*العلم الإلكترونية*
لم يعد تفشي «إيبولا» في جمهورية الكونغو الديمقراطية مجرد أزمة صحية محلية قابلة للاحتواء بإجراءات محدودة، بعدما تحوّل خلال ثلاثة أشهر إلى أخطر موجة عرفتها البلاد، وسط ارتفاع سريع في الإصابات واتساع رقعة انتقال العدوى داخل مناطق تعاني أصلاً النزاعات المسلحة وضعف الخدمات الصحية.
وأظهرت أحدث المعطيات الصادرة عن السلطات الكونغولية، الاثنين 17 غشت، ارتفاع الحصيلة إلى 4945 إصابة مؤكدة و2325 وفاة، ما يجعل التفشي الحالي الأكثر فتكاً في تاريخ جمهورية الكونغو الديمقراطية، والثاني عالمياً بعد وباء غرب إفريقيا الذي أودى بحياة أكثر من 11 ألف شخص بين سنتي 2014 و2016.
وبلغ معدل الوفيات ضمن الحالات المؤكدة نحو 47 في المائة، في مؤشر يعكس شدة المرض وتأخر وصول عدد من المصابين إلى مراكز العلاج. كما تشير وتيرة الإصابات إلى أن الفيروس ينتشر بسرعة تفوق الموجات السابقة التي واجهتها البلاد.
وكان آخر تحديث لمنظمة الصحة العالمية، استناداً إلى البيانات المسجلة حتى 12 غشت، قد أحصى 4686 إصابة مؤكدة و2186 وفاة في البلدان التي وصل إليها التفشي. وشملت الحصيلة 4665 إصابة في الكونغو الديمقراطية، و20 في أوغندا، وحالة واحدة في فرنسا، فضلاً عن علاج مصابين شُخصت إصابتهما في الكونغو داخل ألمانيا.
وتكشف القفزة المسجلة بين التحديثين، خلال أيام قليلة، حجم التسارع الذي يشهده الوباء. فقد سجل الأسبوع الممتد من 3 إلى 9 غشت أعلى حصيلة أسبوعية منذ بداية التفشي، بواقع 579 إصابة و304 وفيات، وفق منظمة الصحة العالمية.
وتتركز البؤرة الرئيسية في إقليم إيتوري، شمال شرقي الكونغو الديمقراطية، الذي استأثر، حتى 12 غشت، بنحو 85 في المائة من الإصابات و79 في المائة من الوفيات المسجلة على الصعيد الوطني.
وامتد الفيروس إلى 54 منطقة صحية موزعة على ست مقاطعات، هي إيتوري وشمال كيفو وجنوب كيفو وأويلي العليا وتشوبو وأويلي السفلى، وسط مخاوف من استمرار توسعه جغرافياً بفعل حركة السكان والنزوح والتبادل التجاري عبر الحدود.
ويعود التفشي الحالي إلى سلالة «بونديبوغيو»، وهي نوع أقل شيوعاً من فيروس إيبولا، لا يتوافر له إلى حدود الساعة لقاح مرخص أو علاج نوعي معتمد، بخلاف سلالة «زائير» التي طُورت لمواجهتها لقاحات وعلاجات خلال السنوات الماضية. وتجري في المقابل اختبارات على خيارات وقائية وعلاجية يأمل الباحثون في أن تساعد على خفض الوفيات والحد من انتشار العدوى.
وينتقل الفيروس عبر الملامسة المباشرة لدم المصاب أو إفرازاته وسوائل جسمه، أو الأدوات والأسطح الملوثة بها، ولا ينتشر عبر الهواء مثل الإنفلونزا. وتتراوح فترة حضانته بين يومين و21 يوماً، ولا يصبح المصاب ناقلاً للعدوى قبل ظهور الأعراض عليه.
وتبدأ الإصابة غالباً بحمى مفاجئة وإرهاق وآلام في العضلات وصداع والتهاب في الحلق، قبل أن تتطور إلى القيء والإسهال وآلام البطن واضطراب وظائف الكلى والكبد. أما النزيف، الذي يرتبط عادة بصورة المرض في الأذهان، فلا يظهر لدى جميع المصابين ويُعد أقل شيوعاً من بقية الأعراض.
وتواجه عمليات الاحتواء عراقيل متعددة، في مقدمتها النزاعات المسلحة وصعوبة الوصول إلى بعض المناطق، ونزوح السكان، وضعف الثقة في المؤسسات الصحية، وانتشار معلومات مضللة تدفع بعض المرضى إلى تجنب مراكز العلاج. كما سجلت منظمة الصحة العالمية إصابة ما لا يقل عن 155 من العاملين في القطاع الصحي ووفاة 45 منهم حتى التاسع من غشت.
وأعلنت المنظمة أن التفشي يشكل حالة طوارئ صحية تثير قلقاً دولياً، فيما تعمل السلطات المحلية وشركاؤها على توسيع مراكز العلاج وتعزيز المختبرات وتتبع المخالطين وتنظيم عمليات الدفن الآمن. غير أن نسبة متابعة المخالطين ظلت دون المستوى المطلوب، ما يترك مجالاً لاستمرار سلاسل عدوى غير مكتشفة.
وفي أوغندا، لم تُسجل إصابات جديدة منذ خروج آخر مريض من مركز العلاج في 16 يوليوز، غير أن السلطات أبقت نظام المراقبة المعززة قائماً خشية تسلل حالات أخرى عبر الحدود مع الكونغو الديمقراطية.
ورغم وصول حالات مرتبطة بالتفشي إلى خارج القارة، تؤكد المعطيات الطبية أن الخطر بالنسبة إلى المسافر العادي يظل منخفضاً ما لم تحدث ملامسة مباشرة لسوائل جسم شخص مصاب. ولم تسجل فرنسا أي انتقال ثانوي للعدوى بعد الحالة الوافدة التي رُصدت على أراضيها.
وبينما تتسابق فرق الاستجابة للوصول إلى المصابين وعزل المخالطين، يبقى حسم المعركة رهيناً باستعادة ثقة السكان وفتح ممرات آمنة أمام العاملين الصحيين. فالفيروس لا يستفيد من ضعف المستشفيات وحده، بل يجد في الخوف والشائعات وتأخر طلب العلاج مساحات إضافية للانتشار.
رئيسية 








الرئيسية 





