الدكتور جمال فزة
تعيش السوسيولوجيا في العالم العربي انحسارا ملحوظا. والمقصود هنا ليس الانحسار الكمي، الذي قد يكون، على عكس ما نومئ إليه في هذه الورقة، مزدهرا شاهدا على انتشار السوسيولوجيا واقتحامها مجالات وميادين غير معهودة وغير مطروقة، مستفيدة من تزايد الطلب على الاستشارة والخبرة السوسيولوجيتين من قبل المؤسسات المانحة داخليا وخارجيا، وتراجع التضييق عليها سياسيا من قبل الأنظمة الحاكمة. بل إن المقصود هو انحسارها النوعي؛ أي عجزها عن التجديد والانسلاخ عن عاداتها السيئة من جهة، وعدم قدرتها على مساءلة أسسها الإبستيمولوجية من جهة أخرى؛ فكأنما هي زورق سحبته إليها دوامة بحرية، لم يجد منها طريقا إلى الخلاص بالرغم من كثرة التجديف.
ارتبط النقد السوسيولوجي في العالم العربي باسم كارل ماركس، نظرا لنجاح المادية التاريخية، عقب الحرب العالمية الثانية، في استيعاب مطالب حركات التحرر الوطني العربية، والتعبير عنها. وكان النقد لدى ماركس عموما يعني كشف -أو بالأحرى فضح -وظيفة القلب التي تقوم بها الإيديولوجيا في نقلها، أو قل تحويلها، للواقع؛ وذلك ضمن عملية تمتد على نطاق أوسع، تضطلع بالكشف عن الميكانيزمات الخفية واللاشعورية للاستغلال. ولا شك أن أتباع ماركس قد طوروا هذا المفهوم للنقد ووسعوا نطاق استعماله، كل بحسب مجال تخصصه. بل منهم من اعتبر، في زمانه، أن الماركسية تمر من فترة عصيبة، وأنها توشك على توقيع نهايتها البئيسة، ما لم تجدد أسلوبها في ممارسة النقد؛ وذلك كان رأي لوسيان غولدمان.
سوف لن أجرد جميع ضروب النقد التي تتصل، بهذا الشكل أو ذاك، بالنموذج الماركسي؛ فذلك ليس مبتغانا من إنجاز هذه الورقة، والمقام لا يتسع لهذه المهمة على كل حال. لكنني لا أجد بدا من الوقوف عند ضرب من النقد، يتصل طبعا بالبراديغم النقدي كما وضعه ماركس، ويبتعد عنه، بهذا القدر أو ذاك، بحسب “طبيعة” المواضيع المطروقة والحاجة إلى تطوير أساليب تحليل علمية أكثر إحكاما. يتعلق الأمر بالسوسيولوجيا النقدية كما وضعها وطورها عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو. ولكن ليس للمكوث عندها وإعادة إنتاجها، بل، على العكس من ذلك، لإيجاد سبل لتجاوزها، وفتح أفق جديد للنقد. فماذا يمكن أن يعني النقد السوسيولوجي بعد بيير بورديو؟
تكمن أهمية هذه الورقة في فتح باب تقييم السوسيولوجيات الجديدة قياسا إلى الإرث النقدي الماركسي عموما. والمفتاحان المعدان لهذه المهمة هما الإبستيمولوجيا والإيتيقا.
قد لا يظهر في التأليف بين الإبستيمولوجيا والإيتيقا، للوهلة الأولى، أي باعث على التجديد، لاسيما بالنسبة لمن لا يعرف الكثير عن السوسيولوجيا الفرنسية، التي كان لها فضل كبير على السوسيولوجيا العربية لاسيما في شمال إفريقيا. غير أن التشديد على الطابع الوضعي و”العلموي” لهذه السوسيولوجيا (le scientisme)، وما ترتب عنه من مزاعم ودعاوى الفصل التام بين الإيتيقي والإبستيمولوجي، يجعل من هذا التأليف فتحا كبيرا، يسمح بتوضيب فضاء للنقاش العلمي الرصين، تجتمع فيه الأبعاد النقدية الأكثر إظهارا بالأبعاد الإيتيقية الأكثر إضمارا. علاوة على أنه يحررنا من التقليد النقدى كما طوره بيير بورديو، والذي ينحصر لديه في تفكيك خطاب الهيمنة، والكشف عن أشكال العنف الرمزي الثاوية خلف مزاعم العقلانية، إن على مستوى سير المؤسسات، أو على مستوى نظام الخطاب.
نقصد بالإيتيقي المجال الذي يتشكل من مجموع الأحكام القيمية المتجسدة في القواعد الاجتماعية وآداب المعاملات، التي تحدد ما ينبغي على الفرد أن يلتزم به داخل الجماعة، وما ينبغي عليه تركه والابتعاد عنه. غير أن مكونات هذا المجال وعناصره ليست أشياء تتخذ معانيها في استقلال عنا، بل ظواهر، بالمعنى الفينومينولوجي للكلمة، تستقي دلالتها الأولى من النحو الخاص الذي تقدم به نفسها لوعينا وتنفتح عليه (le mode de donation). هكذا تكف التفاوتات القيمية والتمايزات في حقل الإيتيقا عن أن تظهر وقائع قائمة بذاتها، لتصير سيرورات وعمليات تقييم وتثمين (valorisation) بما هي إضفاء قيمة على الأشياء والأحداث. والسؤال المطروح ههنا هو: إلى ماذا نرجع في تشكل قناعة لذينا ويقين بأن هذا الشيء، أو هذا الأمر أفضل من ذلك؟
اتخذ النقد الإيتيقي في ظل الهيمنة الماركسية عموما طابعا خارجيا، بالمعنى الذي يحيل فيه النقد على أفق يوتوبي ينطلق من نموذج لعالم مأمول، ليس هو القائم على أرض الواقع. بينما المطلوب أولا ممارسة نقد داخلي يتمثل في تفكيك التقاليد الأخلاقية القائمة بالفعل، والتي تحكم سير المجتمع ووظافته؛ وذلكم هو النقد بالمعنى الهيرمينوطيقي للكلمة. على أن التمييز بين النقدين يظل في نهاية المطاف أداة منهجية وتحليلية ذات قيمة كشفية تسمح بالانغماس في التقاليد والنبش في التراث، وفي نفس الوقت الانفتاح على المكبوت، الذي يتوارى إلى الخلف لأنه عجز عن مواجهة سلطان التقليد، أو لأنه، ببساطة، لم يُصَغْ بعدُ.
سوسيولوجي مغربي
تعيش السوسيولوجيا في العالم العربي انحسارا ملحوظا. والمقصود هنا ليس الانحسار الكمي، الذي قد يكون، على عكس ما نومئ إليه في هذه الورقة، مزدهرا شاهدا على انتشار السوسيولوجيا واقتحامها مجالات وميادين غير معهودة وغير مطروقة، مستفيدة من تزايد الطلب على الاستشارة والخبرة السوسيولوجيتين من قبل المؤسسات المانحة داخليا وخارجيا، وتراجع التضييق عليها سياسيا من قبل الأنظمة الحاكمة. بل إن المقصود هو انحسارها النوعي؛ أي عجزها عن التجديد والانسلاخ عن عاداتها السيئة من جهة، وعدم قدرتها على مساءلة أسسها الإبستيمولوجية من جهة أخرى؛ فكأنما هي زورق سحبته إليها دوامة بحرية، لم يجد منها طريقا إلى الخلاص بالرغم من كثرة التجديف.
ارتبط النقد السوسيولوجي في العالم العربي باسم كارل ماركس، نظرا لنجاح المادية التاريخية، عقب الحرب العالمية الثانية، في استيعاب مطالب حركات التحرر الوطني العربية، والتعبير عنها. وكان النقد لدى ماركس عموما يعني كشف -أو بالأحرى فضح -وظيفة القلب التي تقوم بها الإيديولوجيا في نقلها، أو قل تحويلها، للواقع؛ وذلك ضمن عملية تمتد على نطاق أوسع، تضطلع بالكشف عن الميكانيزمات الخفية واللاشعورية للاستغلال. ولا شك أن أتباع ماركس قد طوروا هذا المفهوم للنقد ووسعوا نطاق استعماله، كل بحسب مجال تخصصه. بل منهم من اعتبر، في زمانه، أن الماركسية تمر من فترة عصيبة، وأنها توشك على توقيع نهايتها البئيسة، ما لم تجدد أسلوبها في ممارسة النقد؛ وذلك كان رأي لوسيان غولدمان.
سوف لن أجرد جميع ضروب النقد التي تتصل، بهذا الشكل أو ذاك، بالنموذج الماركسي؛ فذلك ليس مبتغانا من إنجاز هذه الورقة، والمقام لا يتسع لهذه المهمة على كل حال. لكنني لا أجد بدا من الوقوف عند ضرب من النقد، يتصل طبعا بالبراديغم النقدي كما وضعه ماركس، ويبتعد عنه، بهذا القدر أو ذاك، بحسب “طبيعة” المواضيع المطروقة والحاجة إلى تطوير أساليب تحليل علمية أكثر إحكاما. يتعلق الأمر بالسوسيولوجيا النقدية كما وضعها وطورها عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو. ولكن ليس للمكوث عندها وإعادة إنتاجها، بل، على العكس من ذلك، لإيجاد سبل لتجاوزها، وفتح أفق جديد للنقد. فماذا يمكن أن يعني النقد السوسيولوجي بعد بيير بورديو؟
تكمن أهمية هذه الورقة في فتح باب تقييم السوسيولوجيات الجديدة قياسا إلى الإرث النقدي الماركسي عموما. والمفتاحان المعدان لهذه المهمة هما الإبستيمولوجيا والإيتيقا.
قد لا يظهر في التأليف بين الإبستيمولوجيا والإيتيقا، للوهلة الأولى، أي باعث على التجديد، لاسيما بالنسبة لمن لا يعرف الكثير عن السوسيولوجيا الفرنسية، التي كان لها فضل كبير على السوسيولوجيا العربية لاسيما في شمال إفريقيا. غير أن التشديد على الطابع الوضعي و”العلموي” لهذه السوسيولوجيا (le scientisme)، وما ترتب عنه من مزاعم ودعاوى الفصل التام بين الإيتيقي والإبستيمولوجي، يجعل من هذا التأليف فتحا كبيرا، يسمح بتوضيب فضاء للنقاش العلمي الرصين، تجتمع فيه الأبعاد النقدية الأكثر إظهارا بالأبعاد الإيتيقية الأكثر إضمارا. علاوة على أنه يحررنا من التقليد النقدى كما طوره بيير بورديو، والذي ينحصر لديه في تفكيك خطاب الهيمنة، والكشف عن أشكال العنف الرمزي الثاوية خلف مزاعم العقلانية، إن على مستوى سير المؤسسات، أو على مستوى نظام الخطاب.
نقصد بالإيتيقي المجال الذي يتشكل من مجموع الأحكام القيمية المتجسدة في القواعد الاجتماعية وآداب المعاملات، التي تحدد ما ينبغي على الفرد أن يلتزم به داخل الجماعة، وما ينبغي عليه تركه والابتعاد عنه. غير أن مكونات هذا المجال وعناصره ليست أشياء تتخذ معانيها في استقلال عنا، بل ظواهر، بالمعنى الفينومينولوجي للكلمة، تستقي دلالتها الأولى من النحو الخاص الذي تقدم به نفسها لوعينا وتنفتح عليه (le mode de donation). هكذا تكف التفاوتات القيمية والتمايزات في حقل الإيتيقا عن أن تظهر وقائع قائمة بذاتها، لتصير سيرورات وعمليات تقييم وتثمين (valorisation) بما هي إضفاء قيمة على الأشياء والأحداث. والسؤال المطروح ههنا هو: إلى ماذا نرجع في تشكل قناعة لذينا ويقين بأن هذا الشيء، أو هذا الأمر أفضل من ذلك؟
اتخذ النقد الإيتيقي في ظل الهيمنة الماركسية عموما طابعا خارجيا، بالمعنى الذي يحيل فيه النقد على أفق يوتوبي ينطلق من نموذج لعالم مأمول، ليس هو القائم على أرض الواقع. بينما المطلوب أولا ممارسة نقد داخلي يتمثل في تفكيك التقاليد الأخلاقية القائمة بالفعل، والتي تحكم سير المجتمع ووظافته؛ وذلكم هو النقد بالمعنى الهيرمينوطيقي للكلمة. على أن التمييز بين النقدين يظل في نهاية المطاف أداة منهجية وتحليلية ذات قيمة كشفية تسمح بالانغماس في التقاليد والنبش في التراث، وفي نفس الوقت الانفتاح على المكبوت، الذي يتوارى إلى الخلف لأنه عجز عن مواجهة سلطان التقليد، أو لأنه، ببساطة، لم يُصَغْ بعدُ.
سوسيولوجي مغربي
رئيسية 








الرئيسية



