مدريد في عين العاصفة.. بين غضب الشارع زلزال الإضراب ومقامرة سانشيز الانتخابية وسط زحف اليمين المتطرف
★ العلم الإلكترونية - بقلم: بوشعيب حمراوي ★
من الإضراب العام يوم 11 نونبر إلى الانتخابات المبكرة يوم 29 نونبر... معركة مصيرية تهز مدريد وتضع العلاقات مع المغرب أمام امتحان سياسي جديد
لم يعد يفصل إسبانيا عن أحد أكثر شهورها السياسية والاجتماعية توترًا سوى أيام قليلة. بلد أوروبي كان يقدم نفسه نموذجًا للاستقرار الاقتصادي والسياحي يجد حكومته محاصرة بغضب الشارع، ونقاباته تستعد لإضراب عام، ومعارضته تتأهب للانقضاض على السلطة، بينما يترقب ملايين الناخبين انتخابات تشريعية مبكرة قد تقلب موازين القوى وتفتح أبواب الحكم أمام تحالف يميني قد يضم حزب «فوكس» المتطرف.
إنها إسبانيا التي دخلت شهر نونبر 2026 مثقلة بأزمات السكن والأجور والقدرة الشرائية، وملاحقة بتداعيات ملفات الفساد، ومهددة بتفاقم الانقسام السياسي. والأخطر أن هذا الاحتقان الداخلي يتزامن مع تصاعد الخطابات القومية المتشددة بشأن الهجرة والحدود والعلاقات مع الجوار، وفي مقدمته المملكة المغربية.
فهل نحن أمام غضب اجتماعي عابر، أم بداية تحول سياسي عميق قد يغير وجه إسبانيا وموقعها داخل أوروبا؟
◆ 11 نونبر... الإضراب العام الذي يسبق الزلزال الانتخابي
تستعد إسبانيا يوم الأربعاء 11 نونبر لإضراب عام دعت إليه أبرز المركزيات النقابية، وفي مقدمتها الاتحاد العام للعمال واللجان العمالية، احتجاجًا على أزمة السكن وتراجع القدرة الشرائية والمطالبة بتحسين الأجور والخدمات العمومية.
وتكمن أهمية هذا الموعد في كونه أول إضراب عام مشترك تدعمه النقابتان الكبيرتان منذ 14 سنة، فضلًا عن تنظيمه قبل يومين فقط من انطلاق الحملة الانتخابية الرسمية.
ووفق معطيات منشورة يوم 6 نونبر، أعلنت أكثر من 3600 هيئة تمثيلية للعمال انضمامها إلى التعبئة. وهو مؤشر على اتساع الدعم النقابي، دون أن يعني بالضرورة توقف جميع القطاعات أو شلل البلاد بالكامل.
أما الحكومة فقد أصبحت مطالبة بالتعامل مع احتجاج اجتماعي واسع في لحظة انتخابية شديدة الحساسية، بينما يشكك أرباب العمل في مشروعية الإضراب ويتهمون منظميه بتسييس المطالب الاجتماعية.
وهكذا، قد يتحول يوم 11 نونبر إلى استفتاء شعبي غير رسمي على حصيلة سانشيز، قبل أن يتوجه الناخبون إلى صناديق الاقتراع.
◆ 29 نونبر... سانشيز يضع مستقبله السياسي في الميزان
يوم الأحد 29 نونبر، سيكون نحو 38.7 مليون ناخب مدعوًا للمشاركة في انتخابات تشريعية مبكرة، بعدما قرر بيدرو سانشيز حل البرلمان والدعوة إلى الاقتراع، عقب تعثر تمرير إصلاحات مرتبطة بأزمة السكن.
ولم يكن القرار مجرد مناورة انتخابية عادية، بل اعترافًا سياسيًا بصعوبة مواصلة الحكم بأغلبية برلمانية عاجزة عن تمرير عدد من الإصلاحات الأساسية.
وستبدأ الحملة الانتخابية رسميًا يوم 13 نونبر وتنتهي يوم 27 منه، لتتحول إسبانيا إلى ساحة مواجهة مفتوحة بين الاشتراكيين وحلفائهم من جهة، والحزب الشعبي وحزب فوكس من جهة أخرى.
لكن السؤال الأكثر إثارة لا يتعلق فقط بمن سيفوز، بل بمن سيتمكن من تشكيل أغلبية حكومية، وما إذا كانت إسبانيا ستجد نفسها أمام تحالف يميني يمنح اليمين المتطرف نفوذًا أكبر في القرار السياسي.
◆ أزمة السكن... عندما يصبح امتلاك سقف حلمًا مستحيلًا
لم تبدأ انتفاضة الشارع الإسباني من خلاف حزبي، بل من أزمة اجتماعية مست حياة المواطنين مباشرة.
فارتفاع أسعار الإيجارات والمضاربات العقارية وتراجع فرص الشباب في الحصول على سكن مناسب جعلت آلاف الأسر تعيش تحت ضغط مالي متواصل.
وتشير تقديرات بنك إسبانيا إلى عجز يقارب 750 ألف وحدة سكنية، قد يتجاوز مليون وحدة بحلول سنة 2028.
وقد فجرت واقعة إخلاء مسنة تبلغ 87 سنة من مسكنها في مدريد موجة احتجاجات واسعة، خصوصًا بعد وفاتها لاحقًا، لتتحول قصتها إلى رمز لما يعتبره المحتجون اختلالًا عميقًا في السياسات السكنية.
والمفارقة أن إسبانيا، التي تستقبل ملايين السياح وتحتضن استثمارات عقارية ضخمة، تجد نفسها عاجزة عن توفير سكن ميسر لفئات واسعة من مواطنيها.
إنها أزمة تكشف أن النمو الاقتصادي لا يضمن بالضرورة العدالة الاجتماعية، وأن ازدهار المدن قد يخفي وراء واجهاتها اللامعة معاناة سكانها الأصليين.
◆ الشرطة تزيل خيام المحتجين... لكن من يزيل أسباب الغضب؟
في الثالث من نونبر، تدخلت السلطات لإخلاء 334 شخصًا من مخيم احتجاجي بساحة بويرتا ديل سول وسط مدريد، بمشاركة نحو 400 عنصر من الشرطة والإطفاء والخدمات الاجتماعية.
وقد انتهت العملية بتوقيف شخصين، بينما تحدث محتجون عن استعمال العنف ورذاذ الفلفل، وهي اتهامات نفتها السلطات.
لكن القضية الأعمق لا تتعلق فقط بكيفية تنفيذ التدخل الأمني.
فإزالة الخيام لا تعني إزالة الفقر، وإخلاء الساحات لا يعني إنهاء أزمة السكن، وتفريق المحتجين لا يعيد الثقة تلقائيًا إلى المؤسسات.
لقد نجحت السلطات في إنهاء اعتصام رمزي، لكنها لم تنه الأسباب التي دفعت آلاف المواطنين إلى الاحتجاج.
والدليل أن التعبئة انتقلت من الساحات إلى الاستعداد لإضراب عام قد تكون له انعكاسات سياسية وانتخابية واسعة.
◆ ملفات الفساد... جبهة أخرى تستنزف الحكومة
تواجه حكومة سانشيز أيضًا ضغوطًا بسبب التحقيقات القضائية المرتبطة بملفات فساد وتعاقدات عمومية، وفي مقدمتها قضية «كولدو» التي طالت شخصيات مرتبطة بالمحيط السياسي للحزب الاشتراكي.
ورغم أن الاتهامات لا تعني صدور إدانات قضائية، فإن المعارضة تستثمر هذه الملفات لتقديم الحكومة باعتبارها عاجزة عن حماية المال العام واستعادة ثقة المواطنين.
وهنا تتضاعف متاعب سانشيز؛ إذ يجد نفسه مطالبًا بالدفاع عن حصيلته الاجتماعية والاقتصادية، وفي الوقت نفسه بالرد على اتهامات سياسية وقضائية تلاحق محيطه الحزبي.
إنها معركة على المصداقية قبل أن تكون معركة على المقاعد البرلمانية.
◆ اليمين المتطرف يترقب... هل يصبح «فوكس» شريكًا في الحكم؟
يدرك الحزب الشعبي بقيادة ألبرتو نونييث فيخو أن تراكم الأزمات قد يمنحه فرصة العودة إلى قيادة الحكومة.
لكن المعضلة الحقيقية تكمن في طبيعة الأغلبية التي قد يحتاج إليها.
فحزب فوكس، بقيادة سانتياغو أباسكال، يواصل توظيف ملفات الهجرة والأمن والهوية الوطنية والحدود في تعبئته السياسية، مع خطاب متشدد تجاه عدد من القضايا المرتبطة بالمهاجرين والعلاقات الخارجية.
وقد تتحول الانتخابات المقبلة إلى فرصة لتعزيز حضوره البرلماني، وربما المشاركة في تشكيل أغلبية جديدة.
غير أن هذا السيناريو يظل احتمالًا سياسيًا مرتبطًا بنتائج الاقتراع، وليس نتيجة محسومة.
والأخطر أن تصاعد اليمين المتطرف قد يدفع قوى سياسية أخرى إلى تبني مواقف أكثر تشددًا، في محاولة لاستمالة الناخبين.
◆ المغرب وإسبانيا... شراكة استراتيجية أمام امتحان التغيير
لا يمكن للمغرب أن يتعامل مع ما يجري في إسبانيا باعتباره شأنًا داخليًا بعيدًا عن مصالحه.
فمدريد شريك اقتصادي وتجاري وأمني أساسي للرباط، وتجمع البلدين ملفات حساسة تتعلق بالهجرة والاستثمارات والتعاون الأمني والربط البحري والتحضيرات المشتركة لكأس العالم 2030.
وتأتي قضية الصحراء المغربية في مقدمة الملفات الاستراتيجية، خصوصًا بعد الموقف الذي أعلنته حكومة سانشيز سنة 2022، معتبرة مبادرة الحكم الذاتي المغربية الأساس الأكثر جدية وواقعية ومصداقية لتسوية النزاع.
فهل سيحافظ أي ائتلاف حكومي جديد على هذا التوجه؟ وهل سيستمر التعاون الثنائي بالزخم نفسه؟ أم أن الحسابات الحزبية ستفرض مراجعة بعض الأولويات؟
هذه أسئلة مشروعة، لكنها لا تعني أن العلاقات المغربية الإسبانية مرشحة بالضرورة للتراجع.
فالمصالح المشتركة بين البلدين أعمق من التقلبات الانتخابية، وإن كانت بعض التحالفات السياسية قد تؤثر في طريقة تدبير الملفات الثنائية.
◆ سبتة ومليلية... ورقة اليمين التي لا تغيب عن الحملات الانتخابية
تظل سبتة ومليلية من الملفات التي تستحضرها بعض القوى اليمينية الإسبانية كلما تصاعد النقاش حول الهجرة والحدود والسيادة.
ويحرص حزب فوكس على تقديم نفسه مدافعًا متشددًا عن المواقف الإسبانية بشأن المدينتين، مستثمرًا الحساسية التاريخية والسياسية للملف.
ومن الجانب المغربي، تظل قضية المدينتين مرتبطة بإشكالات تاريخية وسيادية لم ينهها تطور العلاقات الثنائية.
لكن توظيف الملف انتخابيًا لا يعني بالضرورة اتخاذ قرارات حكومية جديدة، كما أن التصريحات الحزبية المتشددة لا ينبغي الخلط بينها وبين المواقف الرسمية للدولة الإسبانية.
والتحدي الحقيقي يكمن في الحفاظ على التعاون الثنائي دون إغفال الخلافات القائمة أو السماح بتحويلها إلى أدوات للتصعيد السياسي.
◆ أوروبا تراقب... لأن الأزمة الإسبانية تتجاوز حدود مدريد
لا تنفصل التطورات الإسبانية عن حالة الاحتقان الاجتماعي والسياسي التي تشهدها دول أوروبية أخرى.
فأزمات السكن والقدرة الشرائية والهجرة وتراجع الثقة في الأحزاب التقليدية أصبحت عناصر مشتركة في عدد من المجتمعات الأوروبية.
وقد تؤدي نتائج الانتخابات الإسبانية إلى تغيير موازين القوى داخل المؤسسات الأوروبية، خصوصًا إذا تعزز حضور الأحزاب اليمينية المتشددة.
لكن الحديث عن انهيار الاستقرار الأوروبي يبقى مبالغة؛ فإسبانيا ما زالت تتوفر على مؤسسات دستورية وانتخابية قادرة على تدبير الخلافات السياسية.
إن الخطر الحقيقي لا يكمن في الاحتجاج ذاته، بل في عجز الحكومات عن معالجة أسبابه، وفي تحويل المطالب الاجتماعية إلى وقود للاستقطاب السياسي.
◆ الخاتمة... الشارع يوم 11 نونبر والصناديق يوم 29 نونبر: من سيحسم مستقبل إسبانيا؟
تقف إسبانيا أمام امتحان مزدوج لا يخلو من المفارقات: النقابات ستختبر قوة الشارع يوم 11 نونبر، والأحزاب ستختبر ثقة الناخبين يوم 29 نونبر.
وبين الموعدين، سيحاول سانشيز الدفاع عن مستقبله السياسي، وسيبحث الحزب الشعبي عن طريق العودة إلى السلطة، بينما ينتظر «فوكس» فرصة توسيع نفوذه.
غير أن المواطن الإسباني، الذي يواجه غلاء السكن وضغوط المعيشة وتراجع الثقة في الوعود السياسية، قد تكون له حسابات تختلف عن حسابات الأحزاب.
أما المغرب، فعليه أن يراقب هذه التحولات بعين استراتيجية، وأن يحافظ على مصالحه وشراكاته دون ربطها بمصير حزب أو حكومة.
فالانتخابات قد تغير الحكومات، لكنها لا تلغي الجغرافيا ولا المصالح المشتركة ولا حقائق التاريخ.
وإذا كان يوم 11 نونبر سيكشف حجم الغضب الاجتماعي وقدرة النقابات على التعبئة، فإن يوم 29 نونبر سيكشف الاتجاه الذي اختاره الناخب الإسباني لمستقبل بلاده.
إسبانيا اليوم لا تواجه مجرد معركة انتخابية، بل تواجه سؤالًا مصيريًا: هل تنجح الديمقراطية في تحويل غضب الشارع إلى إصلاحات حقيقية، أم يتحول هذا الغضب إلى بوابة لعودة اليمين المتطرف إلى قلب السلطة؟
رئيسية 








الرئيسية




