Quantcast
القائمة
alalam
facebook
newsletter
youtube
flux RSS
AL Alam







حديث الاسبوع.. فيروس غير مرئي يهدد بضياع جيل كامل







 
العلم الإلكترونية - بقلم عبد اللّه البقّالي 

لم تقتصر تداعيات جائحة كورونا، التي قلبت الموازين والمفاهيم على حد سواء في العالم، على التكاليف المالية والاقتصادية فقط، ولا حتى على إحداث هزة عنيفة في المفاهيم المتعلقة بالمبادئ التي استند إليها النظام العالمي الذي ساد طوال حقب طويلة من الزمان، بل إن إصرار هذا الفيروس الصغير غير المرئي بالعين المجردة على الوجود في تفاصيل الحياة اليومية البشرية بأسرها، يواصل الكشف عن أشكال حديثة من التداعيات، وعن أجيال جديدة من الاشكاليات المستعصية، التي سيكون لها ما بعدها في المستقبل البشري القريب والمتوسط .
 
في هذا الصدد أمامنا وثيقتان في غاية الأهمية، تكشفان عن قضية من القضايا المستجدة التي تبرز حجم وخطورة ظاهرة لا يمكن لأي جهة، ولا لأي شخص، أن ينكر خطورتها، ولا أن يدعي توفره على إجابة صريحة ومقنعة لها .
 
الوثيقة الأولى تتمثل فيما يشبه عملية رصد قامت بها خمس من أكبر وسائل الإعلام الغربية وهي ( Le monde - The guardian - La vanguardia - sûddeutsche zeitung - La stampa ) عممتها في شكل دراسة رصدت ما نشره الآلاف من الشباب الأوروبي، الذين تتراوح أعمارهم ما بين 18 و 25 سنة على شبكات التواصل الاجتماعي . وحاولت الدراسة تفسير وصول هؤلاء الشباب إلى سن الرشد في ظل جائحة كورونا، وتحليل التداعيات السياسية والمجتمعية على هذه الفئة، التي تعتبر القوة الرئيسية للقارة الأوروبية خلال السنوات القادمة. وتكشف الخلاصات المتحصل عليها أن هؤلاء الشباب بلغوا سن الرشد في ظل ظروف غير عادية، وليست مسبوقة، وأنهم سيحتفظون بآثار هذه الجائحة لأمد طويل. وأن التداعيات على هذه الفئة ستكون أقوى مقارنة مع الفئات المجتمعية الأخرى، بالنظر إلى أن هذه الفئة تتميز بحساسية مفرطة تجاه ما يجري ويقع ويحدث في محيطها، وأن هذه التأثيرات تزامنت مع أهم مرحلة في حياة هؤلاء، باعتبارها مرحلة انتقالية دقيقة، وتؤكد هذه الخلاصات أن تأثيرات انتشار الوباء حدت من قدرات هؤلاء الشباب، فيما يتعلق باختياراتهم الدراسية، وأجبرت كثيرا منهم على إلغاء مشاريعهم، وأن التعليم عن بعد لم يكن فاعلا بالنسبة إليهم، كما حرمتهم من حرية التجول التنقل، ناهيك عن مواجهتهم لصعوبة كبيرة فيما يتعلق بالعثور على شغل مناسب. وتسجل الخلاصات أن هذه الفئة واجهت ما سمته ( أزمة قلق ).
 
الوثيقة الثانية تتعلق بتقرير حديث لمنظمة (اليونسيف) الأممية يحذر مما سماه (إمكانية ظهور جيل ضائع) بسبب تداعيات كوفيد 19 . ويكشف التقرير بأن استمرار جائحة كورونا في الإضرار بتعليم الأطفال وبتغذيتهم وصحتهم، يهدد بإمكانية بروز جيل جديد مختلف عن الأجيال السابقة والحالية من البشرية. وتستدل المنظمة الأممية المختصة برعاية الطفولة في العالم بانزلاق 150 مليون طفل إلى الفقر متعدد الأبعاد . و توقف التقرير عند انخفاض في تغطية الخدمات الصحية في 140 دولة شملها مسح المنظمة، و ترجع سبب ذلك إلى التدابير المتخذة لكبح انتشار الوباء و الذي تم على حساب جودة وتعميم الخدمات الصحية. وفي هذا الصدد صرحت المديرة التنفيذية لهذه المنظمة السيدة "هنريتافور" في بيان صحافي بالقول "إن الاضطرابات في الخدمات الصحية والاجتماعية الرئيسية ، و ارتفاع معدلات الفقر تشكل أكبر تهديد للصغار ، و أنه كلما طالت مدة الأزمة، كان تأثيرها أعمق على تعليم الأطفال وصحتهم وتغذيتهم ورفاهيتهم " موضحة في هذا الصدد بأن " مستقبل جيل كامل في خطر " .
 
نعم، تداعيات الوباء لم تميز بين الشاب و الكهل، ولا بين رجل وامرأة، ولا أخذت في الاعتبار ديانة الفرد أو عرقه أو انتماءه الجغرافي ، بل حازت ما يلزمها من منسوب الثقة في الانتشار، ويمكن القول إن قوة وشراسة الانتشار والإصابة سجلت في الدول العظمى قبل الضعيفة والمتوسطة منها، لكن الواضح والأكيد هو أن تكاليف هذا الانتشار، وهذه التداعيات ، ستتباين من قطر إلى آخر، ومن منطقة إلى أخرى ارتباطا بالإمكانيات المالية اللوجيستيكية والعلمية المتوفرة، وبمستوى الوعي والتفاعل مع السياسات المعتمدة، والامتثال للتدابير والاجراءات التي سعت إلى محاصرة الوباء والقضاء عليه . لكن كل هذه الجهود المسخرة لم تكن قادرة على إلغاء تداعيات أخرى، يمكن أن نقول إنها غير مباشرة، همت عمق المجتمعات وهوياتها وقيمها، ووصلت حد بناء و تكوين الفرد المواطن .
 
وهكذا يمكن القول إن وتيرة تداعيات الجائحة تزداد سرعة في الانتشار والتغلغل في عمق المجتمعات. وحينما يجري الحديث عن التداعيات النفسية والاجتماعية على الفئات العمرية من أطفال و شباب، فإن المقصود بذلك يتمثل في المستقبل الذي ينتظر البشرية جمعاء، لأن هذه التداعيات لن تكون نتائجها آنية وعاجلة ، إنها تدفن في عمق الحياة البشرية ، و لن تتجلى تأثيراتها الكاملة إلا في المستقبل المتوسط و البعيد ، إن الأمر يشبه إلى حد بعيد قنبلة موقوتة لا يدري أحد موعد انفجارها . ذلكم أن الأزمة الصحية الطارئة بالعالم لم تبق في حدود أزمة صحية محدودة يمكن التصدي لها بأشكال التطبيب والاستشفاء التقليدية، بل كانت، ولاتزال، أزمة اجتماعية واقتصادية مركبة ومستعصية على التفكيك، وحينما يقع التذكير بأن تداعياتها على الناشئة من الأطفال والشباب ستكون أقوى و أعنف ، لأن الأمر يتعلق بفئة عمرية بصدد بناء الشخصية والتحول في السلوك الفردي والجماعي، فئة في مرحلة تحقيق الاستقلال الذاتي عن المؤسسات الاجتماعية من أسرة ومدرسة و غيرهما، و من المفروض أن تتاح لأفراد هذه الفئة ظروف ميسرة و إيجابية تمكنهم من حسن الاختيار، ومن اتخاذ القرارات المناسبة والملائمة بعيدا عن جميع مظاهر الضغط و الإكراه ، وهذا ما لم يتحقق للأطفال والشباب، الذين تزامنت مرحلة بلوغ سن المراهقة بالنسبة للفئة الأولى، والنضج والرشد بالنسبة للفئة الثانية، مع انتشار أزمة صحية واجتماعية ونفسية في العالم، بشكلٍ يكاد يكون غير مسبوق، مما يفتح المجال لأسئلة الغموض والقلق على مصير ومستقبل الشعوب والأمم بجيل حرمته الجائحة من الاستفادة من حقوقه الطبيعية في الصحة و التعليم والتنقل والتفكير باستقلالية، وحرمته أيضا من امتلاك القدرات المناسبة والكفيلة بالحسم في العديد من الاختيارات التي ترتبط بمصيره و مستقبله. لذلك يحق القول إن كورونا خلفت لنا جيلا جديدا من أجيال البشرية يختلف عن الأجيال السابقة من حيث ظروف العيش، وقد يكون الأمر يتعلق فعلا بجيل الضياع ؟.
 
Hicham Draidi