باحث في علوم الاقتصاد والتدبير | عضو الشبيبة الاستقلالية | عضو جمعية البناة
العلم الإلكترونية - بقلم سفيان مركوسة
في عالم تتزايد فيه التحديات المالية وتتنوع الخيارات الاقتصادية، يمر المغرب اليوم بمنعطف اقتصادي دقيق، تتسارع فيه التحولات وتلقي بظلالها مباشرة على تفاصيل المعيش اليومي للمواطنين. في قلب هذه الدوامة، يجد الشاب المغربي نفسه في مواجهة اختبار حقيقي وعرضة قوية للضغوطات الاستهلاكية؛ عنوانه الأبرز: كيف يدير ميزانيته الشخصية؟ وكيف يتخذ قرارات مالية ذكية تتجاوز العشوائية والارتجال، لتأمين متطلبات الحاضر وضمان أمان المستقبل؟
إن إثارة نقاش الوعي المالي لدى الشباب اليوم لم تعد نوعاً من الترف الفكري، كما أنها لا تنوب عن ضرورة توفير فرص الشغل أو تطوير التعليم الأكاديمي، بل أصبحت ضرورة ملحة ورافعة أساسية لتبديل العقلية السائدة، والانتقال بالشباب من ثقافة الاستهلاك المفرط والجري وراء الإشباع اللحظي، إلى ثقافة الاستثمار والتدبير العقلاني الذي يقي من تقلبات الزمن ويضمن الاستقرار المالي.
الوعي المالي: جودة حياة وحصن ضد المخاطر
لا يمكن اختزال "الثقافة المالية" في مجرد معرفة قيمة النقود، بل هي منظومة متكاملة تجمع بين الوعي، المهارة، والانضباط في التعامل مع المخاطر. إنها القدرة على التمييز الحاسم بين "الاحتياجات الأساسية" التي لا يمكن الاستغناء عنها، وبين "الرغبات العابرة" التي يمكن تأجيلها. فالوعي المالي أداة تمكن من السيطرة على الموارد المالية وتحقيق الاستقرار على المدى الطويل، ويساعد على بناء مستقبل مالي آمن.
إن تقويم السلوك الاستهلاكي للمجتمع يبدأ من تبني سياسات وبرامج هادفة تزرع هذا الوعي الاقتصادي. وهنا تبرز مسؤولية المؤسسات الحكومية والقطاع البنكي في ابتكار حوافز ملموسة تشجع على الادخار (كالحسابات التوفيرية ذات العوائد التفضيلية)، وإطلاق مبادرات للتعليم المالي تشرح للشباب بساطة الاستثمار في البورصة، أو العقار، أو المقاولات الناشئة، وتحفيزهم على تنمية مدخراتهم بدل تبديدها.
من العرائش.. نقاش ميداني لتشريح الواقع
تجسيداً لهذا الدور التأطيري، ونزولاً إلى الميدان لملامسة قضايا الشباب الحارقة، شرفنا بالإشراف المباشر والميداني على لقاء تواصلّي هادف احتضنته مدينة العرائش، نظمته المفتشية الإقليمية لحزب الاستقلال بتنسيق مع جمعية البناة ومنظمة فتيات الانبعاث، تحت عنوان: "الثقافة المالية والتمويل الشخصي للشباب: من الاستهلاك إلى الاستثمار".
وقد شكل هذا اللقاء مرآة حقيقية لواقع مرير؛ حيث توقف المشاركون عند رقم صادم يختزل عمق المعضلة، إذ تشير التقديرات إلى أن غياب الثقافة المالية في مجتمعنا تتجاوز 60% لدى أغلب الفئات. هذا الفراغ المعرفي هو ما يفسر حالة التخبط التي تعيشها ميزانيات الأسر، والهروب المكثف نحو القروض الاستهلاكية من أجل مظاهر كمالية.
وقد خلصنا من خلال رئاستنا وتسييرنا لأشغال هذا اللقاء برؤية عملية واضحة تميز بين "الثقافة المالية" كخلفية معرفية، وبين "التمويل الشخصي" كالتزام وتطبيق يومي. ولعل أبرز الأدوات التقنية التي جرى تداولها لإعادة التوازن المالي هي القاعدة العالمية الشهيرة (50/30/20) لتوزيع الدخل:
50%: لتغطية التكاليف الثابتة والاحتياجات الأساسية (السكن، المأكل، التطبيب).
30%: تخصص للمصاريف المتغيرة، الرغبات الشخصية والترفيه.
20%: تقتطع إلزامياً وتوجه مباشرة نحو الادخار والاستثمار الذكي.
التكنولوجيا المالية: حليف رقمي في يد الشباب
ولم يفتنا خلال اللقاء الإشارة إلى الطفرة التي أحدثتها التكنولوجيا المالية كأداة طيعة في يد الجيل الحالي. فالشباب اليوم مطالبون بتوظيف التطبيقات الذكية لتتبع المصاريف لضمان الفصل الصارم بين المصروف الشخصي وميزانية المشاريع.
بالإضافة إلى ذلك، تتيح التطبيقات البنكية الحديثة ميزة "الادخار التلقائي"، والتي تقوم باقتطاع نسبة الـ 20% فور دخول أي تدفق مالي وقبل أن تجد طريقها للاستهلاك العشوائي. وفي السياق ذاته، تفتح منصات العمل الحر آفاقاً رحبة أمام الشباب لتنويع مصادر دخلهم وتوسيع هوامش أرباحهم.
فخ "الفوائد المقنّعة": تفكيك آليات التسويق الائتماني
لا يمكننا الحديث عن تعديل السلوك المالي للشباب دون تسليط الضوء على "الهجوم الشرس" الذي تمارسه شركات الائتمان والمؤسسات التمويلية عبر عروضها المغرية؛ من قبيل "اشترِ الآن وادفع لاحقاً" أو القروض الاستهلاكية "بدون فوائد" الظاهرة. هذه الآليات التسويقية الذكية تم تصميمها بعناية لاستهداف الفئات الشابة وقليلة الخبرة، مستغلةً رغبتهم في مواكبة الموضة أو التكنولوجيا.
إن غياب التوعية بمفهوم "الفائدة المركبة" والتكاليف الخفية وراء هذه المعاملات يجعل الشباب يسقطون في شباك "العبودية المالية" الحديثة، حيث يصبح جزء كبير من عائدهم المستقبلي مرهوناً لسداد ديون استهلاكية لا قيمة استثمارية لها، مما يجهض أي محاولة للادخار في مهده.
توصيات من أجل جيل مالي مسؤول
بناءً على النقاشات المستفيضة والتشخيص الدقيق الذي شهدته محاور اللقاء، صغنا حزمة من التوصيات العملية الموجهة للجهات المسؤولة والرأي العام:
مأسسة التعليم المالي: إدراج مبادئ التخطيط المالي وتدبير النفقات ضمن المناهج التعليمية والأنشطة المدنية لتأهيل الناشئة مبكراً.
محاربة ثقافة الاتكالية: بناء وعي مجتمعي يرفض الاستهلاك المظهري والاعتماد المفرط على الديون بهدف إشباع الرغبات، والتشجيع على المبادرة الذاتية لتنويع الدخل ومواكبة التحولات الاقتصادية العالمية.
تقنين السلوك الإعلاني: الدعوة إلى ضبط ومراقبة الومضات الإعلانية الموجهة إلى الشباب التي تحفز على الإنفاق الاندفاعي والاستهلاك اللحظي.
الانخراط في الدينامية الوطنية: إن توجيه المدخرات البسيطة للشباب نحو قنوات استثمارية حقيقية (كالأسهم والمقاولات الجد صغيرة) هو السبيل الأمثل لخلق جيل اقتصادي جديد، قادر على مواكبة والمساهمة في الأوراش التنموية الكبرى التي تشهدها المملكة المغربية تحت القيادة الرشيدة لجلالة الملك محمد السادس نصر الله.
"المقاولة الذاتية والابتكار": جيل يصنع فرصه ولا ينتظر الوظيفة
إن الثمرة الحقيقية لنشر الوعي المالي بين الشباب لا تقف عند حدود "توفير المال"، بل تتعداها إلى تغيير النظرة التقليدية لسوق الشغل. فالشاب المسلّح بالثقافة المالية لم يعد ينتظر "الوظيفة الجاهزة" أو يعلق آماله على حلول نمطية، بل يتجه مباشرة نحو استغلال الفرص والمؤهلات القانونية التي يتيحها المغرب اليوم، مثل نظام "المقاول الذاتي" والقوانين الجديدة المنظمة للتمويل الجماعي.
إن تحفيز الشباب على المغامرة المحسوبة، وتحويل أفكارهم البسيطة إلى مشاريع مصغرة تدر دخلاً، هو الضامن الوحيد لخلق نسيج اقتصادي مرن وقادر على الصمود أمام الأزمات، وتحويل جيل من "المستهلكين للثروة" إلى "صنّاع للقيمة المضافة".
رئيسية 








الرئيسية 




