Quantcast
2026 سبتمبر 29 - تم تعديله في [التاريخ]

البوليساريو في نيويورك… بين دبلوماسية الصور وحقيقة المواقف

لقاءات مع الحلفاء القدامى لا تصنع اعترافًا جديدًا… ونيويورك لا تمنح صفة الدولة لمن لا يملكها


في نيويورك، تتصدر صور اللقاءات المشهد، بينما يُقاس أثرها بما يتغير في المواقف والقرارات

الكاتب بوشعيب حمراوي
الكاتب بوشعيب حمراوي
*بقلم: بوشعيب حمراوي*
في نيويورك، تكاثرت اللقاءات والصور، لكن الامتحان الدبلوماسي يبدأ بعد انطفاء الكاميرات: هل تغيّر موقف واحد، أم أن العلاقات القديمة ظهرت فقط أمام عدسات جديدة؟

انتهى الأسبوع رفيع المستوى للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، وبقيت الصور والبلاغات والتصريحات والأسئلة.

ومن بين أكثر الصور التي جرى تداولها تلك التي ظهر فيها مسؤولون من جبهة البوليساريو وهم يتحركون في نيويورك ويلتقون وزراء خارجية ومسؤولين أفارقة، وكأن مجرد الوصول إلى المدينة الأميركية والوقوف في محيط الأمم المتحدة يكفيان لإنتاج وضع دبلوماسي جديد.

لكن السياسة الدولية لا تُقاس بعدد الصور، ولا الاعتراف بالدول يُصنع أمام عدسات المصورين، ولا المواقف الدولية تتغير لمجرد أن مسؤولًا صافح مسؤولًا آخر على هامش الجمعية العامة.

والسؤال الذي يستحق أن يُطرح بعد انتهاء أسبوع نيويورك ليس: كم لقاء عقد محمد يسلم بيسط، ممثل جبهة الوهم؟ بل: ماذا تغير بعد تلك اللقاءات؟

فما أمكن توثيقه حتى الآن يفيد بأن بيسط التقى وزير خارجية ليسوتو، ووزير خارجية كوبا، والرئيس الأنغولي جواو لورينسو، ثم وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف. وهذه اللقاءات جرت على هامش أشغال الدورة، ولم تكن جلسات تفاوض أممية مدرجة في جدول أعمال الجمعية العامة. والأهم أن الدول المعنية ليست دولًا اكتشفت البوليساريو في نيويورك، ولا أعلنت بعد هذه اللقاءات تحولًا جديدًا في مواقفها؛ بل إن ليسوتو وكوبا وأنغولا معروفة منذ سنوات بمواقفها وصلاتها بهذا الملف.

وهنا يصبح السؤال مشروعًا: إذا كان بيسط يستطيع لقاء مسؤولي هذه الدول في عواصمهم، وبعضهم يلتقيه أصلًا خارج نيويورك، بل إن هناك من تكفي البوليساريو رحلة عبر الجمال لملاقاته في البلد الذي يرأسه، فما القيمة السياسية الإضافية للاجتماع بهم خلال أسبوع الأمم المتحدة، إن لم تكن لقاءات البهرجة و«إعمار الشوارج»، كما نقول نحن المغاربة؟

قد يكون الجواب في المكان بقدر ما هو في المضمون.

نيويورك في أسبوع الجمعية العامة أكبر مسرح دبلوماسي وإعلامي عالمي. آلاف الصحافيين، عشرات رؤساء الدول، مئات الوزراء والوفود، وصورة ملتقطة هناك يمكن أن تمنح لقاءً ثنائيًا عاديًا حجمًا إعلاميًا أكبر بكثير من حجمه السياسي الحقيقي.

وهذا لا يعني أن تلك اللقاءات بلا قيمة، لكنه يعني أن علينا التمييز بين دبلوماسية التواصل ودبلوماسية تغيير المواقف وشطحات البهلوانيين والكومبارسات بمحيط المسرح، وليس حتى داخله.

حتى الآن، لم يظهر فيما نُشر أن دولة محايدة غيرت موقفها لمصلحة البوليساريو بسبب لقاءات نيويورك، ولا أن دولة كانت تؤيد المقترح المغربي انتقلت إلى المعسكر المقابل. لذلك يبقى السؤال مفتوحًا: هل نحن أمام اختراق دبلوماسي جديد، أم أمام إعادة تقديم العلاقات القديمة في إطار إعلامي أكثر جاذبية؟

◊ لقاء الجزائر… ماذا احتاج إلى نيويورك؟

أما أكثر الاجتماعات إثارة للسؤال، فهو اللقاء الذي جمع محمد يسلم بيسط بأحمد عطاف، وزير الخارجية الجزائري.

وزارة الخارجية الجزائرية نفسها أعلنت أن اللقاء جرى ضمن سلسلة الاجتماعات التي عقدها عطاف على هامش الدورة، وأن الطرفين استعرضا تطورات قضية الصحراء والمسار الأممي، مع إعادة تأكيد الموقف الجزائري الداعم لتقرير المصير.

وهنا يصبح السؤال أكثر وضوحًا: ماذا كان يمكن أن يناقشه الرجلان في نيويورك ولا يستطيعان مناقشته في الجزائر؟

بل ماذا نسي «تبون وبن بطوش» من مخططات وبرامج قبل انتقال الوفدين إلى نيويورك؟

وفد رسمي لم يكن في مستوى الرسمية، بمداخلة رئيسه المشبعة بالترافع التافه عن وهم ماضٍ إلى الزوال. ووفد حاول الظهور بجلباب الرسمية، وقد اعتاد التسلل بهويات مزيفة وصفات تبرأت منها الأمم المتحدة والولايات المتحدة، صاحبة الدار ومالكة مفاتيح الأبواب التي ولج منها هذا الوهم متفرقًا، قبل أن يجمعهم فندق ومخطط فاشل.

الجزائر تستضيف قيادة البوليساريو ومخيمات تندوف فوق أرض تندوف المغربية المحتلة، والتشاور بين الطرفين ليس حدثًا استثنائيًا ولا يحتاج إلى عبور المحيط الأطلسي لكي يحدث. لذلك قد يكون الجديد الحقيقي في اللقاء ليس محتوى موضوعه، بل صورته ومكانه وتوقيته.

وإن كانت الجزائر تسعى إلى أن يرى العالم كله، من قلب العاصمة الأميركية، أنها مع البوليساريو، فإن سعيها يبرز مدى فشلها في تدبير هذا الملف الذي صنعته الحرب الباردة. وتلقفه نظام أحمق ليجعل منه مفتاحًا لغزواته الداخلية التي أفقرت شعبًا أرضه غنية بالنفط والغاز والحديد.

ليس من الإنصاف القول إن اللقاء كان فارغًا؛ فنحن لا نعرف ما دار خلف الأبواب المغلقة. لكن من حق الصحافة أن تسأل: ما الذي أنتجه اللقاء من جديد؟ وهل تغيرت بعده معادلة واحدة في الملف؟

لأن الابتسامات والتقاط الصور لا تكفي جوابًا.

◊ المفروض أن عطاف لم يذهب إلى نيويورك من أجل المغرب وحده…

والبيان الرسمي الجزائري الذي سبق مشاركة عطاف لم يقل إنه توجه إلى نيويورك من أجل مواجهة المغرب أو الطعن في مغربية الصحراء. على العكس، أعلنت الخارجية الجزائرية أن برنامج الوزير يشمل القضية الفلسطينية والشرق الأوسط، والسلم والأمن في إفريقيا، والتنمية، والمناخ، والتحول الرقمي، والاجتماعات العربية والإفريقية والإسلامية ومجموعة الـ77 والصين.

وفي خطابه أمام الجمعية العامة يوم 28 شتنبر، تحدث عطاف عن إصلاح الأمم المتحدة، وفلسطين والشرق الأوسط، وإفريقيا، وليبيا والتنمية، إلى جانب قضية الصحراء. لكن يمكننا أن نسأل عن المساحة السياسية التي منحها لهذا الملف، وأن نعيد الإنصات لنكتشف كيف يمر بشكل عادي عند الحديث عن تلك الملفات، وكيف تتغير النبرة وتزداد الحدة عند الحديث عن قضية الصحراء المغربية، بل كيف يتلعثم عند الحديث عن حقوق كيان غير كائن أصلًا، إلا في أجندة نظام عسكري جائر…

فالصحراء لم تحضر فقط في خطابه؛ حضرت كذلك في بعض لقاءاته الثنائية. الخارجية الجزائرية أعلنت أن عطاف ووزير خارجية ليسوتو جددا موقفيهما المؤيدين لتقرير المصير، كما ناقش عطاف الملف مع وزير خارجية أنغولا، ومع نظيره الروسي سيرغي لافروف، ثم عقد لقاءً خاصًا مع بيسط.

وهذا يجعل السؤال مشروعًا: وسط عالم مشتعل بالحروب والأزمات الإنسانية ومشاكل الساحل وليبيا والسودان والشرق الأوسط، لماذا يظل ملف الصحراء حاضرًا بهذه الكثافة، مهيمنًا على التحرك الدبلوماسي الجزائري؟

للجزائر الحق في تحديد سياستها الخارجية والدفاع عن المواقف التي تتبناها، مثلما للمغرب الحق في الدفاع عن وحدته الترابية ومقترحه للحكم الذاتي. لكن من حق المتابع أيضًا أن يقارن بين حجم الاستثمار السياسي والدبلوماسي في قضية جار حول موضوع يخص سيادته، وبين حجم الانشغال بالتحديات المباشرة التي تواجه المنطقة. علمًا أن النظام الجزائري يدعي دائمًا أنه ليس طرفًا في النزاع المفتعل… والكل يرى ويتابع أنه ليس طرفًا فقط؛ هو من صنع النزاع مع رفاق الحرب الباردة بالمعسكر الشرقي، وهو من تبناه ونسي أبناءه.

◊ الحضور والتسلل إلى دواليب الأمم المتحدة لا يعني الاعتراف

تأتي المسألة التي رافقت وصول مسؤولي البوليساريو إلى نيويورك: هل يعني دخولهم الولايات المتحدة وحضورهم في مقر الأمم المتحدة أن واشنطن أو الأمم المتحدة اعترفت بما يسمى «الجمهورية الصحراوية»؟

الجواب القانوني أبسط من كل الضجيج. فالأمم المتحدة تسجل دولتين غير عضوين فقط تتمتعان بصفة دولة مراقب دائم في الجمعية العامة: الكرسي الرسولي ودولة فلسطين. ولا تظهر «الجمهورية الصحراوية الوهمية» ضمن هذه الفئة. كما أن اعتماد وفود الدول لدى الجمعية العامة يخضع لقواعد أوراق الاعتماد الرسمية المنصوص عليها في النظام الداخلي للجمعية.

وجود ممثلي البوليساريو في نيويورك أو دخولهم مبنى الأمم المتحدة لا يجعل منهم، تلقائيًا، وفد دولة عضو أو دولة مراقب.

بل حتى ما يسمى بوكالة البوليساريو نفسها استعملت في نسختها الإنجليزية عند بداية الأسبوع تعبيرًا يفيد بأن الوفد يواكب أشغال الدورة، وليس أنه وفد دولة عضو مشارك فيها.

وهذا فرق ليس لغويًا فقط، بل سياسي وقانوني.

ولا يزال حتى الآن غائبًا أي دليل رسمي يثبت نوع التأشيرة التي استعملها بيسط أو جواز السفر الذي دخل به الولايات المتحدة. لذلك لا يمكن نفي الادعاءات التي تتحدث عن دخوله بجواز جزائري أو باسم آخر. إذن…

كما أن باقي أعضاء الوفد كانوا هناك قبل شهر أو أشهر حتى… جلسوا بمحيط البيت الأبيض يتوهمون إقناع من لا يمكن إقناعه بالوهم… يبحثون عن أي مسؤول أو سياسي، جمهوري أو ديمقراطي، أو حتى أي أميركي كان يمكن أن يلتقط معهم صورة… يحاولون رمي شباكهم، تارة بالتسول وتارة بالتوسل… لكن الحصيلة كانت فارغة…

◊ وماذا عن الموقف الأميركي؟

الأكثر أهمية أن وجود البوليساريو في نيويورك لم يترافق مع إعلان أميركي عن تغيير الموقف من القضية.

بل خلال الأسبوع نفسه، وبعد لقاء ناصر بوريطة بنائب وزير الخارجية الأميركي كريستوفر لاندو في نيويورك، جدد المسؤول الأميركي الحديث عن التعاون والتنمية في الصحراء تحت السيادة المغربية، وهو امتداد للموقف الأميركي القائم منذ الاعتراف الذي أعلنته واشنطن في 2020.

وهنا تظهر إحدى أكبر مغالطات حرب الصور: السماح لشخص بدخول الولايات المتحدة أو بحضور نشاط في محيط الأمم المتحدة لا يعني أن واشنطن اعترفت بالوهم الذي يقول إنه يمثله. لم يستوعب هؤلاء وأولئك بعد أن الدبلوماسية أعقد من ذلك بكثير.

◊ خلاصة الكلام…

النجاح الحقيقي هو: أي موقف تغير؟ وأي دولة ابتعدت عن المقترح المغربي؟ وأي صياغة دولية تطورت؟ وأي قرار جديد صدر؟

فالملف يتجه الآن إلى محطة أكتوبر، حيث تستمر مناقشته في اللجنة الرابعة، ثم يقترب موعد مجلس الأمن، في وقت تنتهي فيه الولاية الحالية للمينورسو في 31 أكتوبر 2026 بموجب القرار 2797. القرار الذي حسم في السيادة، ولم يتبقَّ إلا طريقة تنفيذ الحكم الذاتي المغربي.

وهنا ستتراجع قيمة الصور، وستبدأ لغة النصوص والقرارات.

مجلس الأمن لا يصوت على الابتسامات.

ولا يعتمد البيانات الصحفية ولا ألبومات الصور.

هناك، يُقرأ كل حرف.

◊ نيويورك انتهت… والامتحان الحقيقي يبدأ الآن

لقد منح أسبوع نيويورك البوليساريو صورًا ولقاءات مع أطراف تعرفها منذ زمن. ومنح الجزائر فرصة لتكرار موقفها أمام العالم. ومنح المغرب بدوره فرصة لتثبيت علاقاته وحشد مواقفه قبل استحقاقات أكتوبر.

لكن لا ينبغي الخلط بين الحضور والاعتراف، وبين اللقاء والتحول في الموقف، وبين صورة أمام مقر الأمم المتحدة أو داخله وبين صفة قانونية داخل الأمم المتحدة.

وطبعًا، فشهر أكتوبر سيكون شهرًا أقل صخبًا في الصور… لكنه أكثر أهمية بكثير في الوثائق والقرارات التي لن تزيح عن المقترح المغربي، الذي بات الأكثر مصداقية ومشروعية من طرف كبار العالم.

في نيويورك، تتصدر صور اللقاءات المشهد، بينما يُقاس أثرها بما يتغير في المواقف والقرارات
في نيويورك، تتصدر صور اللقاءات المشهد، بينما يُقاس أثرها بما يتغير في المواقف والقرارات

              















MyMeteo




Facebook
YouTube
Newsletter
Rss

الاشتراك بالرسالة الاخبارية
أدخل بريدك الإلكتروني للتوصل بآخر الأخبار