Quantcast
2026 مايو 6 - تم تعديله في [التاريخ]

كيف تخلد "دار عامل" ذاكرة المعمار المغربي؟

الزليج هو فن الانتظار الجميل حيث لا يمكن استعجال الطبيعة لتمنحنا صلابتها


كيف تخلد "دار عامل" ذاكرة المعمار المغربي؟
العلم - شيماء اغنيوة
الصنعة تبدأ من الأرض... هكذا يختصر المعلم رشيد أسرار حرفته الذي يرفض أن تنطفئ شعلتها

لطالما كان الزليج الفاسي لغة صامتة تحكي عظمة العمارة المغربية، لكن خلف كل قطعة فسيفساء متراصة، تختبئ رحلة مضنية تبدأ من قلب الأرض. في مدينة فاس، لا يعد الزليج مجرد زينة، بل صراع فني يقوده "المعلم" ليطوع الطين ويحوله إلى قصائد هندسية. ومن خلال زيارتنا لورشة من ورشات الزليج، وبشهادة المعلم رشيد، نغوص في أدق تفاصيل هذه الحرفة من قلب دار "عامل" لنكتشف أن السر ليس في النتيجة النهائية فحسب، بل في تلك المراحل الأولى التي يمتزج فيها عرق الصانع بماء "الزوبا" وحرارة "الفرينة".

كما لا تتوقف حكاية الزليج عند حدود اللون، بل تمتد إلى هندسة دقيقة تعرف بالشكل، وهي القطع الصغيرة التي تحمل أسماء توارثها الحرفيون أبا عن جد. فبمجرد أن يمسك الصانع بـ "المنقاش"، يبدأ في تحويل المربعات الصماء إلى عالم من الأشكال، هنا يولد "المثمن" و"المطوة" و"القفا" و"دريهم" و"المحدود" و"باولا"  وهناك تتجلى "النجمة" و"الخاتم"  و"اللوزة" في تناسق هندسي مذهل.

​هذه الأسماء ليست مجرد توصيف للأشكال، بل هي شفرة هندسية معقدة. فكل قطعة، مهما صغر حجمها، لها مكان محدد في لوحة الفسيفساء لا يقبل الخطأ بمليمتر واحد. إنها اللحظة التي يتحول فيها الحرفي من صانع يعجن الطين إلى مهندس رياضي يرسم بالسكين والمطرقة، ليصنع في النهاية تلك اللوحة التي تجتمع فيها كل هذه الأسماء لتشكل وحدة بصرية متكاملة، تحكي قصة الدقة والجمال في المعمار المغربي.

كيف تخلد "دار عامل" ذاكرة المعمار المغربي؟
دار عامل.. المختبر الذي تمنح فيه الأرض روحها

لا يمكن فهم قيمة الزليج المغربي دون الوقوف على عتبة "دار عامل". هذا المكان ليس مجرد مشغل تقليدي، بل هو مختبر قائم بذاته، يمتد على مساحة شاسعة تناهز 600 متر مربع. هنا، لا نسمع سوى أصوات ارتطام الطين وخرير الماء، حيث يتخصص هذا الفضاء في صناعة اللبنات الأولى للزليج قبل أن تنتقل إلى مراحل التزيين والتقطيع.

يخبرنا المعلم رشيد أن اختيار المكان ليس عشوائيا، فـ "دار عامل" يجب أن تكون قريبة من مصادر الطين الرمادي الفاسي الأصيل، ومصممة هندسيا لتسمح بدوران الهواء وتدفق الماء بكثافة، لأن الطين في بداياته يحتاج إلى نفس خاص قبل أن يواجه النار. يمتد هذا المختبر على مساحات تتيح للحرفيين حرية الحركة والتعامل مع كتل الطين الضخمة، حيث يختص هؤلاء الصناع بالفخار فقط، ويصوغون المادة بأيديهم في مشهد يعيدنا قرونا إلى الوراء.

تبدأ الحكاية بجلب الطين في حالته الخام، ككتل صخرية قاسية تحمل أسرار باطن الأرض. يوضح المعلم رشيد أن أول خطوة هي تكسير هذا الطين يدويا باستعمال مطارق حديدية، حتى يصبح قطعا صغيرة يسهل التعامل معها. بعدها، يتم نقله إلى "الزوبا"، و هي عبارة عن حوض مائي فسيح يغمر فيه الطين تماما. الهدف من هذه العملية هو تليين الألياف المعدنية للطين وتخليصه من الأملاح والشوائب. عندما يسود ما يعرف بـ "الركاد"، أي حين يترسب الطين ويسكن تماما في قاع الحوض، تبدأ العملية الأكثر مشقة وتأثيرا، حيث يدخل الحرفي وسط الحوض ليعجن الطين بقدميه.

هنا، يمتزج الإنسان بالتراب، يدوس الحرفي بقوة مستمرة، وبإيقاع مدروس، ليدوس على الطين حتى يصبح سائلا قليلا ومتجانسا. هذه العملية ليست مجرد جهد بدني، بل هي اختبار لصبر الصانع وقوته، فالعجن بالأقدام يضمن وصول الضغط إلى أدق جزيئات الطين، مما يمنعه من التشقق لاحقا عند تعرضه لحرارة الفرن. إنها اللحظة التي يتحول فيها الجماد إلى مادة حية طيعة بين أيدي وأقدام الصناع.

من التخمير إلى التشكيل بـ"القالة"

بعد الانتهاء من عملية العجن الشاقة في "الزوبا"، يخرج الحرفيون الطين ويتركونه فترة كافية حتى "يتخمر" ويزداد تماسكا. التخمير هو السر الذي يمنح الزليج الفاسي ديمومته التي تفوق مئات السنين. بعد أن يكتسب الطين طواعيته المثالية، تأخذ  هذه المرحلة طابعا هندسيا باستخدام "القالة".، وهي النموذج أو القالب الذي يستخدم لصنع الطوب التقليدي. يأخذ الحرفي كمية من الطين المتخمر ويضعها بدقة داخل القالة، ويقوم بضغطها يدويا لتأخذ الشكل المطلوب. يستعين الصانع بـ "محكة" لقلب الطين الذي جف قليلا، لضمان تبخر الرطوبة بشكل متوازن من جميع الجهات. بعد ذلك، يخرج القطع من القالب، لتصبح جاهزة لتجف في السطح تحت أشعة الشمس المباشرة، وهي مرحلة "التنشيف الطبيعي" التي لا يمكن تعويضها بأي آلات حديثة.

كيف تخلد "دار عامل" ذاكرة المعمار المغربي؟
"الفرينة".. حين تمنح النار الصلابة للجمال

عندما تجف القطع تماما، وتفقد رطوبتها، يتم نقلها إلى "الفرينة". والفرينة هي المكان المخصص لطهي الطين، وهو فرن تقليدي ضخم صمم بعناية ليتحمل درجات حرارة هائلة. داخل هذا الفرن، يتم ترتيب آلاف القطع يدويا في نظام دقيق يسمح بمرور الحرارة بين كل قطعة وأخرى.

وبعد مرور عدة ساعات تحت رحمة النيران، تخرج القطع من الفرن. في هذه اللحظة، يكون الطين قد تحول من مادة هشة إلى قطع صلبة جدا، جاهزة لتبدأ مرحلة التحول الجمالي الكبرى. خروج القطع من "الفرينة" هو بمثابة شهادة ميلاد لصلابة الزليج التي ستواجه عوامل الزمن لقرون قادمة.

كيمياء الألوان.. "السبيكا" و"الخفيف"

تبدأ الآن مرحلة الطلاء، وهي المرحلة التي تمنح الزليج بريقه الأخاذ. يخبرنا المعلم رشيد أن الصانع يضيف أصباغا متنوعة ومواد كيميائية تقليدية يطلق عليها الحرفيون أسماء "السبيكا" و "الخفيف" وغيرهما.

هذه المواد هي السر وراء الناتج النهائي الذي يتميز بوجه لامع بلون مخصوص وفريد. تطلى القطع بهذا الخليط، ثم تعاد مرة أخرى للفرن في طهية ثانية، ليتحدد اللون النهائي بوضوح سواء كان الأزرق الكوبالتي، أو الأخضر النحاسي، أو الأصفر الدافئ. هذا الطلاء الزجاجي ليس للزينة فقط، بل هو طبقة حماية تجعل الزليج مقاوما للماء والخدش والزمن.

فن التشكيل والفسيفساء بمجرد خروج القطع الملونة واللامعة، تبدأ مهمة التقطيع. هنا يتحول الصانع إلى مهندس رياضي، حيث يتم رسم الأشكال الهندسية المعقدة على ظهر القطعة الملونة. ثم يبدأ الحرفي باستخدام "المنقاش" بتقطيع المربع الكبير إلى قطع صغيرة جدا تسمى "الأشكال".

هذه القطع الصغيرة (نجوم، لوزات، دريهم) هي التي يجمعها "المعلم" قطعة بقطعة، المثير للدهشة هو أن الصانع يجمعها بالمقلوب، أي أن وجهها الملون يكون نحو الأرض، ويعتمد كليا على ذاكرته البصرية وخبرته في تنسيق الألوان والأشكال، ليخرج في النهاية بلوحة فسيفساء متكاملة تزين أعرق المباني في المغرب والعالم.

إن ما شاهدناه في ورشة المعلم رشيد وبحثنا فيه داخل "دار عامل" ليس مجرد صناعة لقطع بناء، بل هو استمرار لتراث إنساني حي. إن كل قطعة زليج نلمسها هي خلاصة تعب سنوات، وعرق جبين الحرفيين في "الزوبا"، وصبرهم أمام لهيب "الفرينة". إنها حرفة تؤكد أن الجمال الحقيقي يحتاج دائما إلى "أصل" متين، وأن "دار عامل" ستظل دائما هي القلب النابض الذي يضخ الحياة في شرايين المعمار المغربي الأصيل، مخلدة اسما ورسالة صانع مثل المعلم رشيد الذي يرفض أن تنطفئ شعلة هذا الفن.

كيف تخلد "دار عامل" ذاكرة المعمار المغربي؟

              

















MyMeteo




Facebook
YouTube
Newsletter
Rss

الاشتراك بالرسالة الاخبارية
أدخل بريدك الإلكتروني للتوصل بآخر الأخبار