*بقلم: فوزية أورخيص*
في كل مرة يثار فيها النقاش حول تقنين الطب التقليدي والتكميلي، ينقسم الرأي العام بين مؤيد يرى فيه بديلاً علاجياً ينسجم مع الموروث المغربي، ومعارض يربطه بالشعوذة والدجل. غير أن هذا السجال، في جوهره، يطرح السؤال الخطأ. فالقضية ليست في الدفاع عن الطب التكميلي أو محاربته، وإنما في الدفاع عن المواطن الذي يجد نفسه اليوم أمام قطاع يمارس جزء منه في غياب إطار قانوني واضح، فلا يعرف أين تنتهي الممارسة المهنية، وأين تبدأ المغامرة بصحته.
إن أخطر ما يفرزه الفراغ التشريعي ليس وجود المهنيين المؤهلين، بل اتساع المجال أمام من ينتحلون صفة المعالج، ويستغلون آلام المرضى وأوضاعهم الاجتماعية والنفسية لتحقيق أرباح طائلة دون حسيب أو رقيب. وفي ظل غياب معايير للتكوين والترخيص والمراقبة، يصبح المواطن الحلقة الأضعف، لأنه لا يملك الوسائل التي تمكنه من التمييز بين من راكم علماً وخبرة، ومن امتهن الوهم.
والمفارقة أن العالم يسير في اتجاه معاكس تماماً. فبعد سنوات من البحث والتقييم، لم تعد منظمة الصحة العالمية تنظر إلى الطب التقليدي باعتباره مجرد موروث ثقافي، بل دعت إلى إدماجه ضمن الأنظمة الصحية وفق ضوابط علمية وتشريعية تضمن الجودة وسلامة المرضى. فالتقنين، في التجارب الدولية، لم يكن اعترافاً غير مشروط بالممارسة، بل كان وسيلة لحماية المستهلك، وإخضاع المهنة للمساءلة، وإقصاء الدخلاء.
أما في المغرب، فما يزال النقاش يدور حول سؤال الاعتراف، بينما السؤال الحقيقي هو: من يحمي المواطن؟ فكل يوم يتأخر فيه تنظيم هذا القطاع، تتسع مساحة الفوضى، ويزداد الخلط بين الممارس المؤهل والمشعوذ، ويظل المريض بلا ضمانات، وبلا حق في تعويض مصاريف العلاج، حتى وإن تلقى خدمات من ممارس كفء، لأن القانون لا يعترف بالمهنة أصلاً.
ولا ينبغي أن ينحصر النقاش في الجانب الصحي وحده. فتنظيم القطاع يحمل بعداً اقتصادياً لا يقل أهمية. فإدماج آلاف الممارسين داخل الاقتصاد المنظم يعني توسيع الوعاء الضريبي، وتشجيع الاستثمار، وخلق فرص شغل، وتثمين الثروة الوطنية من النباتات الطبية والعطرية، وتحويل نشاط يشتغل جزء كبير منه في الظل إلى قطاع منتج للقيمة المضافة، يخضع للقانون ويساهم في التنمية.
لكن هذا لن يتحقق إلا إذا كان المستهلك هو نقطة البداية والنهاية. فلا قيمة لأي قانون إذا اقتصر على حماية المهنة، وأغفل حماية المواطن. المطلوب ليس تقنيناً شكلياً يمنح التراخيص، بل منظومة متكاملة تضع شروطاً صارمة للتكوين، والاعتماد، والمراقبة، والمساءلة، وتعاقب كل من يتاجر بصحة الناس، مهما كانت صفته.
إن الدول المتقدمة لم تنجح لأنها شرّعت لكل شيء، بل لأنها شرّعت لحماية الإنسان. والمغرب، وهو يواصل إصلاح منظومته الصحية، مدعو إلى أن يجعل من هذا الملف فرصة لإقرار مبدأ بسيط لكنه جوهري: لا مكان في العلاج إلا للكفاءة، ولا حماية للمواطن إلا بالقانون.
ففي النهاية، ليست القضية أن يبحث الطب التقليدي عن الاعتراف، بل أن يجد المواطن المغربي حقه في علاج آمن، وممارس مؤهل، ودولة تحميه من الفوضى قبل أن تحمي أي مهنة. وهذا، في تقديري، هو جوهر النقاش الذي يجب أن ينتصر له الجميع.
رئيسية 








الرئيسية



