*العلم الإلكترونية: الدكتورة أسماء لمسردي*
ليست الصدمة في أن أكثر من 103 آلاف طفل ما يزالون يشتغلون في المغرب، وفق معطيات المندوبية السامية للتخطيط، بل الصدمة الحقيقية أن المجتمع اعتاد رؤية الطفل عاملا أكثر مما اعتاد رؤيته تلميذا. أصبح الطفل الذي يحمل صندوق الخضر، أو يجر عربة في الأسواق، أو يقضي يومه في الحقول، أو يلاحق السيارات لحراستها مقابل دراهم معدودة، مشهدا عاديا لا يثير سوى نظرات عابرة، وكأن الطفولة أصبحت ترفا لا يستحقه الجميع.
كل طفل يعمل هو طفل تنتزع منه طفولته قطعةً قطعة. فمكان الطفل الطبيعي هو المدرسة، وساحة اللعب، والبيت الآمن، وليس الورشات، والحقول، والأسواق، ومواقع البناء، أو الشوارع التي تتحول إلى فضاءات للاستغلال اليومي.
الأرقام التي كشفتها المندوبية ليست مجرد إحصاءات جامدة، بل هي شهادات إدانة لواقع مؤلم. فحين يزاول نحو 59 ألف طفل أعمالا خطرة، فإننا لا نتحدث عن "مساعدة الأسرة" كما يحاول البعض تبرير الأمر، بل عن أطفال تلقى بهم في أعمال تفوق قدراتهم الجسدية والنفسية، وتعرضهم للإصابات والأمراض والاستغلال، وتحرمهم من حقهم في النمو السليم والتعلم والحياة الكريمة.
ولا يتعلق الأمر هنا بمجرد ظاهرة اجتماعية فرضتها الهشاشة أو الفقر، بل بانتهاك قانوني وحقوقي واضح. فالمشرع المغربي أحاط تشغيل الأحداث بضوابط قانونية دقيقة، وحظر تشغيلهم في الأعمال الخطرة أو التي تمس بصحتهم أو سلامتهم أو أخلاقهم أو تعرقل تمدرسهم، كما أن المغرب ملتزم، بموجب الاتفاقيات الدولية التي صادق عليها، بحماية الأطفال من الاستغلال الاقتصادي وكل عمل يحرمهم من طفولتهم أو يهدد نموهم. لذلك لا يمكن أن يتحول الفقر إلى مبرر لتعليق نفاذ القانون، ولا أن تصبح الحاجة ذريعة لتبرير انتهاك حقوق الطفل.
الأخطر أن تشغيل الأطفال لا يقف عند حدود الفلاحة أو بعض الحرف التقليدية، بل يمتد إلى أعمال شاقة ومهينة لا تتناسب إطلاقا مع أعمارهم؛ من حمل الأثقال، والعمل في الورش، إلى حراسة السيارات لساعات طويلة تحت الشمس، وجمع النفايات، وأعمال الخدمة المنزلية، بل إن بعض الأطفال يجدون أنفسهم، بفعل الفقر والهشاشة وغياب الحماية، وقودا لشبكات التسول والاستغلال والإجرام، ويستغل بعضهم في نقل الممنوعات أو ترويجها، قبل أن يتحول الضحية إلى متهم.
الأشد مرارة أن المجتمع كثيرا ما يصفق لهذه المأساة دون أن يدري. يبتسم لطفل يقدم له خدمة، ويمنحه درهما أو درهمين، ثم يمضي مقتنعا بأنه قام بعمل إنساني، بينما الحقيقة أنه يساهم، ولو بحسن نية، في تكريس واقع يفترض أن يكون استثناء لا قاعدة. الرحمة لا تكون بشراء ساعات عمل الطفل، بل بحماية حقه في التعليم والعيش الكريم.
القانون المغربي واضح في هذا الباب، كما أن الاتفاقيات الدولية التي صادق عليها المغرب، وفي مقدمتها اتفاقية حقوق الطفل واتفاقيات منظمة العمل الدولية، تؤكد أن حماية الأطفال من الاستغلال الاقتصادي ليست خيارا سياسيا ولا شعارا مناسباتيا، بل التزام قانوني وأخلاقي. لذلك فإن تشغيل الأطفال ليس ممارسة يمكن تبريرها بالفقر، لأن الفقر لا يمنح أحدا حق مصادرة طفولة إنسان.
صحيح أن الهشاشة الاقتصادية تدفع كثيرا من الأسر إلى خيارات قاسية، لكن مواجهة الفقر لا تكون بتحويل الأطفال إلى مصدر دخل. الدولة مطالبة بتوسيع الحماية الاجتماعية، ودعم الأسر الهشة، ومحاربة الهدر المدرسي، وتشديد المراقبة على المشغلين الذين يستغلون الأطفال، لأن العقوبة يجب أن تطال من يستفيد من عرقهم قبل أن تطال الأسرة التي دفعتها الحاجة إلى هذا الواقع، فحماية الطفولة لا تتحقق بالنصوص التشريعية وحدها، وإنما بإنفاذها، وبطرق متشددة وصارمة.
ولا يجوز أن نستيقظ كل سنة بمناسبة اليوم العالمي لمكافحة تشغيل الأطفال على وقع الأرقام والتصريحات، ثم نعود إلى الصمت حتى يحل الموعد نفسه من العام المقبل. فحقوق الطفل لا تحتمل الموسمية، والطفولة لا يمكن تعويضها بعد ضياعها.
إن أخطر ما في تشغيل الأطفال أنه لا يسرق أجورهم فقط، بل يسرق مستقبلهم. وكل طفل يغادر مقاعد الدراسة إلى سوق الشغل مبكرا، هو خسارة للمجتمع بأسره. فحماية الطفل ليست عملا خيريا ولا مجرد واجب أخلاقي، بل التزام دستوري وقانوني، وأي تساهل مع استغلاله هو تساهل مع انتهاك حقوق الإنسان في أكثر مراحلها هشاشة. فالأوطان لا تبنى بأطفال يحملون المعاول، بل بأطفال يحملون الكتب.
ليست الصدمة في أن أكثر من 103 آلاف طفل ما يزالون يشتغلون في المغرب، وفق معطيات المندوبية السامية للتخطيط، بل الصدمة الحقيقية أن المجتمع اعتاد رؤية الطفل عاملا أكثر مما اعتاد رؤيته تلميذا. أصبح الطفل الذي يحمل صندوق الخضر، أو يجر عربة في الأسواق، أو يقضي يومه في الحقول، أو يلاحق السيارات لحراستها مقابل دراهم معدودة، مشهدا عاديا لا يثير سوى نظرات عابرة، وكأن الطفولة أصبحت ترفا لا يستحقه الجميع.
كل طفل يعمل هو طفل تنتزع منه طفولته قطعةً قطعة. فمكان الطفل الطبيعي هو المدرسة، وساحة اللعب، والبيت الآمن، وليس الورشات، والحقول، والأسواق، ومواقع البناء، أو الشوارع التي تتحول إلى فضاءات للاستغلال اليومي.
الأرقام التي كشفتها المندوبية ليست مجرد إحصاءات جامدة، بل هي شهادات إدانة لواقع مؤلم. فحين يزاول نحو 59 ألف طفل أعمالا خطرة، فإننا لا نتحدث عن "مساعدة الأسرة" كما يحاول البعض تبرير الأمر، بل عن أطفال تلقى بهم في أعمال تفوق قدراتهم الجسدية والنفسية، وتعرضهم للإصابات والأمراض والاستغلال، وتحرمهم من حقهم في النمو السليم والتعلم والحياة الكريمة.
ولا يتعلق الأمر هنا بمجرد ظاهرة اجتماعية فرضتها الهشاشة أو الفقر، بل بانتهاك قانوني وحقوقي واضح. فالمشرع المغربي أحاط تشغيل الأحداث بضوابط قانونية دقيقة، وحظر تشغيلهم في الأعمال الخطرة أو التي تمس بصحتهم أو سلامتهم أو أخلاقهم أو تعرقل تمدرسهم، كما أن المغرب ملتزم، بموجب الاتفاقيات الدولية التي صادق عليها، بحماية الأطفال من الاستغلال الاقتصادي وكل عمل يحرمهم من طفولتهم أو يهدد نموهم. لذلك لا يمكن أن يتحول الفقر إلى مبرر لتعليق نفاذ القانون، ولا أن تصبح الحاجة ذريعة لتبرير انتهاك حقوق الطفل.
الأخطر أن تشغيل الأطفال لا يقف عند حدود الفلاحة أو بعض الحرف التقليدية، بل يمتد إلى أعمال شاقة ومهينة لا تتناسب إطلاقا مع أعمارهم؛ من حمل الأثقال، والعمل في الورش، إلى حراسة السيارات لساعات طويلة تحت الشمس، وجمع النفايات، وأعمال الخدمة المنزلية، بل إن بعض الأطفال يجدون أنفسهم، بفعل الفقر والهشاشة وغياب الحماية، وقودا لشبكات التسول والاستغلال والإجرام، ويستغل بعضهم في نقل الممنوعات أو ترويجها، قبل أن يتحول الضحية إلى متهم.
الأشد مرارة أن المجتمع كثيرا ما يصفق لهذه المأساة دون أن يدري. يبتسم لطفل يقدم له خدمة، ويمنحه درهما أو درهمين، ثم يمضي مقتنعا بأنه قام بعمل إنساني، بينما الحقيقة أنه يساهم، ولو بحسن نية، في تكريس واقع يفترض أن يكون استثناء لا قاعدة. الرحمة لا تكون بشراء ساعات عمل الطفل، بل بحماية حقه في التعليم والعيش الكريم.
القانون المغربي واضح في هذا الباب، كما أن الاتفاقيات الدولية التي صادق عليها المغرب، وفي مقدمتها اتفاقية حقوق الطفل واتفاقيات منظمة العمل الدولية، تؤكد أن حماية الأطفال من الاستغلال الاقتصادي ليست خيارا سياسيا ولا شعارا مناسباتيا، بل التزام قانوني وأخلاقي. لذلك فإن تشغيل الأطفال ليس ممارسة يمكن تبريرها بالفقر، لأن الفقر لا يمنح أحدا حق مصادرة طفولة إنسان.
صحيح أن الهشاشة الاقتصادية تدفع كثيرا من الأسر إلى خيارات قاسية، لكن مواجهة الفقر لا تكون بتحويل الأطفال إلى مصدر دخل. الدولة مطالبة بتوسيع الحماية الاجتماعية، ودعم الأسر الهشة، ومحاربة الهدر المدرسي، وتشديد المراقبة على المشغلين الذين يستغلون الأطفال، لأن العقوبة يجب أن تطال من يستفيد من عرقهم قبل أن تطال الأسرة التي دفعتها الحاجة إلى هذا الواقع، فحماية الطفولة لا تتحقق بالنصوص التشريعية وحدها، وإنما بإنفاذها، وبطرق متشددة وصارمة.
ولا يجوز أن نستيقظ كل سنة بمناسبة اليوم العالمي لمكافحة تشغيل الأطفال على وقع الأرقام والتصريحات، ثم نعود إلى الصمت حتى يحل الموعد نفسه من العام المقبل. فحقوق الطفل لا تحتمل الموسمية، والطفولة لا يمكن تعويضها بعد ضياعها.
إن أخطر ما في تشغيل الأطفال أنه لا يسرق أجورهم فقط، بل يسرق مستقبلهم. وكل طفل يغادر مقاعد الدراسة إلى سوق الشغل مبكرا، هو خسارة للمجتمع بأسره. فحماية الطفل ليست عملا خيريا ولا مجرد واجب أخلاقي، بل التزام دستوري وقانوني، وأي تساهل مع استغلاله هو تساهل مع انتهاك حقوق الإنسان في أكثر مراحلها هشاشة. فالأوطان لا تبنى بأطفال يحملون المعاول، بل بأطفال يحملون الكتب.
رئيسية 








الرئيسية 




