Quantcast
2026 سبتمبر 25 - تم تعديله في [التاريخ]

الدكتورة خليل عائشة: حياة بين طبّ الروماتيزم والشعر

كيف يجتمع الإصغاء إلى آلام المرضى مع الإصغاء إلى إيقاع القصيدة؟ تكريم في الرباط يفتح صفحات مسيرة عبرت المستشفى والعيادة ودواوين الشعر.


مسيرة الدكتورة خليل عائشة: امرأة عاشت الطب بعقل الطبيبة وعاشت الشعر بقلب الشاعرة

الدكتورة خليل عائشة والدكتور أنور الشرقاوي.. حين يلتقي الطب بالشعر
الدكتورة خليل عائشة والدكتور أنور الشرقاوي.. حين يلتقي الطب بالشعر
بين البدلة البيضاء والصفحة البيضاء، بين صمت الإصغاء وهمس الكلمات، رسمت الدكتورة خليل عائشة لنفسها درباً استثنائياً، تتعانق فيه المهنة مع الرسالة، والعلم مع الإبداع.

طبيبةً تداوي، وأستاذةً تُنير دروب المعرفة، وامرأةً ملتزمةً تجمع القلوب حول قيم العطاء، وشاعرةً تمنح للمشاعر موسيقاها وللوجدان لغته.

وهكذا جعلت من الطب علماً للإنسان قبل أن يكون علماً للجسد، ومن الشعر لغةً أخرى للقلب، تنصت إلى ما تعجز الكلمات العادية عن قوله.

من الرباط إلى باريس، ومن رحاب المستشفى إلى أجواء العيادة، ومن أروقة الجمعيات العلمية إلى دفء دواوين الشعر، امتد مسارها كأنّه مقطوعة موسيقية متكاملة؛ كل محطة فيها نغمة، وكل تجربة لحن، وكل لقاء أثرٌ يضيف إلى سيمفونية حياة لا تتوقف عن العطاء.

ولذلك، فإن التكريم الذي تخصّها به جمعية أطباء الروماتيزم الخواص بالرباط لا يحتفي بمسيرة مهنية فحسب، ولا بعدد من السنوات قضتها في خدمة الطب، وإنما يحتفي بحياة كاملة؛ حياةٍ نسجت خيوطها من المعرفة والتقاسم والإبداع.

حياةٌ ظلت فيها يد الطبيبة تمتد لتخفف الألم وتعيد الأمل، فيما بقي قلم الشاعرة مفتوحاً على الإنسان، يلتقط خفقات القلب، ويصغي إلى صمت الروح، ويمنح للمشاعر صوتاً آخر… صوتاً لا يعلو، لكنه يظل عالقاً في الذاكرة.

بمناسبة التكريم الذي تنظمه لفائدتها جمعية أطباء الروماتيزم بالقطاع الخاص بالرباط، يوم السبت 26 شتنبر 2026، تبرز مسيرة الدكتورة خليل عائشة باعتبارها مسيرة امرأة تشكّل مسارها المهني والإنساني عند ملتقى الطب، ونقل المعرفة، والإبداع الشعري.

طبيبة متخصصة في أمراض الروماتيزم، وشاعرة بدافع الشغف، تنتمي الدكتورة خليل عائشة إلى جيل من الأطباء الذين تختزل مسيرتهم التزاماً متواصلاً بخدمة الطب والتكوين ونقل المعرفة.

بدأت رحلتها من كلية الطب والصيدلة بالرباط، حيث حصلت على دكتوراه في الطب في يونيو 1980.

وبعد سنوات قليلة، واصلت تكوينها في باريس، وحصلت في أكتوبر 1984 على دبلوم الدراسات الخاصة في أمراض الروماتيزم من جامعة روني ديكارت – باريس الخامسة.

ومنذ ذلك الحين، واصلت مسيرتها الجامعية والاستشفائية في مسار متدرج ومنتظم.

فقد التحقت بالتدريب الداخلي بالمركز الاستشفائي الجامعي بالرباط منذ سنة 1978، قبل أن تصبح مساعدة متدربة، ثم مساعدة رسمية، وفي دجنبر 1982 أستاذة مساعدة رسمية في الطب الباطني بالمركز الاستشفائي الجامعي بالرباط.

وكانت تلك المرحلة إحدى الركائز الأساسية التي قامت عليها مسيرتها الطبية والأكاديمية.

بعد ذلك، أصبح طب الروماتيزم قلب نشاطها المهني.

ففي فبراير 1990، حصلت على التأهيل في تخصص أمراض الروماتيزم بقرار من الأمانة العامة للحكومة.

وتواصل حضورها في المسار العلمي الدولي بحصولها، سنة 1994 بمرسيليا، على دبلوم الدورة المتخصصة في علم المناعة للأمراض الروماتيزمية التابعة للرابطة الأوروبية لمكافحة الروماتيزم EULAR.

وفي سنة 2008، حصلت كذلك في مدريد على المعادلة الأوروبية لشهادتها التخصصية في أمراض الروماتيزم، بعد اجتياز مباراة نظمتها وزارة التربية والعلوم الإسبانية.

لكن مسيرة الدكتورة خليل عائشة لا تختزلها الشهادات والألقاب.

فهي تُقرأ أيضاً من خلال تجربة استشفائية غنية وممتدة. فبين أكتوبر 1981 ويونيو 1989، اشتغلت كرئيسة مساعدة بالمركز الوطني لإعادة التأهيل البدني بمستشفى العياشي بسلا، حيث تولت تباعاً مسؤولية قطاعات أمراض الروماتيزم، وإعادة التأهيل الوظيفي، والأجهزة التعويضية.

كانت الاستشارات الطبية، والجولات السريرية المشروحة، والاجتماعات العلمية، والنشر، وتأطير طلبة الطب والأطباء المتخصصين، جزءاً من يومياتها المهنية.

وقبل هذه المسؤولية، كانت قد اشتغلت أيضاً كمساعدة بمصلحة الطب الباطني في العيادة الطبية «أ» بمستشفى ابن سينا بالرباط.

وكانت مسيرتها الاستشفائية قد بدأت منذ سنة 1978، من خلال فترات التدريب الداخلي في أمراض الروماتيزم، وطب الأطفال، والطب الباطني، وأمراض القلب بالمركز الاستشفائي الجامعي بالرباط وسلا.

ومنذ سنة 1989، انخرطت الدكتورة خليل عائشة في ممارسة طب الروماتيزم بالقطاع الحر في الرباط، وهي التجربة التي واصلتها إلى غاية سنة 2009.

وقد أضافت هذه المرحلة بعداً آخر إلى مسيرة مهنية طبعتها المستشفى، والتكوين، ونقل المعرفة الطبية.

لكن التزامها لم يتوقف عند حدود العيادة.

فبين سنتي 1992 و1999، تولت مهمة الكاتبة العامة للجمعية المغربية لأمراض الروماتيزم.

ثم، بين 2005 و2009، شغلت منصب نائبة رئيس جمعية أطباء الروماتيزم بالقطاع الخاص بالرباط.

ويكتسي هذا الالتزام الأخير اليوم دلالة خاصة في سياق التكريم الذي تحظى به من الجمعية؛ فالدكتورة التي ساهمت في الحياة الجمعوية تجد نفسها، بدورها، في قلب اعتراف زملائها وتقديرهم، كما تشير إلى ذلك الدكتورة نجاة اليطفتي العوفير.

غير أن في هذه المسيرة بُعداً آخر، أكثر حميمية، إنه الشعر.

فالسيرة الذاتية للدكتورة خليل عائشة تقدمها منذ البداية باعتبارها «طبيبة روماتيزم وشاعرة».

وهذه الثنائية ربما تشكل واحدة من أكثر الخصائص تميزاً في مسيرتها.

فبعد أن كرست جانباً كبيراً من حياتها المهنية للطب، اختارت أيضاً أن تمنح الكتابة والشعر مكاناً في حياتها.

ويشهد على هذا النشاط الأدبي ديوانان شعريان: «Nuances du regard»، الصادر عن دار النشر L’Harmattan بباريس في دجنبر 2021، ثم «Couleurs du hasard»، الصادر عن دار Les Impliqués بباريس في شتنبر 2023.

كما ورد اسمها في مؤلفات جماعية تُعنى بالأدب والشعر المغربيين، من بينها «Les amoureux de Moulay Idriss Zerhoun, florilège nostalgique»، الصادر عن دار Afrique Orient في ماي 2024، وكذلك «Anthologie de la poésie féminine marocaine»، الصادرة عن دار Marsem éditions في نهاية سنة 2024.

الطب من جهة، والشعر من جهة أخرى.

عالمان قد يبدوان متباعدين، لكنهما يلتقيان في شيء واحد: الإنسان.

فالطبيب يلاحظ، ويصغي، ويرافق؛ أما الشاعرة فتنظر، وتشعر، وتحول الإحساس إلى كلمات.

وفي مسيرة الدكتورة خليل عائشة، تتجاور هاتان الملكتان، لترسما معاً مساراً إنسانياً ومهنياً استثنائياً.

وهكذا يكتسب تكريم جمعية أطباء الروماتيزم بالقطاع الخاص بالرباط دلالة تتجاوز الاحتفاء بمسيرة طبية.

إنه احتفاء أيضاً بمسار جمعوي، وتجربة استشفائية، وشخصية اختارت أن تجعل من صرامة الطب وحساسية الشعر فضاءين متجاورين للحوار مع الإنسان.

ومن خلال هذا التكريم، تُسلَّط الأضواء كذلك على صفحة من تاريخ طب الروماتيزم بالمغرب؛ صفحة جيل ساهم في بناء هذا التخصص، وتكوين أطباء شباب، وإغناء أنشطة الجمعيات العلمية والمهنية، وفي الوقت نفسه فتح، بالنسبة لبعض أفراده، نوافذ أخرى للتعبير والإبداع.

لقد عبرت الدكتورة خليل عائشة، على امتداد مسيرتها، أكثر من فضاء: المستشفى، والعيادة، والجمعيات العلمية، والعمل المهني، ثم دروب الشعر.

مسيرةٌ يداوي فيها الطب الجسد، بينما تواصل الكلمات، بطريقتها الخاصة، مخاطبة الإنسان.

فالطب قد يخفف الألم، أما الشعر فيمنحه أحياناً اسماً، وصورة، وصوتاً.

وهنا ربما تكمن أجمل حكاية في مسيرة الدكتورة خليل عائشة: امرأة عاشت الطب بعقل الطبيبة، وعاشت الشعر بقلب الشاعرة.
 
*العلم الإلكترونية - الدكتور أنور الشرقاوي بتعاون مع جمعية أطباء الروماتيزم في القطاع الحر بالرباط*

              















MyMeteo




Facebook
YouTube
Newsletter
Rss

الاشتراك بالرسالة الاخبارية
أدخل بريدك الإلكتروني للتوصل بآخر الأخبار