشات الماضي، وإنما باعتباره جزءًا من التفكير في متطلبات المستقبل. فمونديال 2030 سيضع المجال الجوي للمغرب وإسبانيا أمام تحديات تشغيلية غير مسبوقة، وسيجعل من التنسيق الكامل بين مختلف مراكز المراقبة الجوية، وتبادل المعلومات، وتطوير آليات إدارة الحركة الجوية، ضرورة عملية تمليها اعتبارات السلامة والكفاءة، قبل أن تكون مطلبًا سياسيًا أو دبلوماسيًا.
ومن هنا، تبدو الفكرة التي تقوم عليها هذه المقالة بسيطة في ظاهرها، لكنها عميقة في دلالاتها؛ فإذا كانت مدريد قد امتلكت الشجاعة السياسية لإعادة صياغة موقفها من قضية الصحراء المغربية بما ينسجم مع منطق الواقعية، وإذا كانت الرباط بادلتها هذا الموقف بإرادة صادقة لبناء شراكة إستراتيجية متينة، وإذا كان البلدان قد اختارا معًا أن يقدما للعالم نموذجًا للتعاون من خلال تنظيم كأس العالم 2030، فإن من الطبيعي أن تُفتح، في مناخ من الثقة والاحترام المتبادل، مناقشة هادئة حول الكيفية التي يمكن بها أن تواكب بعض الترتيبات التقنية هذا التحول التاريخي، بما يخدم المصلحة المشتركة للطرفين، ويعزز سلامة الملاحة الجوية، ويجسد، عمليًا، المستوى المتقدم الذي بلغته العلاقات المغربية الإسبانية.
إن الدول الواثقة من نفسها لا تخشى مراجعة ما ورثته من ترتيبات قديمة عندما تتغير الظروف التي أفرزتها، كما أن الشراكات الإستراتيجية لا تُختبر فقط في مواجهة الأزمات، بل تُختبر أيضًا في قدرتها على تطوير أدواتها، وتحديث آلياتها، والتخلص، تدريجيًا وبالحوار، من كل ما أصبح ينتمي إلى سياق تاريخي تجاوزه الزمن. ومن هذه الزاوية، فإن أي نقاش مستقبلي حول إدارة خدمات الملاحة الجوية فوق الأقاليم الجنوبية للمملكة يجب أن يُنظر إليه باعتباره امتدادًا طبيعيًا لمسار الثقة الذي بدأ قبل سنوات، وليس خروجًا عنه، لأن الشراكة الحقيقية لا تكتفي بإدارة الحاضر، وإنما تملك الجرأة على صناعة المستقبل، بروح المسؤولية، ووفق قواعد القانون الدولي، وبما يحفظ مصالح جميع الأطراف.
ليست مطالبةً سياسية... بل دعوة إلى استكمال منطق الدولة والشراكة
قد يكون من أكثر الأخطاء التي يمكن أن يقع فيها أي نقاش حول هذا الملف، اختزاله في ثنائية "الرابح والخاسر"، أو تصويره على أنه مواجهة دبلوماسية جديدة بين الرباط ومدريد، لأن مثل هذه المقاربة لا تخدم حقيقة الموضوع، ولا تنسجم مع طبيعة العلاقات التي نجح البلدان في بنائها خلال السنوات الأخيرة، ولا مع فلسفة القانون الدولي للطيران المدني، الذي يقوم، أساسًا، على التعاون والتنسيق وتبادل المسؤوليات بما يضمن أمن وسلامة الملاحة الجوية الدولية.
فالمغرب، وهو يواصل ترسيخ حضوره الإقليمي والدولي، لم يعد في حاجة إلى الدخول في معارك رمزية أو إلى صناعة أزمات سياسية لإثبات ما يعتبره حقوقًا ثابتة، كما أن إسبانيا، التي اختارت منطق الواقعية والشراكة، ليست في موقع الخصم الذي ينبغي مواجهته، وإنما أصبحت شريكًا استراتيجيًا تربطه بالمملكة مصالح متداخلة ومسؤوليات مشتركة تتجاوز بكثير أي ملف تقني مهما بلغت أهميته.
ومن هذا المنطلق، فإن الحديث عن مستقبل إدارة خدمات الملاحة الجوية فوق الأقاليم الجنوبية للمملكة لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره مطالبة موجهة ضد إسبانيا، بل باعتباره دعوة هادئة إلى فتح حوار مؤسساتي مسؤول بين بلدين تجمعهما اليوم مستويات غير مسبوقة من الثقة والتعاون، بهدف دراسة الكيفية التي يمكن بها أن تواكب الترتيبات التقنية الحالية التحولات العميقة التي عرفتها المنطقة، في احترام تام للقانون الدولي، وللمساطر المعتمدة داخل منظمة الطيران المدني الدولي، وبما يضمن، قبل كل شيء، استمرارية الخدمة وسلامة الملاحة الجوية.
إن منطق الدولة يختلف عن منطق الانفعال؛ فهو لا يبحث عن الانتصارات الإعلامية، بل عن الحلول المستدامة. ولذلك فإن الدول الكبرى، عندما تجد نفسها أمام ترتيبات أصبحت تحتاج إلى تطوير، لا تلجأ إلى التصعيد، وإنما إلى التفاوض، وإلى اللجان التقنية، وإلى الدراسات المشتركة، وإلى بناء التوافقات التي تجعل أي انتقال يتم بصورة تدريجية ومنظمة، تحافظ على مصالح الجميع، وتجنب أي اضطراب قد يؤثر في حركة الطيران المدني الدوليز
وليس من المبالغة القول إن المغرب يمتلك اليوم كل المقومات التي تؤهله للمشاركة في مثل هذا النقاش بثقة وهدوء. فقد راكم خبرة واسعة في إدارة مجاله الجوي، وطور منظومته الوطنية للطيران المدني، واستثمر بشكل متواصل في تحديث مطاراته، وتأهيل موارده البشرية، وتطوير تجهيزاته التقنية، كما أصبح شريكًا فاعلًا داخل المنظومة الدولية للطيران المدني، وهو ما يمنحه مشروعية طرح هذا الموضوع من زاوية الكفاءة والجاهزية، لا من زاوية الشعارات أو الاعتبارات العاطفية.
وفي المقابل، فإن إسبانيا، التي راكمت بدورها تجربة طويلة في إدارة خدمات الملاحة الجوية، تستطيع أن تجعل من أي نقاش مستقبلي حول هذا الملف نموذجًا جديدًا للتعاون الأوروبي الإفريقي، بدل أن يبقى مجرد امتداد لترتيبات فرضتها ظروف تاريخية مختلفة. فالعلاقات التي تُبنى على الثقة لا تخشى مراجعة الماضي، بل تعتبر مراجعة الماضي جزءًا من بناء المستقبل.
إن الرسالة التي يمكن أن يبعث بها البلدان إلى المجتمع الدولي ستكون أقوى بكثير إذا جاء أي تطور في هذا الملف نتيجة حوار هادئ، وتفاهم تقني، ورؤية مشتركة، بدل أن يكون نتيجة ضغوط أو تجاذبات سياسية. فذلك وحده هو الذي ينسجم مع المكانة التي أصبح يحتلها المغرب وإسبانيا داخل فضائهما الإقليمي، ومع الصورة التي يسعيان إلى تقديمها للعالم باعتبارهما شريكين قادرين على تدبير الملفات الحساسة بالحكمة والعقل والمسؤولية.
ولذلك، فإن السؤال الحقيقي لم يعد: هل ينبغي أن يُناقش هذا الملف؟ لأن مناقشة الملفات التقنية أمر طبيعي بين الدول الصديقة. وإنما أصبح السؤال هو: كيف يمكن أن يُناقش؟ ومتى؟ وبأي رؤية؟ والجواب، في تقديري، واضح؛ ينبغي أن يُناقش بروح الشراكة لا بروح الخصومة، وبمنطق المستقبل لا بمنطق الماضي، وبالاحتكام إلى القانون الدولي والمؤسسات الدولية المختصة، لا إلى لغة المزايدات السياسية.
إن الدول التي تثق في قوة علاقاتها لا تعتبر الحوار تنازلًا، ولا ترى في تحديث الترتيبات التقنية تهديدًا، بل تعتبره دليلًا على نضج تلك العلاقات. ولذلك، فإن مجرد التفكير في هذا الملف داخل إطار التعاون المغربي الإسباني يُعد، في حد ذاته، تعبيرًا عن مستوى الثقة الذي وصلت إليه العلاقات الثنائية، وعن اقتناع متبادل بأن الشراكة الحقيقية لا تقتصر على توقيع الاتفاقيات الاقتصادية، ولا على تنسيق المواقف السياسية، وإنما تمتد أيضًا إلى مراجعة كل الآليات التي أصبح الزمن يدعو إلى تطويرها، حتى تنسجم مع واقع جديد يصنعه البلدان معًا، لا كل واحد منهما على حدة.
لا تُقاس قوة الشراكات في العلاقات الدولية، بعدد الاتفاقيات التي تُوقَّع، ولا بحجم المبادلات التجارية التي تتضاعف، ولا حتى بعدد الزيارات الرسمية التي يتبادلها المسؤولون، وإنما تُقاس، قبل كل شيء، بقدرة الدول على تحويل لحظات الخلاف إلى فرص للتفاهم، وعلى تحرير المستقبل من إرث الماضي، وعلى امتلاك الشجاعة السياسية الكافية لمعالجة الملفات التي بقيت، لعقود طويلة، أسيرة حسابات تاريخية تجاوزتها الوقائع، وتجاوزتها التحولات الجيوسياسية، وأصبحت تحتاج إلى مقاربة جديدة تستند إلى منطق الدولة، وإلى المصالح المشتركة، وإلى الثقة التي تُبنى بصبر، وتترسخ بالفعل، ولا تكتفي بالشعارات.
ومن يتابع مسار العلاقات المغربية الإسبانية خلال السنوات الأخيرة، لا يمكنه إلا أن يلاحظ أن البلدين انتقلا، في فترة وجيزة، من مرحلة كانت تتسم بكثرة الأزمات وسوء الفهم وتضارب المواقف حول عدد من القضايا الحساسة، إلى مرحلة جديدة أصبحت فيها الرباط ومدريد تقدمان نموذجًا متقدمًا للتعاون في قضايا الأمن والهجرة ومحاربة الإرهاب والجريمة المنظمة والطاقة والاستثمار والتبادل التجاري، وهي مجالات لم يكن تحقيق هذا المستوى من التنسيق فيها ممكنًا لولا توفر إرادة سياسية مشتركة، وإيمان متبادل بأن استقرار الضفة الجنوبية والشمالية للمتوسط لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال شراكة صادقة ومتوازنة، تراعي مصالح الطرفين، وتحترم خصوصيات كل منهما.
ولعل اللحظة الأكثر تأثيرًا في هذا التحول كانت عندما أعلنت الحكومة الإسبانية دعمها الصريح لمبادرة الحكم الذاتي التي تقدم بها المغرب سنة 2007، معتبرة إياها الأساس الأكثر جدية وواقعية ومصداقية لتسوية النزاع الإقليمي حول الصحراء المغربية، وهو موقف لم يكن مجرد تعديل في اللغة الدبلوماسية، بل شكل منعطفًا سياسيًا أعاد رسم طبيعة العلاقات الثنائية، وفتح الباب أمام مرحلة جديدة قوامها الواقعية السياسية، والاحترام المتبادل، والبحث عن الحلول بدل الاكتفاء بإدارة الخلافات.
غير أن التحولات الكبرى لا ينبغي أن تتوقف عند حدود المواقف السياسية، لأن السياسة، مهما بلغت أهميتها، تظل بحاجة إلى ترجمة عملية داخل مختلف الملفات المرتبطة بها، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بملفات ذات طبيعة تقنية وإدارية، بقيت قائمة بفعل ظروف تاريخية تعود إلى عقود مضت، ولم تعد تعكس الواقع الجديد الذي تعرفه المنطقة، ولا مستوى الثقة الذي وصلت إليه العلاقات المغربية الإسبانية.
طبعا لازال هناك ملف كبير عالق بشمال المغرب، يتعلق بالاحتلال الاسباني لمدينتي سبتة ومليلية و21 جزيرة. فضل الطرفان تركه داخل مجمد إلى حين بروز خيوط وخطوط تمكن من وضعه على طاولة التفاوض.
لكن هناك من بين الملفات المفروض تسويتها، يبرز موضوع إدارة خدمات الملاحة الجوية المرتبطة بجزء من الأجواء فوق الأقاليم الجنوبية للمملكة، وهو ملف قد يبدو للبعض تقنيًا صرفًا، لكنه في الحقيقة يعكس إلى أي حد يمكن للعلاقات الإستراتيجية أن تكتمل عندما تمتلك الدول الشجاعة الكافية لمراجعة الترتيبات القديمة، وتكييفها مع التحولات الجديدة، بعيدًا عن أي منطق للمواجهة أو التصعيد، وبعيدًا كذلك عن أي قراءة تختزل الموضوع في شعارات سياسية أو في تأويلات قانونية غير دقيقة.
ولأن هذا الملف كثيرًا ما كان موضوع خلط، سواء في النقاشات الإعلامية أو حتى في بعض التحليلات السياسية، فإن من الضروري، قبل الخوض في تفاصيله، توضيح الفرق الجوهري بين السيادة على المجال الجوي، باعتبارها حقًا سياديًا ثابتًا تكفله قواعد القانون الدولي، وبين إدارة خدمات الملاحة الجوية، باعتبارها مسؤولية تقنية وتنظيمية تهدف أساسًا إلى ضمان سلامة حركة الطيران المدني، وهي مسؤولية لا تمنح سيادة، ولا تنزعها، ولا تغير من الوضع القانوني للأقاليم التي تُمارس فوقها تلك الخدمات.
إن هذه المقالة لا تُكتب من أجل فتح باب جديد للخلاف بين الرباط ومدريد، ولا من أجل توجيه اللوم إلى إسبانيا، التي اتخذت خلال السنوات الأخيرة مواقف شجاعة ومسؤولة أسهمت في إعادة الدفء إلى العلاقات الثنائية، وإنما تُكتب من منطلق الإيمان بأن الشراكة الحقيقية لا تكتمل إلا عندما تُراجع، بروح من الثقة والاحترام المتبادل، كل الملفات التي بقيت عالقة بفعل ظروف تاريخية تجاوزها الزمن، وأن الدول التي تنجح في بناء المستقبل هي تلك التي تمتلك الجرأة الكافية لتحديث أدوات تعاونها، تمامًا كما تمتلك الجرأة لتحديث مواقفها السياسية.
ومن هذا المنطلق، يصبح من المشروع أن يُطرح سؤال هادئ، ومسؤول، وبعيد عن أي مزايدة: إذا كانت مدريد قد اختارت الواقعية السياسية في موقفها من قضية الصحراء المغربية، وإذا كانت العلاقات الثنائية بلغت مستوى غير مسبوق من التعاون، وإذا كان البلدان يستعدان، إلى جانب البرتغال، لتنظيم أكبر تظاهرة رياضية في العالم سنة 2030، فهل آن الأوان لكي تواكب بعض الترتيبات التقنية هذا التحول التاريخي، بما يخدم سلامة الملاحة الجوية، ويعزز الثقة بين البلدين، ويجسد، على أرض الواقع، روح الشراكة الإستراتيجية التي تجمعهما؟
بين السيادة وإدارة الملاحة الجوية... تختلط المفاهيم ويضيع جوهر النقاش
قبل الخوض في أي نقاش يتعلق بالمجال الجوي للأقاليم الجنوبية للمملكة، ينبغي تحرير النقاش من واحد من أكثر المفاهيم التي تعرضت للخلط وسوء الفهم، وهو الاعتقاد بأن الجهة التي تدير خدمات الملاحة الجوية فوق منطقة معينة تمتلك، بالضرورة، السيادة القانونية عليها، في حين أن قواعد القانون الدولي للطيران المدني، كما أرستها اتفاقية شيكاغو لسنة 1944، تميز بوضوح بين الحق السيادي للدولة على مجالها الجوي، وبين المسؤولية التقنية عن تنظيم حركة الطائرات داخل ما يسمى بمناطق معلومات الطيران، وهي مسؤولية يمكن أن تُسند، وفق اعتبارات السلامة والكفاءة والتنسيق الدولي، إلى دولة معينة، دون أن يرتب ذلك أي أثر على وضع السيادة القانونية للإقليم المعني.
لماذا بقي هذا الملف معلقًا منذ نهاية الإدارة الإسبانية؟ ولماذا تُطيل الجغرافيا عمر ترتيباتٍ فرضها التاريخ؟
إن فهم طبيعة ملف إدارة خدمات الملاحة الجوية المرتبطة بالأقاليم الجنوبية للمملكة المغربية يقتضي، قبل إصدار الأحكام أو تبني المواقف، العودة إلى السياق التاريخي الذي نشأت فيه هذه الترتيبات، لأن كثيرًا من القضايا التي تبدو اليوم معقدة لم تكن، في الأصل، سوى حلول تقنية مؤقتة فرضتها ظروف سياسية وجغرافية كانت سائدة في مرحلة معينة، ثم استمرت بفعل مبدأ الاستمرارية الإدارية، دون أن يعني ذلك أنها أصبحت ترتيبات أبدية أو أنها اكتسبت حصانة تحول دون مراجعتها كلما تغيرت الوقائع والمعطيات.
فخلال فترة الوجود الإسباني في الصحراء، كانت مدريد تتولى، بحكم الأمر الواقع، إدارة مختلف المرافق المدنية والعسكرية، بما فيها تنظيم حركة الطيران المدني والإشراف على خدمات الملاحة الجوية في المجال المرتبط بالإقليم، وذلك في إطار النظام الدولي للطيران المدني الذي كان يسعى، منذ منتصف القرن الماضي، إلى ضمان سلامة الملاحة الجوية العالمية عبر توزيع مسؤوليات المراقبة الجوية بين الدول وفق معايير تقنية، بعيدًا عن الاعتبارات السياسية.
وعندما استرجع المغرب أقاليمه الجنوبية سنة 1975، تغيرت السيادة على الأرض، وتغيرت الإدارة المدنية، وتغيرت المؤسسات، غير أن بعض الترتيبات التقنية الخاصة بالملاحة الجوية استمرت كما هي، ليس لأن القانون الدولي كان يمنع مراجعتها، ولا لأن منظمة الطيران المدني الدولي كانت تعتبرها وضعًا نهائيًا، وإنما لأن مثل هذه الملفات لا تُعدَّل بقرارات سياسية أو بإعلانات إعلامية، وإنما تخضع لمساطر تقنية دقيقة، ولمفاوضات ثنائية ومتعددة الأطراف، ولتقييمات ترتبط أساسًا بسلامة الطيران، وكفاءة البنيات التحتية، واستمرارية الخدمات، وضمان عدم حدوث أي اضطراب في حركة الملاحة الجوية الدولية.
ولهذا السبب، فإن استمرار بعض الاختصاصات التقنية في يد إسبانيا خلال العقود الماضية لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره موقفًا سياسيًا من قضية الصحراء، ولا دليلًا على وضع قانوني معين، لأن التاريخ الحديث للطيران المدني الدولي مليء بحالات تتولى فيها دولة تقديم خدمات الملاحة الجوية فوق مناطق لا تمارس عليها سيادة، أو تتقاسم فيها عدة دول مسؤوليات تقنية مرتبطة بحركة الطيران، دون أن يكون لذلك أي أثر على الوضع القانوني أو السياسي للأقاليم المعنيةز
إن الخلط بين إدارة خدمات الملاحة الجوية والسيادة على المجال الجوي هو، في الحقيقة، واحد من أكثر المغالطات التي ساهمت في تشويش النقاش العمومي حول هذا الموضوع. فالمراقب الجوي الذي يوجه الطائرات لا يرسم الحدود السياسية، ومركز المراقبة الجوية لا يمنح الشرعية لأي طرف، ومنطقة معلومات الطيران ليست خريطة للسيادة، بل فضاء تنظيمي هدفه الوحيد هو ضمان سلامة الطائرات والركاب والأطقم الجوية.
ولذلك، فإن استمرار هذه الترتيبات طوال العقود الماضية كان انعكاسًا لمنطق الاستمرارية التقنية أكثر مما كان تعبيرًا عن موقف قانوني أو سياسي، وهو منطق تعرفه منظمة الطيران المدني الدولي في مناطق عديدة من العالم، حيث تُفضَّل سلامة الملاحة الجوية على أي ارتباك قد ينجم عن تغييرات متسرعة، إلى أن تتوفر الظروف المناسبة لإعادة توزيع المسؤوليات وفق معايير الكفاءة والتنسيق والاتفاق بين الأطراف المعنية.
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم لم يعد يتعلق بالماضي، وإنما بالحاضر والمستقبل. فهل لا تزال الظروف التي بررت استمرار تلك الترتيبات قائمة؟ وهل لا يزال الواقع الجيوسياسي والاقتصادي والأمني في المنطقة هو نفسه الذي كان قائمًا قبل خمسين سنة؟ أم أن المغرب، بما راكمه من خبرة مؤسساتية واستثمارات ضخمة في بنياته التحتية الجوية والمطارية، أصبح يمتلك من الإمكانات البشرية والتقنية واللوجستيكية ما يجعله مؤهلًا، أكثر من أي وقت مضى، لاستكمال هذا الورش في إطار التعاون والتوافق واحترام القانون الدولي؟
إن الإجابة عن هذا السؤال لا ينبغي أن تُبنى على العاطفة الوطنية وحدها، مهما كانت مشروعيتها، بل على قراءة موضوعية للتحولات التي شهدتها المملكة، وعلى تقييم دقيق لمستوى التطور الذي بلغته منظومة الطيران المدني المغربية، وعلى استحضار المكانة التي أصبح يحتلها المغرب داخل المنظمات الدولية المتخصصة، وفي مقدمتها منظمة الطيران المدني الدولي، التي لا تنظر إلى الدول من زاوية الخطابات السياسية، وإنما من زاوية قدرتها على توفير أعلى معايير السلامة والكفاءة والجاهزية.
ومن هنا، فإن النقاش الحقيقي لم يعد يدور حول ما إذا كان المغرب يملك الحق في المطالبة بتطوير هذه الترتيبات، وإنما حول التوقيت الأنسب، والآليات الأكثر نجاعة، والصيغة التي تجعل من هذا التطور ثمرةً للشراكة المغربية الإسبانية، لا موضوعًا لخلاف جديد بين بلدين أثبتا خلال السنوات الأخيرة أنهما قادران على تجاوز أكثر الملفات تعقيدًا عندما تتوفر الإرادة السياسية، ويسود منطق الحوار، وتغلب المصالح المشتركة على حسابات الماضي.
صحراء 2026.. أحد أهم محاور المشروع التنموي المغربي وأهم الجسور لربط أوروبا بإفريقيا
إذا كانت الترتيبات التقنية الخاصة بالملاحة الجوية قد وُضعت في زمن كانت فيه الأقاليم الجنوبية تعيش واقعًا مختلفًا سياسيًا واقتصاديًا ولوجستيًا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يُطرح اليوم ليس: لماذا وُضعت تلك الترتيبات؟ وإنما: هل ما زالت الظروف التي أفرزتها قائمة؟ وهل يمكن لمنطقة شهدت، خلال نصف قرن، واحدة من أكبر عمليات التحول العمراني والاقتصادي والاستراتيجي في شمال إفريقيا أن تظل، في بعض جوانبها التقنية، محكومة بمنطق يعود إلى سبعينيات القرن الماضي؟ إن الإجابة الموضوعية عن هذا السؤال لا تحتاج إلى شعارات أو خطابات حماسية، بل يكفي أن ننظر إلى حجم التحولات التي عرفتها الصحراء المغربية، وإلى المكانة الجديدة التي أصبحت تحتلها داخل الرؤية الاستراتيجية للمملكة، حتى ندرك أن الحديث لم يعد يدور عن منطقة هامشية أو بعيدة عن مراكز القرار الاقتصادي، بل عن فضاء أصبح يشكل أحد أهم محاور المشروع التنموي المغربي، وأحد أهم الجسور التي يراهن عليها المغرب لربط أوروبا بإفريقيا، وربط البحر الأبيض المتوسط بالمحيط الأطلسي.
لقد تحولت مدينة العيون إلى قطب إداري واقتصادي متكامل، وارتقت الداخلة إلى مصاف المدن التي تستقطب الاستثمارات الوطنية والدولية في مجالات الصيد البحري، والطاقات المتجددة، والسياحة، والاقتصاد الأزرق، والخدمات اللوجستيكية، كما شهدت مختلف الأقاليم الجنوبية توسعًا كبيرًا في شبكات الطرق، والمناطق الصناعية، والمطارات، والمرافق العمومية، وهو تحول لم يكن مجرد تحسين للبنيات التحتية، بل كان ترجمة عملية لرؤية ملكية بعيدة المدى، تعتبر أن تنمية الصحراء ليست فقط واجبًا وطنيا، وإنما خيارًا استراتيجيًا يهدف إلى جعلها منصة اقتصادية وجيوسياسية تربط المغرب بعمقه الإفريقي، وتجعله فاعلًا رئيسيًا في إعادة تشكيل موازين التنمية داخل الواجهة الأطلسية للقارة.
ولعل خير دليل على هذا التحول هو المشروع الضخم لميناء الداخلة الأطلسي، الذي لا يُنظر إليه باعتباره مجرد ميناء جديد، بل باعتباره أحد أكبر المشاريع الاستراتيجية التي ينجزها المغرب في القرن الحادي والعشرين، بالنظر إلى ما ينتظر أن يوفره من قدرات لوجستيكية وتجارية وصناعية، وما سيفتحه من آفاق أمام المبادلات البحرية بين أوروبا وإفريقيا والأمريكيتين، فضلًا عن دوره في دعم المبادرة الملكية الرامية إلى تمكين دول الساحل الإفريقي من الولوج إلى المحيط الأطلسي، وهي المبادرة التي حظيت باهتمام واسع داخل القارة وخارجها، لأنها تقدم تصورًا جديدًا للتعاون الإقليمي يقوم على التنمية المشتركة بدل منطق العزلة والانغلاق.
وفي موازاة هذه المشاريع الاقتصادية، عرفت الأقاليم الجنوبية توسعًا ملحوظًا في البنية الجوية، سواء من خلال تحديث مطاري العيون والداخلة، أو من خلال الارتفاع المتواصل في عدد الرحلات الجوية، وتزايد حركة المسافرين، وازدياد الحاجة إلى خدمات ملاحية أكثر تطورًا، بما يواكب النمو الذي تعرفه المنطقة، ويضمن أعلى مستويات السلامة والكفاءة في تدبير الحركة الجوية، خصوصًا وأن النقل الجوي لم يعد مجرد وسيلة للتنقل، بل أصبح عنصرًا حاسمًا في جذب الاستثمارات، وتشجيع السياحة، وربط الأقاليم الجنوبية بمختلف المراكز الاقتصادية داخل المملكة وخارجها.
ولا يمكن الحديث عن التحول الذي عرفته الصحراء المغربية دون التوقف عند البعد الدبلوماسي، الذي تجسد في افتتاح عشرات القنصليات العامة لعدد من الدول الشقيقة والصديقة بمدينة العيون ومدينة الداخلة، بلغت في مجملها 29 قنصلية. وهو معطى يعكس، بغض النظر عن اختلاف المواقف الدولية، اعترافًا متزايدًا بالدور الذي أصبحت تضطلع به الأقاليم الجنوبية داخل السياسة الإفريقية للمغرب، كما يعكس اقتناع عدد متزايد من الدول بأن مستقبل هذه المنطقة لا يُبنى بالصراعات، وإنما بالمشاريع والاستثمارات والتعاون الإقليمي.
إن كل هذه المعطيات تجعل من الصعب، بل ومن غير المنطقي، أن يبقى النقاش حول إدارة بعض الجوانب التقنية للملاحة الجوية منفصلًا عن الواقع الجديد الذي تعيشه الصحراء المغربية. فالدول لا تطور منظوماتها الجوية استجابة لرغبات سياسية، وإنما استجابة لتحولات اقتصادية، ولتزايد حركة النقل، ولتوسع الاستثمارات، ولارتفاع المسؤوليات المرتبطة بأمن وسلامة الملاحة الجوية، وهي عناصر أصبحت كلها حاضرة بقوة في الأقاليم الجنوبية للمملكة.
ثم إن المغرب اليوم ليس هو المغرب الذي كان قبل خمسين سنة. فقد أصبح يمتلك خبرة معترفًا بها في إدارة مطاراته، وتطوير فضائه الجوي، وتأهيل أطره التقنية، والانخراط في برامج منظمة الطيران المدني الدولي، كما راكم تجربة معتبرة في تدبير واحد من أكثر المجالات الجوية نشاطًا على مستوى شمال غرب إفريقيا، وهو ما يجعل أي نقاش مستقبلي حول تحديث ترتيبات خدمات الملاحة الجوية قائمًا، قبل كل شيء، على معايير الكفاءة والجاهزية والقدرة المؤسساتية، وليس فقط على الاعتبارات التاريخية.
ولذلك، فإن أي قراءة موضوعية لهذا الملف لا يمكنها أن تتجاهل حقيقة أساسية، وهي أن التحولات التي عرفتها الصحراء المغربية خلال العقود الأخيرة لم تكن مجرد مشاريع تنموية متفرقة، وإنما كانت مشروعًا استراتيجيًا متكاملًا أعاد رسم مكانة هذه الأقاليم داخل الخريطة الاقتصادية والسياسية للمملكة، وجعلها أحد أهم المفاتيح التي يراهن عليها المغرب لتعزيز حضوره في الفضاء الأطلسي والإفريقي، وهو ما يجعل من الطبيعي أن يواكب هذا التحول نقاش هادئ ومسؤول حول تحديث مختلف الآليات التقنية المرتبطة بهذا الفضاء، في إطار القانون الدولي، وبروح التعاون التي أصبحت تطبع العلاقات المغربية الإسبانية، وبما يخدم، في نهاية المطاف، أمن الملاحة الجوية، واستقرار المنطقة، ومصالح جميع الشركاء.
من مدريد 2022 إلى مونديال 2030... الثقة بين المغرب وإسبانيا مشروعًا للمستقبل لا مجرد تسويةٍ للماضي
يصعب على أي متابع منصف أن ينكر أن العلاقات المغربية الإسبانية تعيش، منذ سنة 2022، واحدة من أكثر مراحلها استقرارًا ونضجًا منذ عقود. فبعد سنوات طويلة من التوترات المتقطعة، التي كانت تتداخل فيها الاعتبارات السياسية والأمنية والهجرية والاقتصادية، اختارت مدريد أن تعيد النظر في مقاربتها لعدد من الملفات الاستراتيجية، وفي مقدمتها قضية الصحراء المغربية، عندما أعلنت، بوضوح غير مسبوق، أن مبادرة الحكم الذاتي التي اقترحها المغرب تشكل الأساس الأكثر جدية وواقعية ومصداقية للتوصل إلى حل دائم لهذا النزاع الإقليمي، وهو موقف لم يكن حدثًا عابرًا في سجل العلاقات الثنائية، بل شكل تحولًا استراتيجيًا أعاد رسم معالم مرحلة جديدة، عنوانها الواقعية السياسية، والشراكة المسؤولة، والبحث عن المصالح المشتركة بدل الارتهان لحسابات الماضي.
لقد أدركت إسبانيا، بحكم موقعها الجغرافي وخبرتها التاريخية، أن استقرار المغرب ليس شأنًا مغربيًا فحسب، بل هو عنصر أساسي في استقرار شبه الجزيرة الإيبيرية والفضاء المتوسطي والأطلسي برمته، وأن المملكة المغربية لم تعد مجرد جار جنوبي، وإنما أصبحت قوة إقليمية صاعدة، وشريكًا موثوقًا في مواجهة التحديات المشتركة، من مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، إلى تدبير الهجرة، وأمن الطاقة، وسلاسل التوريد، والتعاون الاقتصادي، والانفتاح على الأسواق الإفريقية. ومن هنا، لم يكن التقارب بين الرباط ومدريد مجرد تقارب سياسي ظرفي، بل كان نتيجة قراءة إستراتيجية عميقة لمصالح البلدين في عالم تتسارع فيه التحولات، وتتغير فيه موازين القوة والتحالفات.
وقد أثبتت السنوات الأخيرة أن هذا الاختيار لم يكن خاطئًا، إذ شهدت العلاقات الثنائية انتعاشًا لافتًا في مختلف المجالات؛ فارتفع حجم المبادلات التجارية إلى مستويات قياسية، وتعزز التنسيق الأمني والاستخباراتي، وتكاثفت اللقاءات الحكومية والاقتصادية، وتطورت مشاريع التعاون في مجالات النقل والطاقة والربط البحري والاستثمار، وأصبحت الرباط ومدريد تتعاملان مع كثير من القضايا الإقليمية بروح الشريك الذي يبحث عن الحلول، لا بروح الخصم الذي يراكم الخلافات.
وفي هذا السياق، يكتسب تنظيم المغرب وإسبانيا، إلى جانب البرتغال، لنهائيات كأس العالم 2030 دلالة تتجاوز بكثير الجانب الرياضي، لأنه يجسد، في جوهره، إعلانًا للعالم بأن الضفتين الجنوبية والشمالية للمتوسط قادرتان على بناء نموذج جديد من التعاون، يقوم على الثقة والتكامل وتقاسم المسؤوليات. فهذا الحدث العالمي لن يكون مجرد منافسة كروية تستمر بضعة أسابيع، بل سيكون اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدول الثلاث على تنسيق شبكات النقل، والموانئ، والمطارات، والمجالات الجوية، والمنظومات الأمنية، والخدمات اللوجستيكية، بما يضمن انسيابية حركة ملايين المسافرين وآلاف الرحلات الجوية والبحرية والبرية.
ومن هذا المنظور، فإن الحديث عن تحديث بعض الترتيبات التقنية المرتبطة بالملاحة الجوية لا ينبغي أن يُفهم باعتباره مطلبًا سياسيًا معزولًا، أو محاولة لإحياء نقاشات الماضي، وإنما باعتباره جزءًا من التفكير في متطلبات المستقبل. فمونديال 2030 سيضع المجال الجوي للمغرب وإسبانيا أمام تحديات تشغيلية غير مسبوقة، وسيجعل من التنسيق الكامل بين مختلف مراكز المراقبة الجوية، وتبادل المعلومات، وتطوير آليات إدارة الحركة الجوية، ضرورة عملية تمليها اعتبارات السلامة والكفاءة، قبل أن تكون مطلبًا سياسيًا أو دبلوماسيًا.
ومن هنا، تبدو الفكرة التي تقوم عليها هذه المقالة بسيطة في ظاهرها، لكنها عميقة في دلالاتها؛ فإذا كانت مدريد قد امتلكت الشجاعة السياسية لإعادة صياغة موقفها من قضية الصحراء المغربية بما ينسجم مع منطق الواقعية، وإذا كانت الرباط بادلتها هذا الموقف بإرادة صادقة لبناء شراكة إستراتيجية متينة، وإذا كان البلدان قد اختارا معًا أن يقدما للعالم نموذجًا للتعاون من خلال تنظيم كأس العالم 2030، فإن من الطبيعي أن تُفتح، في مناخ من الثقة والاحترام المتبادل، مناقشة هادئة حول الكيفية التي يمكن بها أن تواكب بعض الترتيبات التقنية هذا التحول التاريخي، بما يخدم المصلحة المشتركة للطرفين، ويعزز سلامة الملاحة الجوية، ويجسد، عمليًا، المستوى المتقدم الذي بلغته العلاقات المغربية الإسبانية.
إن الدول الواثقة من نفسها لا تخشى مراجعة ما ورثته من ترتيبات قديمة عندما تتغير الظروف التي أفرزتها، كما أن الشراكات الإستراتيجية لا تُختبر فقط في مواجهة الأزمات، بل تُختبر أيضًا في قدرتها على تطوير أدواتها، وتحديث آلياتها، والتخلص، تدريجيًا وبالحوار، من كل ما أصبح ينتمي إلى سياق تاريخي تجاوزه الزمن. ومن هذه الزاوية، فإن أي نقاش مستقبلي حول إدارة خدمات الملاحة الجوية فوق الأقاليم الجنوبية للمملكة يجب أن يُنظر إليه باعتباره امتدادًا طبيعيًا لمسار الثقة الذي بدأ قبل سنوات، وليس خروجًا عنه، لأن الشراكة الحقيقية لا تكتفي بإدارة الحاضر، وإنما تملك الجرأة على صناعة المستقبل، بروح المسؤولية، ووفق قواعد القانون الدولي، وبما يحفظ مصالح جميع الأطراف.
ليست مطالبةً سياسية... بل دعوة إلى استكمال منطق الدولة والشراكة
قد يكون من أكثر الأخطاء التي يمكن أن يقع فيها أي نقاش حول هذا الملف، اختزاله في ثنائية "الرابح والخاسر"، أو تصويره على أنه مواجهة دبلوماسية جديدة بين الرباط ومدريد، لأن مثل هذه المقاربة لا تخدم حقيقة الموضوع، ولا تنسجم مع طبيعة العلاقات التي نجح البلدان في بنائها خلال السنوات الأخيرة، ولا مع فلسفة القانون الدولي للطيران المدني، الذي يقوم، أساسًا، على التعاون والتنسيق وتبادل المسؤوليات بما يضمن أمن وسلامة الملاحة الجوية الدولية.
فالمغرب، وهو يواصل ترسيخ حضوره الإقليمي والدولي، لم يعد في حاجة إلى الدخول في معارك رمزية أو إلى صناعة أزمات سياسية لإثبات ما يعتبره حقوقًا ثابتة، كما أن إسبانيا، التي اختارت منطق الواقعية والشراكة، ليست في موقع الخصم الذي ينبغي مواجهته، وإنما أصبحت شريكًا استراتيجيًا تربطه بالمملكة مصالح متداخلة ومسؤوليات مشتركة تتجاوز بكثير أي ملف تقني مهما بلغت أهميته.
ومن هذا المنطلق، فإن الحديث عن مستقبل إدارة خدمات الملاحة الجوية فوق الأقاليم الجنوبية للمملكة لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره مطالبة موجهة ضد إسبانيا، بل باعتباره دعوة هادئة إلى فتح حوار مؤسساتي مسؤول بين بلدين تجمعهما اليوم مستويات غير مسبوقة من الثقة والتعاون، بهدف دراسة الكيفية التي يمكن بها أن تواكب الترتيبات التقنية الحالية التحولات العميقة التي عرفتها المنطقة، في احترام تام للقانون الدولي، وللمساطر المعتمدة داخل منظمة الطيران المدني الدولي، وبما يضمن، قبل كل شيء، استمرارية الخدمة وسلامة الملاحة الجوية.
إن منطق الدولة يختلف عن منطق الانفعال؛ فهو لا يبحث عن الانتصارات الإعلامية، بل عن الحلول المستدامة. ولذلك فإن الدول الكبرى، عندما تجد نفسها أمام ترتيبات أصبحت تحتاج إلى تطوير، لا تلجأ إلى التصعيد، وإنما إلى التفاوض، وإلى اللجان التقنية، وإلى الدراسات المشتركة، وإلى بناء التوافقات التي تجعل أي انتقال يتم بصورة تدريجية ومنظمة، تحافظ على مصالح الجميع، وتجنب أي اضطراب قد يؤثر في حركة الطيران المدني الدوليز
وليس من المبالغة القول إن المغرب يمتلك اليوم كل المقومات التي تؤهله للمشاركة في مثل هذا النقاش بثقة وهدوء. فقد راكم خبرة واسعة في إدارة مجاله الجوي، وطور منظومته الوطنية للطيران المدني، واستثمر بشكل متواصل في تحديث مطاراته، وتأهيل موارده البشرية، وتطوير تجهيزاته التقنية، كما أصبح شريكًا فاعلًا داخل المنظومة الدولية للطيران المدني، وهو ما يمنحه مشروعية طرح هذا الموضوع من زاوية الكفاءة والجاهزية، لا من زاوية الشعارات أو الاعتبارات العاطفية.
وفي المقابل، فإن إسبانيا، التي راكمت بدورها تجربة طويلة في إدارة خدمات الملاحة الجوية، تستطيع أن تجعل من أي نقاش مستقبلي حول هذا الملف نموذجًا جديدًا للتعاون الأوروبي الإفريقي، بدل أن يبقى مجرد امتداد لترتيبات فرضتها ظروف تاريخية مختلفة. فالعلاقات التي تُبنى على الثقة لا تخشى مراجعة الماضي، بل تعتبر مراجعة الماضي جزءًا من بناء المستقبل.
إن الرسالة التي يمكن أن يبعث بها البلدان إلى المجتمع الدولي ستكون أقوى بكثير إذا جاء أي تطور في هذا الملف نتيجة حوار هادئ، وتفاهم تقني، ورؤية مشتركة، بدل أن يكون نتيجة ضغوط أو تجاذبات سياسية. فذلك وحده هو الذي ينسجم مع المكانة التي أصبح يحتلها المغرب وإسبانيا داخل فضائهما الإقليمي، ومع الصورة التي يسعيان إلى تقديمها للعالم باعتبارهما شريكين قادرين على تدبير الملفات الحساسة بالحكمة والعقل والمسؤولية.
ولذلك، فإن السؤال الحقيقي لم يعد: هل ينبغي أن يُناقش هذا الملف؟ لأن مناقشة الملفات التقنية أمر طبيعي بين الدول الصديقة. وإنما أصبح السؤال هو: كيف يمكن أن يُناقش؟ ومتى؟ وبأي رؤية؟ والجواب، في تقديري، واضح؛ ينبغي أن يُناقش بروح الشراكة لا بروح الخصومة، وبمنطق المستقبل لا بمنطق الماضي، وبالاحتكام إلى القانون الدولي والمؤسسات الدولية المختصة، لا إلى لغة المزايدات السياسية.
إن الدول التي تثق في قوة علاقاتها لا تعتبر الحوار تنازلًا، ولا ترى في تحديث الترتيبات التقنية تهديدًا، بل تعتبره دليلًا على نضج تلك العلاقات. ولذلك، فإن مجرد التفكير في هذا الملف داخل إطار التعاون المغربي الإسباني يُعد، في حد ذاته، تعبيرًا عن مستوى الثقة الذي وصلت إليه العلاقات الثنائية، وعن اقتناع متبادل بأن الشراكة الحقيقية لا تقتصر على توقيع الاتفاقيات الاقتصادية، ولا على تنسيق المواقف السياسية، وإنما تمتد أيضًا إلى مراجعة كل الآليات التي أصبح الزمن يدعو إلى تطويرها، حتى تنسجم مع واقع جديد يصنعه البلدان معًا، لا كل واحد منهما على حدة.
رئيسية 








الرئيسية



