تجارة خلف الستار… وصخب إعلامي يستهدف المغرب
*بقلم: بوشعيب حمراوي*
هل تتم المبادلات التجارية المسجلة بين الجزائر وإسرائيل، التي تجاوزت قيمتها 34 مليون دولار خلال سنة 2025، عبر شركات ومتعاملين اقتصاديين مستقلين، أم أن وراءها، في الكواليس، جنرالات أو شبكات مصالح نافذة مرتبطة بدوائر القرار السياسي والعسكري الجزائري، التي ظلت لعقود تتمتع بنفوذ واسع في تدبير شؤون البلاد وتوجيه اختياراتها الاستراتيجية؟ ومن يملك سلطة السماح بخروج هذه المواد؟ ومن يقبض عائداتها؟ وهل تعرف المؤسسات الجزائرية المدنية حقيقة الجهات المستفيدة من تلك المبادلات، أم أن هناك معاملات تتم عبر وسطاء وشركات وبلدان ثالثة، بعيداً عن أعين الرأي العام؟
ثم ماذا عن طبيعة المواد التي تستوردها إسرائيل، والمسجلة على أنها قادمة من الجزائر؟ وأين تُستعمل؟ وهل تدخل حصرياً في الصناعات المدنية، أم أن بعضها قد يصل إلى منشآت صناعية مرتبطة بإنتاج المعدات العسكرية والتجهيزات الإلكترونية والأسلحة التي تُستخدم في الحرب على الفلسطينيين؟
إنها أسئلة لا تتضمن حكماً مسبقاً بوجود تورط عسكري جزائري في هذه التجارة، ولا اتهاماً ثابتاً لأي مسؤول أو مؤسسة، لكنها تستدعي تحقيقاً مستقلاً في هوية الشركات والوسطاء والمستفيدين، خصوصاً أن الجزائر تعلن رسمياً رفض التطبيع مع إسرائيل، بينما تسجل قواعد البيانات التجارية الدولية واردات إسرائيلية من الجزائر بملايين الدولارات.
والأغرب أن بعض المنابر الإعلامية الجزائرية، التي لا تكاد تتوقف عن مهاجمة المغرب بسبب علاقاته المعلنة مع إسرائيل، لم تُظهر الحماسة نفسها لفتح ملفات التجارة المسجلة باسم بلادها، أو لتتبع مسارات الأموال والبضائع، ومعرفة ما إذا كانت هناك مصالح اقتصادية خاصة تستفيد من معاملات لا تجد مكاناً في الخطاب السياسي الموجه إلى الجزائريين.
فمن كان بيته من زجاج، عليه أن يتجنب رمي بيوت الناس بالحجارة، ومن يريد محاسبة المغرب باسم فلسطين، عليه أن يمتلك الشجاعة نفسها لفتح أرشيف الجزائر، والبحث داخل جلبابها، ومساءلة أصحاب القرار فيها.
◆ 34 مليون دولار من الجزائر إلى إسرائيل… ماذا تقول الأرقام؟
وفق البيانات المنشورة في قواعد التجارة الدولية المستندة إلى إحصاءات الأمم المتحدة «UN Comtrade»، سجلت إسرائيل واردات من الجزائر بلغت قيمتها 34.41 مليون دولار خلال سنة 2025، مقابل 32.29 مليون دولار سنة 2024، و33.52 مليون دولار سنة 2023.
وليست هذه الأرقام صادرة عن صحيفة مغربية تبحث عن مادة لمهاجمة الجزائر، وإنما هي بيانات تجارية منسوبة إلى التصريحات الجمركية الإسرائيلية، ويمكن الرجوع إليها عبر منصات دولية متخصصة.
وتُصنَّف واردات سنة 2025 ضمن المواد الكيميائية غير العضوية، وبالتحديد فئة تشمل الهيدروجين والغازات النادرة واللافلزات الأخرى، وهي مواد ذات استعمالات صناعية متعددة، قد تدخل بعض أصنافها في قطاعات الإلكترونيات والطاقة والتجهيزات الطبية، كما أن بعض المواد من هذه الفئات قد تكون لها تطبيقات مزدوجة، مدنية وعسكرية.
لكن التصنيف الجمركي العام لا يسمح بتحديد المادة الدقيقة، ولا درجة نقاوتها، ولا الشركة المنتجة أو المشتري النهائي، كما لا يثبت أن البضاعة صُدِّرت مباشرة من شركة جزائرية إلى شركة إسرائيلية، لأن المعاملات الدولية قد تمر عبر وسطاء ومسارات تجارية متعددة.
وهنا يطرح السؤال نفسه بإلحاح: لماذا لا تطالب الصحافة الجزائرية بكشف أسماء المتعاملين الاقتصاديين، وفواتير العمليات، وبيانات الشحن، وشهادات المنشأ والمستخدم النهائي، حتى يعرف الشعب الجزائري ما إذا كانت هناك بضائع مرتبطة باقتصاد بلاده تصل إلى إسرائيل، وكيف تصل، ومن يستفيد منها؟
والأكثر أهمية، هل تستطيع الجهات الجزائرية المختصة التأكيد، بالوثائق لا بالشعارات، أن هذه المواد لا تدخل ضمن سلاسل التوريد الخاصة بالصناعات العسكرية الإسرائيلية؟
◆ من عهد الشاذلي إلى بوتفليقة… علاقات لها تاريخ
لنعد قليلاً إلى الوراء، لنكتشف أن الحديث عن اتصالات جزائرية إسرائيلية ليس وليد سنة 2025، ولا نتيجة تطور حديث في العلاقات الإقليمية، بل يعود إلى عقود سابقة، وتحديداً إلى ثمانينيات القرن الماضي.
فقد كشفت صحيفة «لوموند» الفرنسية، في تحقيق نشرته يوم الأول من غشت 1999، أن اتصالات غير معلنة جرت بين ممثل جزائري رفيع المستوى وشمعون بيريز، خلال الفترة الممتدة بين 1986 و1988، عندما كان بيريز وزيراً للخارجية الإسرائيلية، وذلك وفق شهادة السفير الإسرائيلي السابق في باريس، عوفاديا سوفير، الذي تحدث عن لقاءات كان الهدف منها بحث إمكان قيام الجزائر بدور في جهود السلام بالشرق الأوسط.
ثم انتقلت الاتصالات، بحسب التحقيق نفسه، إلى المجال التجاري خلال سنة 1994، عندما زار وفد إسرائيلي مرتبط بالقطاع الصحي الجزائر، في إطار البحث عن إمكانية تزويدها بأدوية ومعدات طبية، قبل أن تُبرم طلبية شملت عشرة آلاف اختبار للحمل، بقيمة 11.34 دولاراً للوحدة الواحدة.
والأكثر إثارة في رواية الصحيفة أن هذه العملية مرت عبر شركة إسرائيلية وسيطة، وأن المنتجات أُعيد تغليفها لتظهر باعتبارها فرنسية المصدر، مع شحنها من مرسيليا.
وتحدث التحقيق كذلك عن توسع التعاملات لتشمل مضادات حيوية وتجهيزات طبية ومعدات للمستشفيات، وهي معلومات تستوجب التعامل معها باعتبارها معطيات منشورة في تحقيق صحفي، لا عقوداً أصلية تم التحقق منها بصورة مستقلة.
لكن السؤال هنا لا يتعلق فقط بصحة كل تفصيل من تفاصيل هذه العمليات، وإنما أيضاً بسبب غياب تحقيقات جزائرية واسعة تعود إلى هذا الأرشيف، وتكشف للرأي العام ما إذا كانت تلك التعاملات جرت بعلم السلطات السياسية والعسكرية، ومن أشرف عليها، ومن استفاد منها.
◆ مصافحة بوتفليقة لباراك… واللقاء الذي احتضنته الرباط
في الخامس والعشرين من يوليوز 1999، وخلال جنازة الملك الراحل الحسن الثاني بالعاصمة المغربية الرباط، التقى الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة برئيس الحكومة الإسرائيلية إيهود باراك، في مشهد التقطته وسائل الإعلام الدولية، واستمر اللقاء نحو سبع دقائق.
ولم يكن الأمر مجرد مصافحة عابرة، فقد عاد بوتفليقة بنفسه إلى الحديث عن اللقاء خلال مؤتمر صحفي بمقر الأمم المتحدة يوم 22 شتنبر 1999، مؤكداً أنه ناقش مع باراك شروط بحث إقامة العلاقات الدبلوماسية، وربط ذلك بانسحاب إسرائيل من الجولان وتمكين الفلسطينيين من إقامة دولتهم.
وهكذا، كانت الرباط نفسها، التي تتعرض اليوم لانتقادات جزائرية مستمرة بسبب علاقاتها بإسرائيل، شاهدة على لقاء علني بين رئيس جزائري ورئيس حكومة إسرائيلية، قبل أكثر من عشرين سنة من استئناف المغرب علاقاته الدبلوماسية مع تل أبيب.
ولم يتوقف المسار عند ذلك الحد، إذ نشرت «لوموند»، يوم التاسع من دجنبر 1999، تحقيقاً آخر تحدث عن زيارة وفد إسرائيلي من خمسة أشخاص للجزائر خلال شهر أكتوبر من السنة نفسها، وعن لقاءات مع مسؤولين ومستشارين جزائريين تناولت إمكان فتح مكاتب تمثيلية متبادلة، ومجالات التعاون الاقتصادي والأمني.
واللافت أن التحقيق تحدث كذلك، استناداً إلى الرواية الإسرائيلية، عن لقاء أعضاء الوفد بجنرالات جزائريين أبدوا اهتماماً بطبيعة العلاقات السياسية والعسكرية التي كانت تجمع إسرائيل بتركيا.
وهنا تظهر أهمية التمييز بين الوقائع، فتلك اللقاءات المبلغ عنها لا تثبت تورط جنرالات في التجارة المسجلة سنة 2025، لكنها تطرح كذلك أسئلة تاريخية تستحق البحث بشأن موقع المؤسسة العسكرية الجزائرية من الاتصالات غير المعلنة مع إسرائيل.
وفي يونيو 2000، زار صحافيون وأكاديميون جزائريون إسرائيل بدعوة من وزارة خارجيتها، وأثارت الزيارة احتجاجات واسعة داخل الجزائر، إلى درجة أن بوتفليقة نفسه أدانها بشدة، رغم أنه كان قد التقى باراك قبل أقل من سنة.
أليس هذا التاريخ جديراً بأن يُفتح ويُناقش، بدل التصرف وكأن العلاقات الجزائرية الإسرائيلية لم تعرف يوماً اتصالاً سياسياً أو اقتصادياً أو إعلامياً؟
◆ تبون واستعداد التطبيع… ماذا تغير؟
الأمر الأكثر وضوحاً جاء من الرئيس عبد المجيد تبون نفسه، الذي أعلن في حوار مع صحيفة «لوبينيون» الفرنسية، نُشر في الثاني من فبراير 2025، أن الجزائر ستكون مستعدة لتطبيع علاقاتها مع إسرائيل بمجرد قيام دولة فلسطينية.
وقد نقلت وسائل إعلام جزائرية رسمية مضمون التصريح، بما فيها الإذاعة الجزائرية، وهو ما يجعله موقفاً سياسياً معلناً، لا تسريباً مجهول المصدر.
وبذلك، فإن الحديث عن استعداد جزائري مشروط للتطبيع ليس اتهاماً صادراً عن المغرب، وإنما تصريح صادر عن أعلى سلطة سياسية في الجزائر.
صحيح أن هناك فرقاً واضحاً بين الجزائر، التي لا تقيم علاقات دبلوماسية رسمية مع إسرائيل، والمغرب الذي استأنف تلك العلاقات سنة 2020، لكن هذا الاختلاف لا يمنع مساءلة ازدواجية الخطاب الإعلامي الذي يقدم التطبيع المشروط عند تبون باعتباره موقفاً دبلوماسياً مشروعاً، بينما يصف العلاقات المغربية الإسرائيلية بأشد العبارات الاتهامية.
فهل يتغير الحكم على العلاقات مع إسرائيل بحسب جنسية المسؤول الذي يتحدث عنها، أم بحسب طبيعة العلاقة ومضمونها وتأثيرها على الحقوق الفلسطينية؟
◆ المغرب ليس الجزائر… واليهود المغاربة جزء من الوطن
هناك حقيقة تاريخية ودستورية وإنسانية ينبغي أن يدركها الذين يتعاملون مع العلاقات المغربية الإسرائيلية وكأنها مجرد قرار سياسي منفصل عن تاريخ المملكة، وهي أن المغرب ليس في الوضع نفسه الذي توجد فيه الجزائر أو دول أخرى، لأنه بلد يحتفظ بعلاقة تاريخية عميقة مع مواطنيه اليهود، ومع جاليات واسعة من اليهود ذوي الأصول المغربية المقيمين في إسرائيل وخارجها.
لقد عاش اليهود في المغرب قروناً طويلة، وساهموا في بناء ثقافته واقتصاده وحرفه وفنونه وذاكرته الجماعية، وكانت المملكة تحتضن ما بين 250 ألفاً و300 ألف يهودي في أواخر أربعينيات القرن الماضي، قبل أن يهاجر معظمهم إلى إسرائيل ودول أخرى، بينما بقيت جماعة يهودية أصغر داخل المغرب، واستمرت الروابط العائلية والثقافية والدينية بين المغرب ومهاجريه وأحفادهم.
ولم يكتف المغرب باستحضار هذا التاريخ في الخطب والمناسبات، بل نص دستور 2011 صراحة على الرافد العبري بوصفه أحد الروافد التي أغنت الهوية الوطنية المغربية، إلى جانب روافدها العربية الإسلامية والأمازيغية والصحراوية الحسانية والإفريقية والأندلسية والمتوسطية.
وهذه خصوصية لا يجوز تجاهلها عند قراءة العلاقة المغربية بإسرائيل، لكنها لا تعني أن كل يهودي من أصول مغربية يحمل الجنسية المغربية بالضرورة، ولا أن الروابط العائلية والدينية تفرض تلقائياً اتفاقيات سياسية أو عسكرية بعينها.
فاليهودية دين وانتماء ثقافي وتاريخي، والصهيونية حركة سياسية لها توجهات متعددة، أما الحكومة الإسرائيلية والجيش الإسرائيلي فهما مؤسستان تتحملان مسؤولية قراراتهما وأفعالهما، ولا يجوز تحميل اليهود، بصفتهم الدينية، مسؤولية الجرائم والانتهاكات المرتكبة ضد الفلسطينيين.
وليس كل اليهود صهاينة، وليس كل يهودي مؤيداً لسياسات الحكومة الإسرائيلية، كما أن بين اليهود في إسرائيل وخارجها أصواتاً تعارض الاحتلال والاستيطان والحروب، وتدافع عن الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.
وإذا كان المغرب حريصاً على روابطه التاريخية والإنسانية مع اليهود المغاربة، فإن ذلك لا يلزمه بتبرير أي اعتداء على الفلسطينيين، ولا يسقط حق المغاربة في انتقاد العلاقات الحكومية والاتفاقيات الاقتصادية والعسكرية ومساءلتها.
◆ المغرب وفلسطين… الدولة المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية
ومن أكبر المغالطات تقديم العلاقات المغربية الإسرائيلية باعتبارها تخلياً مغربياً عن القضية الفلسطينية، بينما تؤكد المواقف الرسمية للمملكة تمسكها بحق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة ذات السيادة، على أساس حدود الرابع من يونيو 1967، وعاصمتها القدس الشرقية.
وهو الموقف الذي يستند إلى المرجعيات الدولية ومبادرة السلام العربية المعتمدة في قمة بيروت سنة 2002.
ويتولى الملك محمد السادس رئاسة لجنة القدس التابعة لمنظمة التعاون الإسلامي، كما تواصل وكالة بيت مال القدس الشريف تنفيذ مشاريع اجتماعية وتنموية موجهة إلى السكان الفلسطينيين في القدس، فضلاً عن المواقف الدبلوماسية المغربية المؤيدة لحل الدولتين.
وقد جدد المغرب تأكيد موقفه في مناسبات مختلفة، داعياً إلى إقامة دولة فلسطينية مستقلة وقابلة للحياة، تعيش إلى جانب إسرائيل في أمن وسلام، وفق المرجعيات الدولية المعتمدة.
وهنا يلتقي المطلب المغربي الرسمي مع المطلب الذي ترفعه الجزائر ودول عربية وإسلامية أخرى بشأن حق الفلسطينيين في دولتهم المستقلة، وإن اختلفت السياسات والأساليب الدبلوماسية المعتمدة لتحقيق ذلك.
ولا تعني هذه الثوابت أن كل ما يرتبط بعلاقات المغرب مع إسرائيل محصن من النقد، أو أن الشعب المغربي لا يحق له الاعتراض على تعاون اقتصادي أو عسكري بعينه، فهذه قضايا مشروعة للنقاش والمساءلة، لكنها لا تبرر اتهام المغرب بالتخلي عن فلسطين لمجرد أنه يحتفظ بعلاقات دبلوماسية مع إسرائيل.
فالتضامن مع الفلسطينيين لا يحتكره نظام سياسي، ولا يثبت بمجرد الشعارات، ولا يسقط تلقائياً بوجود علاقة دبلوماسية، بل يُقاس أيضاً بالمواقف العملية واحترام القانون الدولي والجهود المبذولة لإنهاء الاحتلال وحماية المدنيين.
◆ من يملك الجرأة والشجاعة لفتح دفاتر التجارة الجزائرية؟
إذا كان الإعلام الجزائري الذي ينتقد المغرب باستمرار بسبب التطبيع يريد أن يقدم نفسه مدافعاً عن فلسطين، فإن واجبه المهني يفرض عليه أولاً أن يبحث عن حقيقة الواردات الإسرائيلية المسجلة من الجزائر، وأن يسأل عن الجهات التي تصدرها أو تتوسط في وصولها، وأن يحدد طبيعتها واستعمالاتها النهائية.
وعليه كذلك أن يفتح الأرشيف السياسي الذي يوثق اتصالات الثمانينيات والتسعينيات، وأن يعود إلى تحقيقات «لوموند»، وإلى لقاء بوتفليقة وباراك، وإلى الوفود التي زارت البلدين، وإلى تصريحات تبون بشأن التطبيع المشروط.
أما المؤسسة العسكرية الجزائرية، التي لعبت تاريخياً دوراً مؤثراً في الحياة السياسية، فمن المشروع أن تُطرح بشأنها أسئلة الرقابة والشفافية، لكن من غير المشروع تحويل نفوذها السياسي إلى دليل تلقائي على استفادة قادتها من المعاملات التجارية مع إسرائيل دون وثائق.
فإن كانت تلك المبادلات مشروعة وقانونية وتمر عبر مسارات تجارية عادية، فمن حق الجزائريين معرفة ذلك، وإن كانت تنطوي على مصالح خفية أو تحايل على القوانين أو استخدامات عسكرية محظورة، فإن كشفها يصبح واجباً مضاعفاً.
والصحافة المهنية هي التي تبحث في الاحتمالين، ولا تختار النتيجة قبل التحقيق.
إن الشعب الجزائري الشقيق، الذي عُرف تاريخياً بتضامنه مع الشعب الفلسطيني، ليس مسؤولاً عن أي معاملة لا يعرف تفاصيلها، ولا يجوز تحميله مسؤولية قرارات المؤسسات أو تصرفات الشركات والمتعاملين الاقتصاديين، كما أن نقد بعض المنابر الإعلامية الجزائرية لا يعني الطعن في جميع الصحافيين الجزائريين، وبينهم من يدافعون عن استقلالية المهنة رغم صعوبة الظروف.
لكن السؤال يظل قائماً: لماذا تُخصص ساعات طويلة لتجريم العلاقات المغربية الإسرائيلية، بينما لا تُخصص الجهود نفسها لكشف حقيقة العلاقات والاتصالات والتبادلات التي عرفتها الجزائر مع إسرائيل عبر العقود؟
إن الدفاع عن فلسطين لا يكون برجم المغرب بالكلمات، ولا بإخفاء الأسئلة المحرجة داخل الجزائر، ولا بتوزيع شهادات الوطنية والخيانة، وإنما بالمواقف الصادقة والشفافية والمساءلة واحترام الحقائق، أياً كانت الدولة التي تتعلق بها.
ومن كان بيته من زجاج، فالأجدر به أن يبدأ بإصلاح نوافذه قبل أن يرمي بيوت الجيران بالحجارة.
أما من يقضي أيامه ولياليه في البحث عن علاقات المغرب بإسرائيل، فعليه أولاً أن يفتح دفاتر بلاده، وأن يسأل من يبيع ولمن، ومن يقبض الأموال، ومن يقف وراء الصفقات، وإلى أين تصل المواد، وهل يمكن أن تنتهي بعض تلك البضائع في صناعات تُستخدم ضد الشعب الفلسطيني الذي يرفع الجميع راية الدفاع عنه؟
فالقضية الفلسطينية أكبر من الخصومات المغربية الجزائرية، والحقيقة لا وطن لها عندما يتعلق الأمر بحق الشعوب في المعرفة والمساءلة، والصحافة التي تخاف البحث داخل بيتها لا تملك المصداقية الأخلاقية لكي تحاكم بيوت الآخرين.
هل تتم المبادلات التجارية المسجلة بين الجزائر وإسرائيل، التي تجاوزت قيمتها 34 مليون دولار خلال سنة 2025، عبر شركات ومتعاملين اقتصاديين مستقلين، أم أن وراءها، في الكواليس، جنرالات أو شبكات مصالح نافذة مرتبطة بدوائر القرار السياسي والعسكري الجزائري، التي ظلت لعقود تتمتع بنفوذ واسع في تدبير شؤون البلاد وتوجيه اختياراتها الاستراتيجية؟ ومن يملك سلطة السماح بخروج هذه المواد؟ ومن يقبض عائداتها؟ وهل تعرف المؤسسات الجزائرية المدنية حقيقة الجهات المستفيدة من تلك المبادلات، أم أن هناك معاملات تتم عبر وسطاء وشركات وبلدان ثالثة، بعيداً عن أعين الرأي العام؟
ثم ماذا عن طبيعة المواد التي تستوردها إسرائيل، والمسجلة على أنها قادمة من الجزائر؟ وأين تُستعمل؟ وهل تدخل حصرياً في الصناعات المدنية، أم أن بعضها قد يصل إلى منشآت صناعية مرتبطة بإنتاج المعدات العسكرية والتجهيزات الإلكترونية والأسلحة التي تُستخدم في الحرب على الفلسطينيين؟
إنها أسئلة لا تتضمن حكماً مسبقاً بوجود تورط عسكري جزائري في هذه التجارة، ولا اتهاماً ثابتاً لأي مسؤول أو مؤسسة، لكنها تستدعي تحقيقاً مستقلاً في هوية الشركات والوسطاء والمستفيدين، خصوصاً أن الجزائر تعلن رسمياً رفض التطبيع مع إسرائيل، بينما تسجل قواعد البيانات التجارية الدولية واردات إسرائيلية من الجزائر بملايين الدولارات.
والأغرب أن بعض المنابر الإعلامية الجزائرية، التي لا تكاد تتوقف عن مهاجمة المغرب بسبب علاقاته المعلنة مع إسرائيل، لم تُظهر الحماسة نفسها لفتح ملفات التجارة المسجلة باسم بلادها، أو لتتبع مسارات الأموال والبضائع، ومعرفة ما إذا كانت هناك مصالح اقتصادية خاصة تستفيد من معاملات لا تجد مكاناً في الخطاب السياسي الموجه إلى الجزائريين.
فمن كان بيته من زجاج، عليه أن يتجنب رمي بيوت الناس بالحجارة، ومن يريد محاسبة المغرب باسم فلسطين، عليه أن يمتلك الشجاعة نفسها لفتح أرشيف الجزائر، والبحث داخل جلبابها، ومساءلة أصحاب القرار فيها.
◆ 34 مليون دولار من الجزائر إلى إسرائيل… ماذا تقول الأرقام؟
وفق البيانات المنشورة في قواعد التجارة الدولية المستندة إلى إحصاءات الأمم المتحدة «UN Comtrade»، سجلت إسرائيل واردات من الجزائر بلغت قيمتها 34.41 مليون دولار خلال سنة 2025، مقابل 32.29 مليون دولار سنة 2024، و33.52 مليون دولار سنة 2023.
وليست هذه الأرقام صادرة عن صحيفة مغربية تبحث عن مادة لمهاجمة الجزائر، وإنما هي بيانات تجارية منسوبة إلى التصريحات الجمركية الإسرائيلية، ويمكن الرجوع إليها عبر منصات دولية متخصصة.
وتُصنَّف واردات سنة 2025 ضمن المواد الكيميائية غير العضوية، وبالتحديد فئة تشمل الهيدروجين والغازات النادرة واللافلزات الأخرى، وهي مواد ذات استعمالات صناعية متعددة، قد تدخل بعض أصنافها في قطاعات الإلكترونيات والطاقة والتجهيزات الطبية، كما أن بعض المواد من هذه الفئات قد تكون لها تطبيقات مزدوجة، مدنية وعسكرية.
لكن التصنيف الجمركي العام لا يسمح بتحديد المادة الدقيقة، ولا درجة نقاوتها، ولا الشركة المنتجة أو المشتري النهائي، كما لا يثبت أن البضاعة صُدِّرت مباشرة من شركة جزائرية إلى شركة إسرائيلية، لأن المعاملات الدولية قد تمر عبر وسطاء ومسارات تجارية متعددة.
وهنا يطرح السؤال نفسه بإلحاح: لماذا لا تطالب الصحافة الجزائرية بكشف أسماء المتعاملين الاقتصاديين، وفواتير العمليات، وبيانات الشحن، وشهادات المنشأ والمستخدم النهائي، حتى يعرف الشعب الجزائري ما إذا كانت هناك بضائع مرتبطة باقتصاد بلاده تصل إلى إسرائيل، وكيف تصل، ومن يستفيد منها؟
والأكثر أهمية، هل تستطيع الجهات الجزائرية المختصة التأكيد، بالوثائق لا بالشعارات، أن هذه المواد لا تدخل ضمن سلاسل التوريد الخاصة بالصناعات العسكرية الإسرائيلية؟
◆ من عهد الشاذلي إلى بوتفليقة… علاقات لها تاريخ
لنعد قليلاً إلى الوراء، لنكتشف أن الحديث عن اتصالات جزائرية إسرائيلية ليس وليد سنة 2025، ولا نتيجة تطور حديث في العلاقات الإقليمية، بل يعود إلى عقود سابقة، وتحديداً إلى ثمانينيات القرن الماضي.
فقد كشفت صحيفة «لوموند» الفرنسية، في تحقيق نشرته يوم الأول من غشت 1999، أن اتصالات غير معلنة جرت بين ممثل جزائري رفيع المستوى وشمعون بيريز، خلال الفترة الممتدة بين 1986 و1988، عندما كان بيريز وزيراً للخارجية الإسرائيلية، وذلك وفق شهادة السفير الإسرائيلي السابق في باريس، عوفاديا سوفير، الذي تحدث عن لقاءات كان الهدف منها بحث إمكان قيام الجزائر بدور في جهود السلام بالشرق الأوسط.
ثم انتقلت الاتصالات، بحسب التحقيق نفسه، إلى المجال التجاري خلال سنة 1994، عندما زار وفد إسرائيلي مرتبط بالقطاع الصحي الجزائر، في إطار البحث عن إمكانية تزويدها بأدوية ومعدات طبية، قبل أن تُبرم طلبية شملت عشرة آلاف اختبار للحمل، بقيمة 11.34 دولاراً للوحدة الواحدة.
والأكثر إثارة في رواية الصحيفة أن هذه العملية مرت عبر شركة إسرائيلية وسيطة، وأن المنتجات أُعيد تغليفها لتظهر باعتبارها فرنسية المصدر، مع شحنها من مرسيليا.
وتحدث التحقيق كذلك عن توسع التعاملات لتشمل مضادات حيوية وتجهيزات طبية ومعدات للمستشفيات، وهي معلومات تستوجب التعامل معها باعتبارها معطيات منشورة في تحقيق صحفي، لا عقوداً أصلية تم التحقق منها بصورة مستقلة.
لكن السؤال هنا لا يتعلق فقط بصحة كل تفصيل من تفاصيل هذه العمليات، وإنما أيضاً بسبب غياب تحقيقات جزائرية واسعة تعود إلى هذا الأرشيف، وتكشف للرأي العام ما إذا كانت تلك التعاملات جرت بعلم السلطات السياسية والعسكرية، ومن أشرف عليها، ومن استفاد منها.
◆ مصافحة بوتفليقة لباراك… واللقاء الذي احتضنته الرباط
في الخامس والعشرين من يوليوز 1999، وخلال جنازة الملك الراحل الحسن الثاني بالعاصمة المغربية الرباط، التقى الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة برئيس الحكومة الإسرائيلية إيهود باراك، في مشهد التقطته وسائل الإعلام الدولية، واستمر اللقاء نحو سبع دقائق.
ولم يكن الأمر مجرد مصافحة عابرة، فقد عاد بوتفليقة بنفسه إلى الحديث عن اللقاء خلال مؤتمر صحفي بمقر الأمم المتحدة يوم 22 شتنبر 1999، مؤكداً أنه ناقش مع باراك شروط بحث إقامة العلاقات الدبلوماسية، وربط ذلك بانسحاب إسرائيل من الجولان وتمكين الفلسطينيين من إقامة دولتهم.
وهكذا، كانت الرباط نفسها، التي تتعرض اليوم لانتقادات جزائرية مستمرة بسبب علاقاتها بإسرائيل، شاهدة على لقاء علني بين رئيس جزائري ورئيس حكومة إسرائيلية، قبل أكثر من عشرين سنة من استئناف المغرب علاقاته الدبلوماسية مع تل أبيب.
ولم يتوقف المسار عند ذلك الحد، إذ نشرت «لوموند»، يوم التاسع من دجنبر 1999، تحقيقاً آخر تحدث عن زيارة وفد إسرائيلي من خمسة أشخاص للجزائر خلال شهر أكتوبر من السنة نفسها، وعن لقاءات مع مسؤولين ومستشارين جزائريين تناولت إمكان فتح مكاتب تمثيلية متبادلة، ومجالات التعاون الاقتصادي والأمني.
واللافت أن التحقيق تحدث كذلك، استناداً إلى الرواية الإسرائيلية، عن لقاء أعضاء الوفد بجنرالات جزائريين أبدوا اهتماماً بطبيعة العلاقات السياسية والعسكرية التي كانت تجمع إسرائيل بتركيا.
وهنا تظهر أهمية التمييز بين الوقائع، فتلك اللقاءات المبلغ عنها لا تثبت تورط جنرالات في التجارة المسجلة سنة 2025، لكنها تطرح كذلك أسئلة تاريخية تستحق البحث بشأن موقع المؤسسة العسكرية الجزائرية من الاتصالات غير المعلنة مع إسرائيل.
وفي يونيو 2000، زار صحافيون وأكاديميون جزائريون إسرائيل بدعوة من وزارة خارجيتها، وأثارت الزيارة احتجاجات واسعة داخل الجزائر، إلى درجة أن بوتفليقة نفسه أدانها بشدة، رغم أنه كان قد التقى باراك قبل أقل من سنة.
أليس هذا التاريخ جديراً بأن يُفتح ويُناقش، بدل التصرف وكأن العلاقات الجزائرية الإسرائيلية لم تعرف يوماً اتصالاً سياسياً أو اقتصادياً أو إعلامياً؟
◆ تبون واستعداد التطبيع… ماذا تغير؟
الأمر الأكثر وضوحاً جاء من الرئيس عبد المجيد تبون نفسه، الذي أعلن في حوار مع صحيفة «لوبينيون» الفرنسية، نُشر في الثاني من فبراير 2025، أن الجزائر ستكون مستعدة لتطبيع علاقاتها مع إسرائيل بمجرد قيام دولة فلسطينية.
وقد نقلت وسائل إعلام جزائرية رسمية مضمون التصريح، بما فيها الإذاعة الجزائرية، وهو ما يجعله موقفاً سياسياً معلناً، لا تسريباً مجهول المصدر.
وبذلك، فإن الحديث عن استعداد جزائري مشروط للتطبيع ليس اتهاماً صادراً عن المغرب، وإنما تصريح صادر عن أعلى سلطة سياسية في الجزائر.
صحيح أن هناك فرقاً واضحاً بين الجزائر، التي لا تقيم علاقات دبلوماسية رسمية مع إسرائيل، والمغرب الذي استأنف تلك العلاقات سنة 2020، لكن هذا الاختلاف لا يمنع مساءلة ازدواجية الخطاب الإعلامي الذي يقدم التطبيع المشروط عند تبون باعتباره موقفاً دبلوماسياً مشروعاً، بينما يصف العلاقات المغربية الإسرائيلية بأشد العبارات الاتهامية.
فهل يتغير الحكم على العلاقات مع إسرائيل بحسب جنسية المسؤول الذي يتحدث عنها، أم بحسب طبيعة العلاقة ومضمونها وتأثيرها على الحقوق الفلسطينية؟
◆ المغرب ليس الجزائر… واليهود المغاربة جزء من الوطن
هناك حقيقة تاريخية ودستورية وإنسانية ينبغي أن يدركها الذين يتعاملون مع العلاقات المغربية الإسرائيلية وكأنها مجرد قرار سياسي منفصل عن تاريخ المملكة، وهي أن المغرب ليس في الوضع نفسه الذي توجد فيه الجزائر أو دول أخرى، لأنه بلد يحتفظ بعلاقة تاريخية عميقة مع مواطنيه اليهود، ومع جاليات واسعة من اليهود ذوي الأصول المغربية المقيمين في إسرائيل وخارجها.
لقد عاش اليهود في المغرب قروناً طويلة، وساهموا في بناء ثقافته واقتصاده وحرفه وفنونه وذاكرته الجماعية، وكانت المملكة تحتضن ما بين 250 ألفاً و300 ألف يهودي في أواخر أربعينيات القرن الماضي، قبل أن يهاجر معظمهم إلى إسرائيل ودول أخرى، بينما بقيت جماعة يهودية أصغر داخل المغرب، واستمرت الروابط العائلية والثقافية والدينية بين المغرب ومهاجريه وأحفادهم.
ولم يكتف المغرب باستحضار هذا التاريخ في الخطب والمناسبات، بل نص دستور 2011 صراحة على الرافد العبري بوصفه أحد الروافد التي أغنت الهوية الوطنية المغربية، إلى جانب روافدها العربية الإسلامية والأمازيغية والصحراوية الحسانية والإفريقية والأندلسية والمتوسطية.
وهذه خصوصية لا يجوز تجاهلها عند قراءة العلاقة المغربية بإسرائيل، لكنها لا تعني أن كل يهودي من أصول مغربية يحمل الجنسية المغربية بالضرورة، ولا أن الروابط العائلية والدينية تفرض تلقائياً اتفاقيات سياسية أو عسكرية بعينها.
فاليهودية دين وانتماء ثقافي وتاريخي، والصهيونية حركة سياسية لها توجهات متعددة، أما الحكومة الإسرائيلية والجيش الإسرائيلي فهما مؤسستان تتحملان مسؤولية قراراتهما وأفعالهما، ولا يجوز تحميل اليهود، بصفتهم الدينية، مسؤولية الجرائم والانتهاكات المرتكبة ضد الفلسطينيين.
وليس كل اليهود صهاينة، وليس كل يهودي مؤيداً لسياسات الحكومة الإسرائيلية، كما أن بين اليهود في إسرائيل وخارجها أصواتاً تعارض الاحتلال والاستيطان والحروب، وتدافع عن الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.
وإذا كان المغرب حريصاً على روابطه التاريخية والإنسانية مع اليهود المغاربة، فإن ذلك لا يلزمه بتبرير أي اعتداء على الفلسطينيين، ولا يسقط حق المغاربة في انتقاد العلاقات الحكومية والاتفاقيات الاقتصادية والعسكرية ومساءلتها.
◆ المغرب وفلسطين… الدولة المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية
ومن أكبر المغالطات تقديم العلاقات المغربية الإسرائيلية باعتبارها تخلياً مغربياً عن القضية الفلسطينية، بينما تؤكد المواقف الرسمية للمملكة تمسكها بحق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة ذات السيادة، على أساس حدود الرابع من يونيو 1967، وعاصمتها القدس الشرقية.
وهو الموقف الذي يستند إلى المرجعيات الدولية ومبادرة السلام العربية المعتمدة في قمة بيروت سنة 2002.
ويتولى الملك محمد السادس رئاسة لجنة القدس التابعة لمنظمة التعاون الإسلامي، كما تواصل وكالة بيت مال القدس الشريف تنفيذ مشاريع اجتماعية وتنموية موجهة إلى السكان الفلسطينيين في القدس، فضلاً عن المواقف الدبلوماسية المغربية المؤيدة لحل الدولتين.
وقد جدد المغرب تأكيد موقفه في مناسبات مختلفة، داعياً إلى إقامة دولة فلسطينية مستقلة وقابلة للحياة، تعيش إلى جانب إسرائيل في أمن وسلام، وفق المرجعيات الدولية المعتمدة.
وهنا يلتقي المطلب المغربي الرسمي مع المطلب الذي ترفعه الجزائر ودول عربية وإسلامية أخرى بشأن حق الفلسطينيين في دولتهم المستقلة، وإن اختلفت السياسات والأساليب الدبلوماسية المعتمدة لتحقيق ذلك.
ولا تعني هذه الثوابت أن كل ما يرتبط بعلاقات المغرب مع إسرائيل محصن من النقد، أو أن الشعب المغربي لا يحق له الاعتراض على تعاون اقتصادي أو عسكري بعينه، فهذه قضايا مشروعة للنقاش والمساءلة، لكنها لا تبرر اتهام المغرب بالتخلي عن فلسطين لمجرد أنه يحتفظ بعلاقات دبلوماسية مع إسرائيل.
فالتضامن مع الفلسطينيين لا يحتكره نظام سياسي، ولا يثبت بمجرد الشعارات، ولا يسقط تلقائياً بوجود علاقة دبلوماسية، بل يُقاس أيضاً بالمواقف العملية واحترام القانون الدولي والجهود المبذولة لإنهاء الاحتلال وحماية المدنيين.
◆ من يملك الجرأة والشجاعة لفتح دفاتر التجارة الجزائرية؟
إذا كان الإعلام الجزائري الذي ينتقد المغرب باستمرار بسبب التطبيع يريد أن يقدم نفسه مدافعاً عن فلسطين، فإن واجبه المهني يفرض عليه أولاً أن يبحث عن حقيقة الواردات الإسرائيلية المسجلة من الجزائر، وأن يسأل عن الجهات التي تصدرها أو تتوسط في وصولها، وأن يحدد طبيعتها واستعمالاتها النهائية.
وعليه كذلك أن يفتح الأرشيف السياسي الذي يوثق اتصالات الثمانينيات والتسعينيات، وأن يعود إلى تحقيقات «لوموند»، وإلى لقاء بوتفليقة وباراك، وإلى الوفود التي زارت البلدين، وإلى تصريحات تبون بشأن التطبيع المشروط.
أما المؤسسة العسكرية الجزائرية، التي لعبت تاريخياً دوراً مؤثراً في الحياة السياسية، فمن المشروع أن تُطرح بشأنها أسئلة الرقابة والشفافية، لكن من غير المشروع تحويل نفوذها السياسي إلى دليل تلقائي على استفادة قادتها من المعاملات التجارية مع إسرائيل دون وثائق.
فإن كانت تلك المبادلات مشروعة وقانونية وتمر عبر مسارات تجارية عادية، فمن حق الجزائريين معرفة ذلك، وإن كانت تنطوي على مصالح خفية أو تحايل على القوانين أو استخدامات عسكرية محظورة، فإن كشفها يصبح واجباً مضاعفاً.
والصحافة المهنية هي التي تبحث في الاحتمالين، ولا تختار النتيجة قبل التحقيق.
إن الشعب الجزائري الشقيق، الذي عُرف تاريخياً بتضامنه مع الشعب الفلسطيني، ليس مسؤولاً عن أي معاملة لا يعرف تفاصيلها، ولا يجوز تحميله مسؤولية قرارات المؤسسات أو تصرفات الشركات والمتعاملين الاقتصاديين، كما أن نقد بعض المنابر الإعلامية الجزائرية لا يعني الطعن في جميع الصحافيين الجزائريين، وبينهم من يدافعون عن استقلالية المهنة رغم صعوبة الظروف.
لكن السؤال يظل قائماً: لماذا تُخصص ساعات طويلة لتجريم العلاقات المغربية الإسرائيلية، بينما لا تُخصص الجهود نفسها لكشف حقيقة العلاقات والاتصالات والتبادلات التي عرفتها الجزائر مع إسرائيل عبر العقود؟
إن الدفاع عن فلسطين لا يكون برجم المغرب بالكلمات، ولا بإخفاء الأسئلة المحرجة داخل الجزائر، ولا بتوزيع شهادات الوطنية والخيانة، وإنما بالمواقف الصادقة والشفافية والمساءلة واحترام الحقائق، أياً كانت الدولة التي تتعلق بها.
ومن كان بيته من زجاج، فالأجدر به أن يبدأ بإصلاح نوافذه قبل أن يرمي بيوت الجيران بالحجارة.
أما من يقضي أيامه ولياليه في البحث عن علاقات المغرب بإسرائيل، فعليه أولاً أن يفتح دفاتر بلاده، وأن يسأل من يبيع ولمن، ومن يقبض الأموال، ومن يقف وراء الصفقات، وإلى أين تصل المواد، وهل يمكن أن تنتهي بعض تلك البضائع في صناعات تُستخدم ضد الشعب الفلسطيني الذي يرفع الجميع راية الدفاع عنه؟
فالقضية الفلسطينية أكبر من الخصومات المغربية الجزائرية، والحقيقة لا وطن لها عندما يتعلق الأمر بحق الشعوب في المعرفة والمساءلة، والصحافة التي تخاف البحث داخل بيتها لا تملك المصداقية الأخلاقية لكي تحاكم بيوت الآخرين.
رئيسية 








الرئيسية




