Quantcast
2026 أكتوبر 10 - تم تعديله في [التاريخ]

حين تتذكر الإدارة مواطن(ت)ها..

رسالة قصيرة تخبر مواطناً بجاهزية جواز سفره تفتح سؤالاً أكبر: كيف تصنع التفاصيل الإدارية البسيطة الثقة في المؤسسات؟ عبد العزيز كوكاس يتأمل معنى أن تبادر الإدارة بالجواب قبل أن يطرق المواطن باب السؤال.


الكاتب عبد العزيز كوكاس
الكاتب عبد العزيز كوكاس
*بقلم: عبد العزيز كوكاس*

«لقد تم إنجاز جواز سفركم، المرجو الإسراع بسحبه».

وصلتني هذه الرسالة البالغة الاقتصاد من مصلحة جوازات السفر بوزارة الداخلية. كلمات قليلة تؤدي، ظاهرياً، وظيفة إدارية محددة، لكنها تحمل، في معناها الأعمق، شيئاً يتجاوز الإخبار بجاهزية وثيقة. أصدقكم القول إنه انتابني إحساس بأنني، كمواطن، حاضر في انتباه الإدارة، وأن ملفي لم يختفِ خلف باب مغلق أو فوق رف منسي.


تكمن قيمة رسالة قصيرة، قد يتولى إرسالها الذكاء الاصطناعي أو أي تطبيق رقمي مبرمج على الردود التلقائية، في كونها تقلب اتجاه العلاقة التي ألفناها؛ فالإدارة هي التي تبادر هذه المرة. لا ينتظر المواطن طويلاً، ولا يطرق الأبواب ليستفسر، ولا يبحث عمن يخبره بمصير طلبه. ثمة جهة تتذكره، وتتابع معاملته، ثم تقول له ببساطة، وبلغة محترمة: لقد أنجزنا ما جئتم من أجله. وتحوّل إجراءً تقنياً إلى علامة اعتراف: أنت لست رقماً عابراً في سجل، أنت مواطن صاحب حق، ومن حقك أن تعرف، وأن يصلك الجواب دون استجداء، ونحن هنا في خدمتك.

كثيراً ما نتحدث عن الدولة بلغة المشاريع الكبرى والأوراش والميزانيات، وننسى أنها تتجسد أيضاً في تفاصيل يومية شديدة البساطة: استقبال محترم، وجواب واضح، وموعد مضبوط، ورسالة تصل في وقتها. في هذه التفاصيل يتكون الشعور بالقرب أو بالغربة، وتُبنى الثقة أو تتآكل. فالمواطن يختبر معنى المؤسسات في الطريقة التي تعامله بها.

أتذكر أول مرة قدمت فيها طلباً للحصول على جواز سفر. طلبت من الموظفة التي سلمتها الوثائق بالعمالة أن تمنحني وثيقة تدل على توصل الإدارة بملفي، فقالت لي: «إييه باغي تحصّلني وتدير علي الحجج»!

لذلك، حين أخبرتني الإدارة بأن جواز سفري جاهز، شعرت بأن مسافة بيننا قد تقلصت. ليس لأنها تفضلت عليّ بخدمة، بل لأنها أدّت واجبها وأشعرتني بذلك. وهذا فارق جوهري؛ فالمواطنة لا تنمو في تربة المنح والامتنان الإجباري، وإنما في وضوح الحقوق، واحترام الوقت، والاعتراف المتبادل بين الفرد والمؤسسة التي وُجدت لخدمته.

بالطبع، لا تكفي رسالة واحدة للحكم على أداء إدارة بأكملها، لكنها تقدم مثالاً ملموساً لما يمكن أن تصنعه المبادرة بالتواصل. وما أجمل أن يمتد هذا المنطق إلى سائر المصالح: أن يعرف الناس أين وصلت طلباتهم، ولماذا تأخرت، ومتى ينتظرون جواباً. فالصمت الإداري يترك المواطن وحيداً أمام الاحتمالات، بينما يعيد التواصل إليه الثقة والاطمئنان.

لهذا استوقفتني الرسالة. إنها تخبرني بأن وثيقة السفر تنتظرني، وتوحي إليّ، في الوقت نفسه، بأن لي مكاناً داخل الدولة. أحياناً تحتاج الثقة إلى كلمات قليلة، شريطة أن يسندها فعل، وأن تصل إلى المواطن قبل أن يضطر إلى السؤال مرة أخرى. فشكراً لإدارة جوازات السفر، ولكل إدارة تسير على النهج ذاته؛ فالمواطنة تبدأ من هنا، والثقة في المؤسسات تبدأ من تفاصيل صغيرة.

              















MyMeteo




Facebook
YouTube
Newsletter
Rss

الاشتراك بالرسالة الاخبارية
أدخل بريدك الإلكتروني للتوصل بآخر الأخبار