Quantcast
2026 أكتوبر 29 - تم تعديله في [التاريخ]

استبداد سياسي بجماعة أجزناية: رئيس الجماعة يضيق الخناق على مستشاري حزب الاستقلال عقابًا لهم على الوفاء للمبادئ

حين تصبح مفاتيح المكاتب عنوانًا لخلاف سياسي… محمد اليطفتي يفتح ملف العلاقة بين الوفاء الحزبي وممارسة المسؤولية الانتدابية.


الإقصاء السياسي وحدود استعمال الصلاحيات داخل المؤسسات المنتخبة
الإقصاء السياسي وحدود استعمال الصلاحيات داخل المؤسسات المنتخبة
★ العلم الإلكترونية - بقلم: محمد اليطفتي ★
استهداف المستشارين الاستقلاليين بسبب مواقفهم الحزبية يطرح أسئلة خطيرة حول احترام التعددية وأخلاقيات المسؤولية داخل المؤسسات المنتخبة

ما يجري داخل جماعة أجزناية، على ضوء المعطيات التي كشفت عنها هاجر الكوكني، نائبة الرئيس السادسة والمنتمية إلى حزب الاستقلال، يتجاوز بكثير مسألة سحب سيارة أو إغلاق مكتب أو حرمان منتخبة من فضاء لممارسة مهامها. إننا أمام قضية سياسية ومؤسساتية تطرح أسئلة حقيقية حول طبيعة تدبير شؤون الجماعة، وحدود استعمال الصلاحيات، ومدى احترام حق المنتخبين في ممارسة مسؤولياتهم بعيدًا عن منطق الولاء الشخصي والحسابات السياسية الضيقة.

فحين تتحدث نائبة للرئيس عن سحب السيارة التي كانت رهن إشارتها، ثم إبعادها عن مكتبها وتغيير قفله، في الوقت الذي لا تزال فيه تحتفظ بمهامها الانتدابية، فإن الأمر يستدعي وقفة سياسية واضحة، لأن المسؤولية لا يمكن أن تبقى قائمة على الورق بينما تُفرغ من مضمونها في الواقع. ولا يمكن اختزال هذه القضية في تدابير إدارية معزولة عن سياقها، خصوصًا حين تأتي، بحسب المعطيات المتداولة، في أعقاب محطة انتخابية شهدت اصطفافات ومواقف سياسية متباينة.

والأخطر من ذلك أن هذه الواقعة تأتي، وفق ما يثيره استقلاليون بالجماعة، في سياق أوسع من التعامل مع المستشارين الاستقلاليين، الذين يعتبرون أن مواقفهم الحزبية أصبحت سببًا في التضييق عليهم. وهنا تكمن خطورة المسألة: هل أصبحت ممارسة الحق في الالتزام الحزبي، والوفاء للانتماء السياسي، سببًا للتهميش داخل مؤسسة منتخبة؟ وهل يُراد من المستشارين أن يتخلوا عن استقلالية مواقفهم حتى يحافظوا على شروط ممارسة مسؤولياتهم؟

إن المسؤول الأول عن الجماعة مطالب بأن يدرك أن رئاسة المجلس ليست ملكية شخصية، وأن تدبير المرافق والوسائل الجماعية لا يجوز أن يتحول إلى أداة للضغط على المنتخبين أو معاقبتهم بسبب اختياراتهم السياسية. فالرئيس، مهما اتسعت صلاحياته في مجال التدبير، يظل مسؤولًا داخل مؤسسة جماعية تحكمها القوانين، وتقوم على التعددية، وتفترض احترام حقوق جميع أعضائها، لا إخضاعهم لمنطق القرب والبعد، والرضا والغضب.

فلا أحد يملك حق مصادرة الانتماء الحزبي للمنتخبين، ولا يحق لأي مسؤول أن يجعل من اختلاف المواقف السياسية مبررًا للتضييق أو التهميش. وإذا كانت تدابير إدارية معينة تستند إلى مقتضيات قانونية، فإن مشروعيتها تظل مرتبطة بأسبابها وإجراءاتها وآثارها، ولا يمكن اتخاذها ذريعة لإفراغ المسؤوليات الانتدابية من محتواها أو الانتقاص من كرامة أصحابها.

وفي قلب هذا النقاش تبرز مسألة لا تقل أهمية، وتتعلق بمواقف بعض المنتخبين خلال الاستحقاقات التشريعية الأخيرة. فقد اختار مستشارون استقلاليون، بحسب ما يعبرون عنه، التشبث بانتمائهم الحزبي، والالتزام بتوجهات حزبهم، ودعم مرشحه خلال الحملة الانتخابية، انطلاقًا من قناعتهم بأن الانتماء الحزبي ليس بطاقة موسمية تُرفع عند توزيع المواقع وتُخفى عندما تقتضي المصلحة ذلك، بل التزام سياسي وأخلاقي تترتب عليه مسؤولية تجاه التنظيم والمناضلين والناخبين.

وفي المقابل، تثار داخل الأوساط الاستقلالية تساؤلات وانتقادات بشأن مواقف منتخبين آخرين اختاروا، وفق ما يتداوله المعنيون، تقديم دعم مادي وميداني لخصوم الحزب خلال الاستحقاقات نفسها. وهي مواقف، إن ثبتت تفاصيلها، تفتح النقاش حول معنى الالتزام الحزبي، وحدود المسؤولية السياسية، والفارق بين الاختلاف المشروع وبين التصرفات التي قد تتعارض مع الالتزامات التنظيمية.

إن الخلاف هنا ليس مع حق أي شخص في اتخاذ موقف سياسي، وإنما مع ازدواجية المعايير حين يُنتظر من البعض أن يتحملوا تبعات وفائهم لقرار حزبهم، بينما يُترك المجال لآخرين للاستفادة من مواقعهم وعلاقاتهم دون مساءلة تنظيمية واضحة. فلا يستقيم أن يتحول الالتزام إلى عبء على الملتزمين، وأن يصبح التراجع عن الالتزامات أو مخالفتها طريقًا إلى الحفاظ على الامتيازات.

وليس من حق أي مسؤول أن يخلط بين موقعه داخل الجماعة وبين موازين القوى داخل حزب سياسي. كما أن المؤسسة الجماعية ليست فضاءً لمعاقبة من اختاروا الالتزام بمواقف حزبهم، ولا يجوز أن تتحول الوسائل الإدارية إلى أوراق ضغط في سياق خلافات سياسية. فالمناصب والمسؤوليات تُمارس وفق القانون، أما الانتماء الحزبي فيظل حقًا سياسيًا وتنظيميًا لا ينبغي أن يكون ثمنه التنازل عن الكرامة أو القبول بالتهميش.

لقد أثبتت التجربة السياسية أن بعض الأشخاص قد يصلون إلى مواقع المسؤولية بفضل المسارات التنظيمية والدعم الذي تلقوه داخل أحزابهم، ثم تتغير مواقفهم عندما تتعارض الالتزامات مع حساباتهم الخاصة. لكن تقييم هذه المسارات لا ينبغي أن يتحول إلى تصفية حسابات شخصية، بل يجب أن يتم على أساس الوقائع الموثقة، والالتزامات المعلنة، والمسؤولية السياسية والأخلاقية المترتبة عنها.

أما حزب الاستقلال، بتاريخه النضالي ورصيده التنظيمي، فهو أكبر من أن تختزله حسابات مواقع عابرة أو أن تربكه خلافات ظرفية. فالأحزاب التي راكمت تاريخًا طويلًا من النضال لا تُقاس بمدى احتفاظ بعض الأشخاص بمواقعهم، وإنما بقدرتها على صيانة مبادئها، والتمييز بين من يلتزمون بخياراتها عن اقتناع وبين من يجعلون الانتماء وسيلة لتحقيق مصالح ظرفية. وتظل قوة التنظيم في وضوح قواعده، واحترام مؤسساته، وعدم الخلط بين الوفاء للحزب والخضوع للأشخاص.

ومن هنا، فإن التحية الصادقة تستحقها كل الكفاءات والمناضلات والمناضلين الذين تشبثوا بانتمائهم الاستقلالي، وتحملوا مسؤولية مواقفهم خلال الاستحقاقات الانتخابية، واختاروا الوفاء لقناعاتهم التنظيمية رغم ما قد يترتب عن ذلك من ضغوط أو صعوبات. إن احترام هؤلاء لا يكون بالشعارات وحدها، بل بإنصافهم، وصيانة كرامتهم، وضمان عدم تحويل التزامهم الحزبي إلى مدخل للتضييق عليهم داخل المؤسسات المنتخبة.

وتستحق هاجر الكوكني، في هذا السياق، أن تُعامل باعتبارها منتخبة لها مسؤوليات وحقوق، لا باعتبارها طرفًا ينبغي دفعه إلى الهامش بسبب انتمائه أو مواقفه. فالقضية لا تتعلق بمنح امتيازات خاصة، وإنما بضمان ممارسة المهام الانتدابية في إطار من الاحترام والوضوح والالتزام بالقانون. كما أن الدفاع عن حقها لا يتطلب المساس بحقوق الآخرين، بل يقتضي رفض كل ممارسة من شأنها أن تجعل الحقوق رهينة بالحسابات السياسية.

وإذا كانت المعنية بالأمر قد تحدثت أيضًا عن حملات إلكترونية تستهدف سمعتها، فإن أي إساءة أو تشهير ينبغي رفضهما بوضوح، لأن الخلاف السياسي لا يبرر المساس بالكرامة الشخصية، ولا يحول الحياة الخاصة إلى ساحة لتصفية الحسابات. فالعمل السياسي النبيل يُقاس بقوة الحجة واحترام المؤسسات، لا بحجم الضغط أو الإساءة.

إن ما يقع في جماعة أجزناية ينبغي أن يكون مناسبة لإعادة التأكيد على مبدأ أساسي: لا يمكن بناء تدبير جماعي سليم على منطق الإقصاء، ولا يمكن مطالبة المنتخبين بخدمة المواطنين بينما يُضيَّق على بعضهم في ممارسة مسؤولياتهم. فالمجلس الجماعي مؤسسة عمومية، والرئاسة مسؤولية وليست امتيازًا شخصيًا، والصلاحيات القانونية لا تمنح صاحبها حق تحويل الاختلاف السياسي إلى وسيلة للتهميش.

إن الرسالة التي ينبغي أن تصل واضحة: الوفاء للمبادئ الحزبية ليس خطأً يستوجب العقاب، والتشبث بالانتماء ليس مبررًا للإقصاء، وكرامة المنتخب ليست ورقة قابلة للمساومة. وعلى كل من يتحمل مسؤولية تدبير الشأن المحلي أن يدرك أن قوة المؤسسات لا تُقاس بقدرته على إحكام السيطرة على أعضائها، وإنما بمدى احترامه للقانون، واستيعابه للتعددية، وضمانه لحقوق الجميع.

وستظل جماعة أجزناية، مثل سائر الجماعات الترابية، في حاجة إلى تدبير يضع مصالح المواطنين فوق الحسابات الضيقة، ويجعل من الاختلاف مصدر غنى للمؤسسة لا ذريعة لمحاصرة أصحاب الرأي والموقف. أما من اختاروا التشبث بقناعاتهم الحزبية، فإن حقهم في الاحترام وممارسة مسؤولياتهم يظل قائمًا، ولا ينبغي أن يصبح موضوعًا للعقاب أو التهديد أو التهميش.

              















MyMeteo




Facebook
YouTube
Newsletter
Rss

الاشتراك بالرسالة الاخبارية
أدخل بريدك الإلكتروني للتوصل بآخر الأخبار