*العلم الإلكترونية: الدكتورة أسماء لمسردي*
لم يعد الحديث عن الاختلاسات البنكية في المغرب مجرد وقائع معزولة أو أخطاء مهنية فردية، بل تحول إلى مؤشر مقلق على هشاشة بعض آليات الحماية داخل المنظومة المالية، في ظل تسارع رقمي يفتح بقدر ما يوفر من خدمات، أبوابا جديدة للجرائم. فالسؤال الجوهري اليوم ليس فقط: من يختلس؟ بل من يحمي أموال المواطنين قبل أن تختلس؟
القانون المغربي لا يقف موقف المتفرج. فاختلاس الأموال، سواء تم من طرف موظف أو عبر وسائل احتيالية، يجد أساسه الزجري في مجموعة القانون الجنائي، كما أن جرائم غسل الأموال المرتبطة به تخضع لمقتضيات صارمة بموجب القانون رقم 43.05، الذي يعاقب بالحبس والغرامة ويشدد العقوبات في حالة استغلال الصفة المهنية أو التنظيم الإجرامي. بل إن المنظومة القانونية توسعت لتشمل واجبات يقظة صارمة على الأبناك، من خلال قواعد "اعرف عميلك" ومراقبة العمليات المشبوهة.
غير أن النصوص، مهما بلغت دقتها، تظل عاجزة إن لم تواكبها يقظة مؤسساتية حقيقية، فـبنك المغرب يمارس رقابة ويوقع عقوبات تأديبية، وقد سجلت تقارير حديثة معاقبة عدد من المؤسسات البنكية بسبب اختلالات في المراقبة الداخلية واحترام القواعد التنظيمية. لكن السؤال المؤلم: هل تأتي هذه العقوبات بعد وقوع الضرر، أم تمنعه قبل حدوثه؟
الواقع يؤكد أن الاختلاس البنكي لم يعد يقتصر على التلاعب الداخلي، بل أصبح متعدد الأشكال: من هجمات سيبرانية، إلى احتيال عبر الهاتف، إلى استغلال ثغرات رقمية، وهو ما أدى إلى تزايد ملحوظ في استهداف حسابات الزبناء. وهذا التحول يفرض الانتقال من منطق "رد الفعل" إلى "الوقاية الاستباقية".
ولعل الأكثر إثارة للقلق هو هذا الصمت المطبق لسنوات، وكأن ما يقع قدر لا يرد؛ مرة تنسب الاختلاسات إلى موظف "منحرف"، ومرة إلى هجمات سيبرانية، ومرة إلى "سذاجة" المواطن، وكأن هذه المبررات لم تعد مستهلكة وبالية. العالم تجاوز هذا الخطاب؛ فالقانون هناك يقرن المسؤولية بالردع الصارم، بأحكام ثقيلة تعكس جسامة خيانة الأمانة. ثم إن التكنولوجيا اليوم تتيح رصد العمليات المشبوهة قبل وقوعها، لا بعدها. فهل يعقل أن نظل في دائرة التبرير؟ أم أن تكرار الوقائع، كما كشفت عنه ملفات حديثة في القنيطرة وسيدي قاسم...، يطرح سؤالا مشروعا: هل نحن أمام اختلالات فقط، أم ما هو أعمق من ذلك؟
التجارب الدولية تقدم دروسا واضحة. ففي الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، لم تعد البنوك تعتمد فقط على الرقابة البشرية، بل استثمرت في تقنيات “RegTech” التي توظف الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات لرصد الأنماط غير الطبيعية في المعاملات بشكل فوري. هذه الأنظمة قادرة على اكتشاف العمليات المشبوهة قبل اكتمالها، عبر تحليل سلوك الحسابات وتحديد الانحرافات الدقيقة. كما أن بعض النماذج المتقدمة تعتمد على تتبع تدفقات الأموال في الزمن الحقيقي لكشف الشبكات الإجرامية حتى وإن استخدمت تقنيات التمويه والتجزئة.
في المقابل، ما يزال جزء من المنظومة البنكية في الدول النامية، ومنها المغرب، يعتمد على آليات تقليدية أو شبه رقمية، تكتشف الجريمة بعد وقوعها، لا قبلها، وهنا يكمن الخلل الحقيقي.
إن حماية أموال المواطنين تقتضي ثلاث أولويات لا تحتمل التأجيل:
أولا، تشديد الرقابة القبلية: عبر فرض أنظمة مراقبة ذكية آنية داخل كل بنك، وربطها مباشرة بوحدات معالجة المعلومات المالية، بما يسمح بتجميد العمليات المشبوهة فورا، لا بعد فوات الأوان.
ثانيا، المسؤولية الصارمة للمؤسسات البنكية: إذ لا يعقل أن يتحمل الزبون وحده نتائج اختراق أو اختلاس ناتج عن ضعف في الأنظمة. يجب إقرار مسؤولية شبه مطلقة للبنك في حال ثبوت خلل في الحماية.
ثالثا، توعية المواطن كخط دفاع أول: فجزء كبير من الاختلاسات الحديثة يعتمد على الهندسة الاجتماعية (phishing)، حيث يستدرج الضحية لتقديم معطياته بنفسه، وهنا يصبح الوعي القانوني والرقمي ضرورة لا رفاهية.
إن أخطر ما في الاختلاسات البنكية ليس فقط ضياع المال، بل ضياع الثقة، والثقة هي العمود الفقري لأي نظام مالي. فإذا اهتزت، اهتز الاقتصاد بأكمله.
لذلك، فإن المعركة ضد الاختلاس ليست معركة قانون فقط، بل معركة يقظة دائمة، حيث يجب أن يلتقي القانون الصارم مع التكنولوجيا الذكية، والرقابة الحازمة مع وعي المواطن. حينها فقط يمكن أن نجيب بثقة عن السؤال: من يحمي أموال المغاربة؟
رئيسية 








الرئيسية 





