العلم الإلكترونية - بوشعيب حمراوي
لم يكن ملف الصحراء المغربية يومًا مجرد نزاع حدودي عابر، بل هو قضية سيادة ووحدة وطنية امتدت جذورها إلى أكثر من نصف قرن، واختلطت فيها الحسابات الجيوسياسية بالمصالح الإقليمية والدولية. وبينما ظل المغرب ثابتًا في دفاعه عن وحدته الترابية، انكشفت مع مرور السنوات حقيقة أطراف هذا النزاع، وبرزت بوضوح مواقف بعض الدول التي اختارت طريق المراوغة بدل الصراحة، وعلى رأسها الجزائر، التي تحاول منذ عقود الظهور بمظهر “الطرف المراقب”، رغم أنها الطرف الرئيسي في هذا النزاع الطويل.
لقد أثبتت الوقائع السياسية والدبلوماسية أن الجزائر ليست مجرد مراقب، كما تدعي، بل هي الفاعل الحقيقي في خلق وإدامة هذا النزاع. فهي التي احتضنت جبهة البوليساريو على أراضيها، ومولتها وسلحتها ووفرت لها الدعم السياسي والدبلوماسي والعسكري، وحولتها إلى أداة ضغط ضد المغرب. فلو لم يكن هذا الدعم الجزائري المباشر، لما كان لهذا الكيان الوهمي أن يستمر كل هذه العقود.
ومع ذلك، تصر الجزائر في المحافل الدولية على تقديم نفسها كوسيط أو مراقب محايد، في تناقض صارخ مع الواقع. فالاجتماعات الدولية الأخيرة التي عقدت في واشنطن ومدريد مطلع سنة 2026، بمشاركة المغرب والبوليساريو والجزائر وموريتانيا، أكدت مرة أخرى أن الجزائر حاضرة على طاولة المفاوضات، ليس كمتفرج بل كطرف معني بشكل مباشر بمآلات هذا النزاع. بل إن بعض التصريحات الدولية أشارت بوضوح إلى “الأطراف الأربعة” المشاركة في المفاوضات، وهو اعتراف ضمني بالدور المركزي الذي تلعبه الجزائر في هذا الملف.
إن ادعاء الجزائر الحياد لا يصمد أمام أبسط قراءة سياسية للواقع. فكيف يمكن لدولة أن تدعي أنها مجرد مراقب وهي التي تستضيف قيادة البوليساريو فوق أراضيها، وتدير مخيمات تندوف، وتوفر كل أشكال الدعم السياسي والعسكري لهذا الكيان؟ وكيف يمكن الحديث عن نزاع بين طرفين فقط، بينما طرف ثالث هو الذي يغذيه ويؤججه ويمنع الوصول إلى حل نهائي؟
وإذا كانت الجزائر تتحمل المسؤولية الكبرى في إطالة أمد هذا النزاع، فإن موقف موريتانيا بدوره يثير الكثير من التساؤلات. فهذه الدولة التي كانت في مرحلة سابقة طرفًا مباشرًا في قضية الصحراء، واقتسمت جزءًا من ترابها مع المغرب عقب اتفاقية مدريد سنة 1975، اختارت لاحقًا الانسحاب من النزاع وإعلان ما تسميه بالحياد الإيجابي.
غير أن هذا الحياد المعلن يظل، في نظر كثير من المراقبين، حيادًا ملتبسًا. فموريتانيا تعلم جيدًا حقيقة هذا الملف، وتدرك أن البوليساريو ليس سوى كيان صُنع في سياق الصراعات الإقليمية والحسابات الجيوسياسية خلال الحرب الباردة، وأن استمراره اليوم مرتبط أساسًا بالدعم السياسي والعسكري الذي توفره الجزائر.
لقد تغيرت المعطيات الدولية بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة. فقرار مجلس الأمن رقم 2797 أكد مرة أخرى مركزية مقترح الحكم الذاتي الذي تقدم به المغرب سنة 2007، واعتبره أساسًا جديًا وواقعيًا للحل السياسي. كما أن المفاوضات التي جرت مؤخرًا برعاية أمريكية أعادت التأكيد على أن الحل الواقعي يكمن في إطار السيادة المغربية، من خلال صيغة حكم ذاتي موسع يضمن للسكان تدبير شؤونهم المحلية في إطار الدولة المغربية.
ومع ذلك، لا تزال بعض الأطراف تراهن على استمرار الجمود، أو على إحياء مشاريع انفصالية عفا عليها الزمن. غير أن التاريخ أثبت أن الكيانات المصطنعة لا يمكنها أن تصمد طويلًا أمام منطق الجغرافيا والتاريخ والشرعية.
لقد اختار المغرب منذ سنوات طريق الحكمة والدبلوماسية، مقدّمًا مقترح الحكم الذاتي كحل واقعي يوازن بين متطلبات السيادة الوطنية وخصوصيات المنطقة. وهو مقترح حظي بدعم واسع من العديد من الدول الكبرى، التي اعتبرته أساسًا جديًا وذا مصداقية لإنهاء هذا النزاع.
أما استمرار بعض الأطراف في تغذية هذا النزاع، فلن يؤدي إلا إلى إطالة معاناة سكان المخيمات في تندوف، وإبقاء المنطقة رهينة توترات إقليمية لا تخدم مصالح شعوبها.
إن الحقيقة التي بدأت تتضح أكثر فأكثر في المحافل الدولية هي أن قضية الصحراء لم تعد مجرد نزاع إقليمي، بل أصبحت اختبارًا لصدق النوايا لدى الأطراف المعنية. فإما أن تختار هذه الأطراف طريق الحل الواقعي القائم على الحكم الذاتي في إطار السيادة المغربية، وإما أن تظل أسيرة حسابات سياسية ضيقة لن تنتج سوى مزيد من الجمود.
وفي النهاية، يبقى المؤكد أن المغرب، الذي استعاد أقاليمه الجنوبية بالمسيرة الخضراء، سيواصل الدفاع عن وحدته الترابية بكل الوسائل الدبلوماسية والسياسية، مستندًا إلى شرعية التاريخ وإلى دعم متزايد من المجتمع الدولي، وإلى إيمان راسخ لدى المغاربة بأن الصحراء كانت وستظل جزءًا لا يتجزأ من الوطن.
منذ ما يقارب نصف قرن، حسم المغرب موقفه التاريخي والسيادي من قضية الصحراء، حين استعاد أقاليمه الجنوبية عبر المسيرة الخضراء سنة 1975، معلنًا نهاية مرحلة الاستعمار وبداية مرحلة بناء مغرب موحد من طنجة إلى الكويرة. ومنذ ذلك الحين لم يعد المغرب ينظر إلى الصحراء باعتبارها مجرد ملف سياسي أو نزاع حدودي، بل باعتبارها جزءًا لا يتجزأ من ترابه الوطني ومجالًا استراتيجيًا للتنمية والاستثمار والانفتاح على إفريقيا والعالم. وفي عهد جلالة الملك محمد السادس انتقل المغرب من مرحلة تثبيت السيادة إلى مرحلة البناء والتنمية الشاملة، حيث تحولت الأقاليم الجنوبية إلى ورش تنموي ضخم يحتضن مشاريع وطنية ودولية كبرى في مجالات البنيات التحتية والطاقة المتجددة والموانئ والصيد البحري والسياحة والربط الطرقي واللوجستيكي، وعلى رأسها ميناء الداخلة الأطلسي والطريق السريع تيزنيت–الداخلة ومشاريع الطاقات النظيفة. كما أطلق جلالته مبادرات استراتيجية ذات بعد إفريقي ودولي، من بينها المبادرة الأطلسية لتمكين دول الساحل من الولوج إلى المحيط الأطلسي، ومشروع أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي، وغيرها من المبادرات التي جعلت الصحراء المغربية فضاءً للتعاون والتنمية المشتركة بدل أن تكون مجالًا للصراع والتوتر، وهو ما يعكس رؤية مغربية واضحة تعتبر أن المستقبل يُبنى بالاستثمار والتنمية والانفتاح، لا بصناعة النزاعات الوهمية.
رئيسية 








الرئيسية 









