Quantcast
2022 غشت 14 - تم تعديله في [التاريخ]

مواقفنا ثابتة ولا عزاء لسماسرة القضية وأبواق السوء.. بقلم / / يونس التايب

منذ استئناف العلاقات الديبلوماسية بين المملكة المغربية وإسرائيل، في السياق التاريخي الذي أتى فيه، اكتفيت شخصيا بالتفاعل الإيجابي مع الشق المرتبط بالمكتسب الكبير لاعتراف الولايات المتحدة الأمريكية بسيادة المغرب على صحرائه، واعتبرت أن للدولة المغربية من القدرة و الكفاءة، ولها من المعلومات الاستراتيجية ومن المعرفة بحجم المخاطر والتهديدات التي تحيط بأمننا القومي، ومن الحرص الصادق على المصلحة العليا للوطن بقيادة ملك البلاد، ما يكفي لتقدر مستلزمات حماية الأمن القومي الاستراتيجي، من منطلق منطق الدولة Raison d'Etat، وتحدد جدوى استئناف العلاقات الديبلوماسية مع إسرائيل من عدمه، وطبيعة الخطوات العملية والإجراءات التي تراها مناسبة تبعا لذلك.


 
ولأن جل الأحزاب السياسية المغربية، كانت على وعي بحجم التآمر والتهديدات المتعاظمة ضد وحدتنا الترابية في السياق الذي تم فيه الاعتراف الأمريكي بالسيادة المغربية على الصحراء، فقد فضلت جميعها تقريبا، بما في ذلك حزب العدالة والتنمية الإسلامي الذي كان يرأس الحكومة، الثقة في منطق الدولة و تفهم الإكراهات الجيوستراتيجية التي يتوجب تدبيرها بعيدا عن الديماغوجية والخطابات الشعبوية، خاصة مع الاطمئنان الذي خلفه تأكيد جلالة الملك على ثبات الموقف المغربي من القضية الفلسطينية وضرورة حل الدولتين. 

ومنذ ذلك الحين، استمر النقاش مفتوحا بشأن ما يسميه المشارقة "التطبيع مع إسرائيل"، وانقسم الرأي العام المغربي بين من يشكك ويتوجس أو يرفض فكرة العلاقة الديبلوماسية مع إسرائيل، وبين من يؤيدها و يهتم بإبراز الفوائد الممكنة منها لمصلحة بلادنا، اقتصاديا وديبلوماسيا وأمنيا وعسكريا وعلميا. وقد كان المأمول أن يتم تناول الموضوع بالتحليل الاستراتيجي لمواكبة الديبلوماسية الرسمية للدولة، وبلورة فهم دقيق و شامل حول مضامين تلك العلاقات الديبلوماسية، ومزاياها المنتظرة و ما قد يكون فيها من جوانب سلبية محتملة يتعين الانتباه إليها.

ومع انطلاق عملية عسكرية إسرائيلية جديدة استهدفت، هذه المرة، حركة الجهاد الإسلامي في قطاع غزة، عاد التعاطي مع موضوع تطبيع المغرب لعلاقاته الديبلوماسية مع إسرائيل إلى الواجهة بشكل قوي، سواء داخل المغرب أو خارجه. 

على المستوى الداخلي، برزت مواقف سلبية لعدد من الأطراف السياسية، خاصة حزب العدالة والتنمية الذي يبق لأمينه العام، ورئيس الحكومة آنذاك، أن وقع على اتفاقيات إعادة العلاقات الديبلوماسية مع إسرائيل. و يبدو أن لهجة بيان وزارة الخارجية المغربية التي وجدها بعض الفاعلين "باردة" و"تراجعية"، خلت من عبارات التنديد المعتادة الصدور عن المغرب في مثل تلك المواقف، كانت هي النقطة التي أفاضت الكأس و فجرت انتقادات أطراف سياسية. 

لكن، المثير للانتباه هو ما حصل على المستوى الخارجي، حيث انطلقت حملات منظمة ومتعددة المصادر، للتهجم بقوة على المغرب وعلى مؤسسات دولتنا، وديبلوماسيتنا الوطنية، بمشاركة فاعلين سياسيين ومدنيين وإعلاميين، مشارقة ومغاربيون، دأبوا على التحرك بحسب ما تمليه عليهم أجهزة معروفة بعدائها للمغرب. كما انخرطت في حملة مسعورة، وسائل إعلام رسمية و خاصة، تبث موادها المسمومة من الدولة الجار التي تقود حرب تحريض عدواني ضدنا منذ الاعتراف الأمريكي بالسيادة المغربية على الصحراء. 

للأسف الشديد، لم يبد لي أن الجميع تنبه لخطورة ما حملته تلك الحملات التحريضية من مغالطات غير مقبولة، يتعين التصدي لها بقوة و روح وطنية، و إعادة تنبيه العابثين إلى أن المملكة المغربية دولة ذات سيادة، و أن للمغاربة وحدهم حق تقرير طريقة تدبير شؤونهم، و تحديد طبيعة الخطوات الديبلوماسية التي يرون فيها حماية لمصالح بلادهم، و تقدير مداها و توقيتها. 

في هذا الصدد، إذا كان من حقنا كمغاربة أن نناقش العلاقات الديبلوماسية بين بلادنا و دولة إسرائيل، كما نناقش علاقاتنا الديبلوماسية مع كل دول العالم الأخرى، حيث نختلف أو نتفق بشأن نقط و مواقف معينة، تبعا لما يتوفر من معطيات و خلاصات و تفاصيل عن كل ملف، إلا أن اختلافاتنا لا يمكنها، بأي حال من الأحوال، أن تتيح لأي مغربي كيفما كان موقعه السياسي و التنظيمي و الفكري، الوقوف على نفس الأرضية التي يقف عليها أعداء المغرب، و منح المتربصين تصريحات و بيانات و تدوينات يتم استغلالها لتعزيز الحملات الممنهجة لتشويه صورة المغرب بشكل سافر، و نعت دولتنا بأوصاف قدحية لا نرضاها، و اتهام مسؤولينا بأمور لا أساس لها من الصحة، فقط لأننا دولة مارست سيادتها بشكل لم يعجب أصحاب المصالح في شمال إفريقيا و في الشرق الأوسط، حيث لكل دولة استراتيجياتها الخاصة التي تتفاعل بها مع القضية الفلسطينية، لنيل مكاسب سياسية و اقتصادية و ديبلوماسية. 

و لأن موقف المغرب ثابت بشأن القضية الفلسطينية، بشكل ليس فيه أي تخاذل أو خلط بين الملفات، يتعين علينا أن نرفع أصواتنا عاليا في وجه كل من يتطاولون على بلادنا من المسترزقين بالقضية الفلسطينية، الذين وصل بهم الخبث إلى حد نشر الأكاذيب والكلام المشبع بالإهانات لدولتنا ولرموزنا، من خلال اتهام المغرب بأنه دولة صهيونية زكت و شاركت في الهجوم الإسرائيلي على غزة. 

كما لا يمكن الصمت أمام وقاحة اتهام بعض التافهين لوزير خارجية المملكة بأنه "متصهين يسعى لإرضاء الصهاينة حفاظا على منصبه". إذ من العار التهجم بهذا الشكل البائس والرديء على مسؤول كان الجميع، قبل أيام فقط، يصفق له و ينوه بذكاء مناوراته الديبلوماسية، و هو يدافع عن القضية الوطنية في عدد من المحافل و يفحم عملاء الطرح الجزائر.

وكي تكون الأمور واضحة، لا شيء يمنع أن تبرز في الساحة الوطنية مواقف متحفظة أو رافضة من ربط علاقات ديبلوماسية مع إسرائيل، أو على النقيض من ذلك، مواقف تتطلع إلى تطبيع حقيقي للعلاقات الديبلوماسية بشكل يتيح للمغرب الضغط لتوفير شروط سلام يضمن حقوق الشعب الفلسطيني، و يمنع العمليات العسكرية ضد المدنيين العزل، و يحمي المسجد الأقصى و القدس الشريف، إلا إنه من غير المقبول أن يتحول الموقف السلبي من تطبيع العلاقات الديبلوماسية بين المغرب و إسرائيل، إلى صمت الجبناء أمام حملات التهجم على الدولة المغربية، و قبول التطبيع مع خطابات تشكك في صدق التزام المغرب بالقضية الفلسطينية، و عدم الرد على الإساءات التي تتعرض لها بلادنا على لسان بعض الإعلاميين التافهين و السياسيين القومجيين الفاشلين.

كما أنه لم يعد مقبولا، كلما توترت الأجواء في فلسطين، أن نصمت و نغادر ساحة السجال السياسي و التواصلي و نترك الدولة المغربية تتلقى الضربات الإعلامية التحريضية، و تنال سيلا من الانتقادات و حملات التشويه التي تتقنها عصابات مرتزقة الرأي و سماسرة التجارة بالقضايا القومية لمن يدفع أكثر من الجهات التي تخدم أجندات لا علاقة لها بنبل القضية الفلسطينية و مشروعيتها. في صمت الجبناء تجسيد لغياب النخوة و الرجولة و الغيرة على وطننا. و هيهات هيهات أن يكون عموم المغاربة على تلك الشاكلة. 

بكل وضوح، في قضية العلاقة الديبلوماسية مع إسرائيل، كما في كل القضايا الأخرى التي تهم بلادنا، واجبنا هو أن نصطف حيث مصالح المغرب أولا، و أن نشجع مبادرات الدفاع عن وحدتنا الترابية كاملة غير منقوصة، و أن نحمي مصالح الشعب المغربي و دولتنا الوطنية أولا وأخيرا. 

في هذا السياق، نحن إزاء معادلة تحقيق توازن دقيق بين تقدير مصالحنا الوطنية، و بين النهوض بواجباتنا السياسية و التزاماتنا الديبلوماسية، و بين تحمل مسؤولياتنا الأخلاقية تجاه أشقائنا الفلسطينيين و حقهم في وطنهم المستقل و عاصمته القدس، و تجاه مليون و نصف يهودي مغربي هاجروا إلى إسرائيل أو ولدوا هناك، و لازالوا يحافظون على علاقاتهم الروحية و الاجتماعية و العائلية، و حتى التجارية، مع وطنهم المغرب، و لا أحد من حقه أن يقرر فصلهم عن الجسد الوطني المغربي الذين هم جزء منه. و هنا تكمن حساسية الموقف و دقته التي تستلزم منا التعاطي مع الموضوع بحكمة عالية، و مناقشة حيثياته بيننا كمغاربة، داخل البيت الوطني الحاضن لكل الحساسيات، دون السماح لأي مرتزق رأي و سياسة، ممن هم خارج الدائرة المغربية، أن يملي علينا ما يجب فعله أو تجنبه، أو يعطينا دروسا في القومية و أشكال دعم النضال الفلسطيني، أو التطاول على مؤسسات دولتنا و على ديبلوماسيتنا بشكل غير لائق و غير أخلاقي. 

بما فيه من وطنيين شرفاء، يجب على مجتمعنا أن يظل يقظا لما يروجه المتربصون، واقفا بشجاعة في وجه حملات التحريض التي تستهدف بلادنا ممن تختلط عليهم الأمور و يحلو لهم التآمر لتخريب وطن كبير اسمه المغرب. وبالتأكيد إذا نحن تهاونا، لن نستطيع لأنفسنا نفعا، ولن ننفع القضية الفلسطينية والفلسطينيين في شيء. فهل هنالك رجل رشيد يوقظ بعض الغافلين عن مسؤولياتهم الوطنية حتى نحصن الجبهة الداخلية بما يكفي، ونوقف عبث العابثين؟

 #المغرب_كبير_على_العابثين.

و ... #سالات_الهضرة
بقلم / / يونس التايب

              

















MyMeteo



Facebook
YouTube
Newsletter
Rss

الاشتراك بالرسالة الاخبارية
أدخل بريدك الإلكتروني للتوصل بآخر الأخبار