★ الدكتور ياسين أمناي يقرأ تحولات الزواج والطلاق ورهانات استقرار الأسرة المغربية ★
ليست الأسرة مجرد إطار اجتماعي يجمع الأفراد تحت سقف واحد، وليست مؤسسة تنحصر وظيفتها في الإنجاب وتقاسم الأدوار في الحياة اليومية، إنها النواة المركزية التي يتشكل داخلها المجتمع، ومنها تنطلق عملية التنشئة الاجتماعية، وتتكون أولى ملامح الشخصية، وتُبنى القيم والاتجاهات، ويتعلم فيها الفرد معنى الانتماء والمسؤولية.
ومن داخل مؤسسة الأسرة، يكتسب الإنسان تصوره عن ذاته وعن الآخرين، وعن طبيعة العلاقات التي تربطه بالمجتمع، لذلك فإن أي تحول يصيب الأسرة لا يظل شأنًا خاصًا بأفرادها فقط، بل يمكن أن يمتد أثره إلى البنية الاجتماعية ككل.
في هذا السياق، تثير الأرقام المتداولة بشأن قضايا الطلاق والتطليق بالمغرب خلال سنة 2025 أسئلة تتجاوز الجانب القانوني والقضائي إلى أبعادها الاجتماعية والنفسية والاقتصادية، فتداول معطيات تشير إلى 112 ألف قضية تطليق ونحو 41 ألف حالة طلاق يضعنا أمام ضرورة التفكير في واقع العلاقة الزوجية، وفي الشروط التي تسمح للأسرة بالاستمرار والتكيف مع التحولات التي يعرفها المجتمع المغربي.
غير أن القراءة الدقيقة لهذه الأرقام تقتضي التمييز بين القضايا المعروضة أمام المحاكم وحالات الطلاق المسجلة، وتحديد طبيعة كل مؤشر ومصدره، حتى لا تتحول المعطيات الإحصائية إلى أحكام عامة لا تعكس بالضرورة حقيقة الظاهرة بكل أبعادها.
إن خطورة الموضوع لا تكمن في ارتفاع عدد حالات الانفصال وحده، وإنما في ضرورة فهم العوامل التي تجعل العلاقة الزوجية عاجزة، في بعض الحالات، عن الاستمرار، فالزواج ليس مجرد عقد قانوني أو ارتباط عاطفي، بل هو علاقة اجتماعية تتطلب التفاوض المستمر حول المسؤوليات والانتظارات والأدوار، كما تتطلب قدرًا من النضج الانفعالي والقدرة على إدارة الخلافات.
وعندما تتسع المسافة بين ما ينتظره الأزواج من الحياة المشتركة وما تسمح به الظروف الواقعية، تصبح العلاقة أكثر عرضة للتوتر والصراع، خصوصًا حين يغيب الحوار، ويتحول الاختلاف إلى صراع حول السلطة أو الكرامة أو توزيع المهام.
ولا يمكن فهم التحولات التي تعرفها الأسرة المغربية بمعزل عن السياق الذي تعيش فيه، فقد تغيرت تمثلات الأفراد عن الزواج، وتطورت انتظاراتهم من العلاقة الزوجية، وأصبحت قضايا الاستقلالية الشخصية وتقاسم المسؤوليات وتحقيق الذات أكثر حضورًا في الحياة اليومية، كما أن التحولات التي عرفتها أدوار النساء والرجال تفرض إعادة بناء التفاهم داخل الأسرة على أسس تحقق التوازن.
إلى جانب ذلك، لا يمكن إغفال العامل الاقتصادي، فارتفاع تكاليف السكن والمعيشة، وصعوبة الحصول على عمل مستقر، وتراجع القدرة الشرائية، وتزايد متطلبات الحياة اليومية، كلها عوامل قد تؤخر الزواج أو تزيد الضغط على المقبلين عليه.
وحين يجد الشباب أنفسهم أمام شروط مادية تبدو صعبة التحقيق، قد يتحول الزواج من أفق للاستقرار وبناء المستقبل إلى مشروع مؤجل باستمرار، أما داخل الأسرة، فقد تتحول الضغوط الاقتصادية، إذا غاب الحوار والتعاون، إلى مصدر متكرر للصراع.
ومع ذلك، لا ينبغي اختزال الطلاق في الفقر أو البطالة، كما لا يصح تفسير العزوف عن الزواج بسبب واحد، فالقرارات الأسرية تتداخل فيها الاعتبارات الاقتصادية والنفسية والثقافية والقانونية.
وفي موازاة ارتفاع قضايا الطلاق والتطليق، نجد ارتفاع نسبة العزوف عن الزواج، وتطرح الظاهرتان سؤالًا مشتركًا حول موقع الأسرة في تصورات الأجيال الجديدة عن المستقبل.
فحين يؤجل الشباب الزواج أو يتجنبونه، ينبغي البحث في الأسباب التي تقف وراء ذلك: هل يتعلق الأمر بصعوبة الاستقلال المادي؟ أم بالخوف من تحمل مسؤوليات لا تتناسب مع الإمكانات المتاحة؟ أم بتغير مفهوم السعادة والحرية والاستقرار؟ أم بتجارب أسرية سابقة جعلت بعض الشباب أكثر حذرًا في الإقدام على الزواج؟
إن الإجابة العلمية عن هذه الأسئلة تتطلب معطيات ميدانية، لا الاكتفاء بالانطباعات أو تحميل الشباب مسؤولية التحولات التي يعيشونها.
إن الأسرة تظل إحدى الركائز الأساسية لاستمرارية المجتمع، لأنها تؤدي وظائف لا يمكن اختزالها في العلاقة بين الزوجين، فهي فضاء التنشئة الأولى ومجال نقل القيم والخبرات بين الأجيال.
وعندما تتعرض العلاقات الأسرية للاهتزاز، أو يعجز بعض الأفراد عن بناء علاقات مستقرة وآمنة، فقد تظهر انعكاسات على الأطفال، وعلى الإحساس بالانتماء، وعلى أشكال التضامن بين الأجيال.
لكن ذلك لا يعني أن كل طلاق يؤدي بالضرورة إلى التفكك الاجتماعي، أو أن الأسرة لا يمكن أن تؤدي وظائفها بعد الانفصال، فهناك حالات يكون فيها الطلاق حلًا، خصوصًا في علاقة تتسم بالعنف أو الإيذاء أو الاستحالة الفعلية لاستمرار الحياة المشتركة.
ولذلك، فإن الدفاع عن استقرار الأسرة لا ينبغي أن يتحول إلى دعوة لإبقاء الأفراد داخل علاقات مَرَضية، بل إلى العمل على بناء علاقات سليمة وآمنة وقادرة على الاستمرار.
ومن هنا، فإن التحدي لا يتمثل في المطالبة باستمرار الزواج بأي ثمن، وإنما في توفير الشروط التي تجعل بناء الأسرة واستمرارها أكثر قابلية للتحقق.
ويقتضي ذلك سياسات عمومية تأخذ بعين الاعتبار أوضاع الشباب الاقتصادية، وتيسر الولوج إلى السكن والعمل، وتطور خدمات المواكبة الأسرية والوساطة قبل تفاقم الخلافات، وتدعم التربية على التواصل والحوار وتقاسم المسؤوليات.
كما تبرز أهمية إدماج الثقافة النفسية والاجتماعية في برامج التوعية، حتى لا يُنظر إلى الزواج باعتباره التزامًا قانونيًا فقط، بل باعتباره علاقة تحتاج إلى الاستعداد وتحمل المسؤولية.
إن استقرار المجتمع لا ينفصل عن استقرار أسرته، لكنه لا يتحقق بمجرد رفع شعار الحفاظ على الزواج، فالأسرة القادرة على ضمان الاستمرارية هي الأسرة التي يجد أفرادها فيها الأمان والاحترام، والتي تستطيع التكيف مع التحولات دون أن تفقد قدرتها على أداء وظائفها الاجتماعية والتربوية.
ومن ثم، فإن ارتفاع الطلاق والتطليق واتساع العزوف عن الزواج، إذا تأكدت اتجاهاتهما من خلال المعطيات الموثوقة، يمثلان دعوة إلى مراجعة الشروط الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي تحيط ببناء الأسرة، لا إلى إصدار أحكام أخلاقية على الأفراد.
في النهاية، لا يتعلق الأمر بالدفاع عن مؤسسة الأسرة باعتبارها بقايا نموذج اجتماعي من الماضي، بل بفهمها باعتبارها ركيزة متجددة لاستمرار المجتمع وتماسكه.
فالمجتمع الذي يريد حماية مستقبله لا يكفيه أن يدعو الشباب إلى الزواج، بل عليه أن يجعل بناء الأسرة خيارًا ممكنًا، وأن يوفر للأزواج شروط الاستقرار، وللأطفال بيئة آمنة للنمو، وللنساء والرجال علاقات تقوم على الكرامة والمسؤولية المتبادلة.
إن حماية الأسرة تبدأ من فهم التحولات التي تعيشها، والاستثمار في الإنسان الذي يشكل أساسها، لأن استقرار المجتمع لا يُفرض بالشعارات، بل يُبنى داخل علاقات يومية يسودها الأمان والثقة.
ومن داخل مؤسسة الأسرة، يكتسب الإنسان تصوره عن ذاته وعن الآخرين، وعن طبيعة العلاقات التي تربطه بالمجتمع، لذلك فإن أي تحول يصيب الأسرة لا يظل شأنًا خاصًا بأفرادها فقط، بل يمكن أن يمتد أثره إلى البنية الاجتماعية ككل.
في هذا السياق، تثير الأرقام المتداولة بشأن قضايا الطلاق والتطليق بالمغرب خلال سنة 2025 أسئلة تتجاوز الجانب القانوني والقضائي إلى أبعادها الاجتماعية والنفسية والاقتصادية، فتداول معطيات تشير إلى 112 ألف قضية تطليق ونحو 41 ألف حالة طلاق يضعنا أمام ضرورة التفكير في واقع العلاقة الزوجية، وفي الشروط التي تسمح للأسرة بالاستمرار والتكيف مع التحولات التي يعرفها المجتمع المغربي.
غير أن القراءة الدقيقة لهذه الأرقام تقتضي التمييز بين القضايا المعروضة أمام المحاكم وحالات الطلاق المسجلة، وتحديد طبيعة كل مؤشر ومصدره، حتى لا تتحول المعطيات الإحصائية إلى أحكام عامة لا تعكس بالضرورة حقيقة الظاهرة بكل أبعادها.
إن خطورة الموضوع لا تكمن في ارتفاع عدد حالات الانفصال وحده، وإنما في ضرورة فهم العوامل التي تجعل العلاقة الزوجية عاجزة، في بعض الحالات، عن الاستمرار، فالزواج ليس مجرد عقد قانوني أو ارتباط عاطفي، بل هو علاقة اجتماعية تتطلب التفاوض المستمر حول المسؤوليات والانتظارات والأدوار، كما تتطلب قدرًا من النضج الانفعالي والقدرة على إدارة الخلافات.
وعندما تتسع المسافة بين ما ينتظره الأزواج من الحياة المشتركة وما تسمح به الظروف الواقعية، تصبح العلاقة أكثر عرضة للتوتر والصراع، خصوصًا حين يغيب الحوار، ويتحول الاختلاف إلى صراع حول السلطة أو الكرامة أو توزيع المهام.
ولا يمكن فهم التحولات التي تعرفها الأسرة المغربية بمعزل عن السياق الذي تعيش فيه، فقد تغيرت تمثلات الأفراد عن الزواج، وتطورت انتظاراتهم من العلاقة الزوجية، وأصبحت قضايا الاستقلالية الشخصية وتقاسم المسؤوليات وتحقيق الذات أكثر حضورًا في الحياة اليومية، كما أن التحولات التي عرفتها أدوار النساء والرجال تفرض إعادة بناء التفاهم داخل الأسرة على أسس تحقق التوازن.
إلى جانب ذلك، لا يمكن إغفال العامل الاقتصادي، فارتفاع تكاليف السكن والمعيشة، وصعوبة الحصول على عمل مستقر، وتراجع القدرة الشرائية، وتزايد متطلبات الحياة اليومية، كلها عوامل قد تؤخر الزواج أو تزيد الضغط على المقبلين عليه.
وحين يجد الشباب أنفسهم أمام شروط مادية تبدو صعبة التحقيق، قد يتحول الزواج من أفق للاستقرار وبناء المستقبل إلى مشروع مؤجل باستمرار، أما داخل الأسرة، فقد تتحول الضغوط الاقتصادية، إذا غاب الحوار والتعاون، إلى مصدر متكرر للصراع.
ومع ذلك، لا ينبغي اختزال الطلاق في الفقر أو البطالة، كما لا يصح تفسير العزوف عن الزواج بسبب واحد، فالقرارات الأسرية تتداخل فيها الاعتبارات الاقتصادية والنفسية والثقافية والقانونية.
وفي موازاة ارتفاع قضايا الطلاق والتطليق، نجد ارتفاع نسبة العزوف عن الزواج، وتطرح الظاهرتان سؤالًا مشتركًا حول موقع الأسرة في تصورات الأجيال الجديدة عن المستقبل.
فحين يؤجل الشباب الزواج أو يتجنبونه، ينبغي البحث في الأسباب التي تقف وراء ذلك: هل يتعلق الأمر بصعوبة الاستقلال المادي؟ أم بالخوف من تحمل مسؤوليات لا تتناسب مع الإمكانات المتاحة؟ أم بتغير مفهوم السعادة والحرية والاستقرار؟ أم بتجارب أسرية سابقة جعلت بعض الشباب أكثر حذرًا في الإقدام على الزواج؟
إن الإجابة العلمية عن هذه الأسئلة تتطلب معطيات ميدانية، لا الاكتفاء بالانطباعات أو تحميل الشباب مسؤولية التحولات التي يعيشونها.
إن الأسرة تظل إحدى الركائز الأساسية لاستمرارية المجتمع، لأنها تؤدي وظائف لا يمكن اختزالها في العلاقة بين الزوجين، فهي فضاء التنشئة الأولى ومجال نقل القيم والخبرات بين الأجيال.
وعندما تتعرض العلاقات الأسرية للاهتزاز، أو يعجز بعض الأفراد عن بناء علاقات مستقرة وآمنة، فقد تظهر انعكاسات على الأطفال، وعلى الإحساس بالانتماء، وعلى أشكال التضامن بين الأجيال.
لكن ذلك لا يعني أن كل طلاق يؤدي بالضرورة إلى التفكك الاجتماعي، أو أن الأسرة لا يمكن أن تؤدي وظائفها بعد الانفصال، فهناك حالات يكون فيها الطلاق حلًا، خصوصًا في علاقة تتسم بالعنف أو الإيذاء أو الاستحالة الفعلية لاستمرار الحياة المشتركة.
ولذلك، فإن الدفاع عن استقرار الأسرة لا ينبغي أن يتحول إلى دعوة لإبقاء الأفراد داخل علاقات مَرَضية، بل إلى العمل على بناء علاقات سليمة وآمنة وقادرة على الاستمرار.
ومن هنا، فإن التحدي لا يتمثل في المطالبة باستمرار الزواج بأي ثمن، وإنما في توفير الشروط التي تجعل بناء الأسرة واستمرارها أكثر قابلية للتحقق.
ويقتضي ذلك سياسات عمومية تأخذ بعين الاعتبار أوضاع الشباب الاقتصادية، وتيسر الولوج إلى السكن والعمل، وتطور خدمات المواكبة الأسرية والوساطة قبل تفاقم الخلافات، وتدعم التربية على التواصل والحوار وتقاسم المسؤوليات.
كما تبرز أهمية إدماج الثقافة النفسية والاجتماعية في برامج التوعية، حتى لا يُنظر إلى الزواج باعتباره التزامًا قانونيًا فقط، بل باعتباره علاقة تحتاج إلى الاستعداد وتحمل المسؤولية.
إن استقرار المجتمع لا ينفصل عن استقرار أسرته، لكنه لا يتحقق بمجرد رفع شعار الحفاظ على الزواج، فالأسرة القادرة على ضمان الاستمرارية هي الأسرة التي يجد أفرادها فيها الأمان والاحترام، والتي تستطيع التكيف مع التحولات دون أن تفقد قدرتها على أداء وظائفها الاجتماعية والتربوية.
ومن ثم، فإن ارتفاع الطلاق والتطليق واتساع العزوف عن الزواج، إذا تأكدت اتجاهاتهما من خلال المعطيات الموثوقة، يمثلان دعوة إلى مراجعة الشروط الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي تحيط ببناء الأسرة، لا إلى إصدار أحكام أخلاقية على الأفراد.
في النهاية، لا يتعلق الأمر بالدفاع عن مؤسسة الأسرة باعتبارها بقايا نموذج اجتماعي من الماضي، بل بفهمها باعتبارها ركيزة متجددة لاستمرار المجتمع وتماسكه.
فالمجتمع الذي يريد حماية مستقبله لا يكفيه أن يدعو الشباب إلى الزواج، بل عليه أن يجعل بناء الأسرة خيارًا ممكنًا، وأن يوفر للأزواج شروط الاستقرار، وللأطفال بيئة آمنة للنمو، وللنساء والرجال علاقات تقوم على الكرامة والمسؤولية المتبادلة.
إن حماية الأسرة تبدأ من فهم التحولات التي تعيشها، والاستثمار في الإنسان الذي يشكل أساسها، لأن استقرار المجتمع لا يُفرض بالشعارات، بل يُبنى داخل علاقات يومية يسودها الأمان والثقة.
★ العلم الإلكترونية: الدكتور ياسين أمناي - متخصص في علم النفس الاجتماعي ★
رئيسية 








الرئيسية



