*بقلم: الدكتور فؤاد بوعلي*
يُعتبر البرنامج الانتخابي أرضية التعاقد التي يقدمها الحزب السياسي للناخبين بشأن سياسات عمومية واقعية وتصورات عملية، بناءً على فلسفة تصورية، تمهيدًا لخوض الانتخابات. والمفروض ألا يتوقف البرنامج عند حدود المقترحات العملية الإجرائية، بل ينبغي أن يتضمن مجموعة من الأسس التي تعلنها قيادة الحزب السياسي، والتي تبرز هويته العقائدية ومرتكزاته الاجتماعية والفكرية المؤسسة لوجوده. فالحزب ليس مجرد إدارة تقنية، بل هو رؤية مجتمعية.
وقد تبارت الأحزاب المغربية، بمختلف تشكيلاتها وانتماءاتها الإيديولوجية، في التبشير ببرامجها الانتخابية ووعودها للنهوض بمختلف القطاعات. لكن الأكيد أن الجانب الهوياتي يظل هو الجوهر المعبر عن قيمة كل حزب وفلسفته وانتمائه؛ فالتعددية السياسية تفترض وجود تعددية فكرية وإيديولوجية، وليس مجرد تعددية حزبية مؤسساتية.
وإذا كان الناخبون يتطلعون إلى تحسين معيشتهم اليومية، متتبعين صراع الأرقام وتمايز الإمكانات المقترحة، فإن الحزب الذي يُغيب هوية المواطن عن اهتمامه هو حزب منقطع عن جذوره الانتمائية، ولا يتجاوز فهمه لتدبير الشأن العام الجانب التقني الإجرائي.
وباعتبار اللغة العربية ركنًا جامعًا وأساسًا من ركائز المشترك الوطني المغربي، وعنوان الانتماء الهوياتي الحقيقي إلى الوطن والأمة الإسلامية، سنحاول، خلال هذه الإطلالة، تقييم حضورها في البرامج الانتخابية المعروضة على عموم المواطنين.
وقد وجه الائتلاف الوطني من أجل اللغة العربية، باعتباره مؤسسة مدنية ترمي إلى تنسيق الجهود في مجال حماية اللغة العربية من الخروقات والتجاوزات والاختلالات التي تعيق تنزيل طابعها الرسمي، مذكرة تفصيلية إلى الأحزاب السياسية «بخصوص حماية اللغة العربية وتنمية استعمالها»، تتضمن جملة من الأفكار التي اقترح الائتلاف إدراجها ضمن الإجراءات المقدمة في البرامج.
ويمكن أن نميز، في هذا السياق، بين ثلاثة توجهات تحدد تعامل الأحزاب الكبرى، على الخصوص، مع اللغة العربية:
◆ التوجه الأول
يتضمن أحزابًا وطنية منحت العربية اهتمامًا خاصًا في برامجها الانتخابية، وأدرجتها ضمن أولوياتها التدبيرية باعتبارها تعبيرًا عن الهوية الجامعة للمغاربة. ويتصدر هذا التوجه حزبا الاستقلال والعدالة والتنمية.
فمن خلال مرجعيته الوطنية الثابتة، المتمثلة في الدفاع عن الهوية المغربية الجامعة، باعتبارها أحد مرتكزات الاستقلالية الوطنية، في مواجهة موجات التنميط الثقافي والرقمي المتسارعة، يؤكد حزب الاستقلال في برنامجه الانتخابي ضرورة صون مقومات الشخصية المغربية وتعزيز التماسك الاجتماعي بين مختلف مكونات الأمة المغربية، بروافدها العربية والأمازيغية والحسانية.
ففي محور «الحفاظ على منظومة القيم المغربية»، يؤكد الحزب «تعزيز اللغة العربية وتنمية استعمالها، وتسريع أجرأة القانون-الإطار حول الأمازيغية وإحداث المجلس الوطني للغات»، إلى جانب «إطلاق برامج لتقوية اللغتين الرسميتين، العربية والأمازيغية».
وفي محور التعليم و«النهوض بالمدرسة العمومية وبالمنظومة التربوية»، يؤكد الحزب «تعزيز إتقان اللغات الوطنية، وتطوير تعليم اللغات الدولية ذات الصلة بالمعرفة وسوق الشغل».
وفي السياق نفسه، يؤكد حزب العدالة والتنمية أن برنامجه الانتخابي تشاركي، استُقي من عدة مصادر، من بينها «المذكرات الموجهة من طرف جمعيات المجتمع المدني»، مؤكدًا، في باب التحديات التي تؤطر سياق الاستحقاقات، «التحديات المرتبطة بحماية الهوية الوطنية الجامعة».
وفي المحور الأول، «ترسيخ الهوية الإسلامية والوطنية والنهوض بالأسرة والقيم المغربية الأصيلة»، يؤكد الحزب أن عملية التعزيز تفترض مواجهة دعوات التشظي الهوياتي، من خلال «تعزيز الهوية الوطنية متعددة الروافد باعتبارها هوية وطنية موحدة تستوعب مختلف مكونات الشخصية المغربية، ومواجهة محاولات تحويل التعدد إلى تنازع هوياتي أو لغوي».
وفي عرضه التربوي، يؤكد الحزب «اعتماد اللغة العربية لغة أساسية»، كما ينص عليه القانون-الإطار المتعلق بمنظومة التربية والتكوين، و«إرساء تعددية لغوية عبر إتقان اللغات الأجنبية»، مركزًا على التناوب اللغوي بنسبة لا تتجاوز 30 في المائة.
وفي تطوير برامج تعزيز الهوية لمغاربة العالم، تحضر اللغة العربية من خلال «تطوير مدرسة رقمية لتعليم العربية والأمازيغية لأبناء الجالية».
◆ التوجه الثاني
يتضمن الأحزاب التي أدرجت الحديث عن العربية في إطار التعددية اللغوية، ولم تخصصها باهتمام خاص، ولا سيما في الشق التعليمي والتربوي.
ففي برنامج الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، نجد إشارتين مقتضبتين إلى اللغة العربية في الجانب التعليمي، من خلال «تعزيز تعليم اللغات الأجنبية مع ترسيخ مكانة اللغة العربية»، وفي المحور الثقافي من خلال تأكيد الحزب إيمانه بأن «الهوية المغربية، بروافدها العربية والأمازيغية والحسانية والإفريقية والأندلسية والعبرية والمتوسطية، تشكل مصدر غنى حضاري يجب صونه وتثمينه، في إطار وحدة وطنية قائمة على التنوع والانفتاح، واحترام الحقوق الثقافية واللغوية التي كرسها الدستور».
وفي برنامج تحالف اليسار، تأكيد على «صيانة التعدد الثقافي واعتماد سياسة لغوية وطنية واضحة ومستدامة»، من خلال «حماية اللغة العربية والتفعيل الكامل للطابع الرسمي للأمازيغية، والتفتح على اللغات العالمية، وصيانة التنوع الثقافي واللغوي باعتباره رصيدًا وطنيًا مشتركًا، وتعزيز الثقافة الوطنية بكل روافدها».
وفي السياق نفسه، يقترح حزب الحركة الشعبية، في محور التعليم، إجراء «تقوية مكانة اللغتين الرسميتين، العربية والأمازيغية، داخل المنظومة التعليمية، مع تمكين التلاميذ من الانفتاح على اللغات الأجنبية منذ سن مبكرة، بشكل تدريجي ومدروس».
ويؤكد الحزب ضرورة التوازن في بناء منظومة لغوية للتعليم: «فالهدف ليس وضع اللغات في مواجهة بعضها، وإنما بناء منظومة لغوية متوازنة تجعل من العربية والأمازيغية أساسًا للهوية والتعليم، ومن اللغات الأجنبية جسرًا نحو المعرفة والانفتاح والاقتصاد العالمي».
وفي الإطار نفسه، يشير البرنامج الانتخابي لحزب جبهة القوى الديمقراطية إلى «تعزيز الهوية الوطنية والتعدد اللغوي: العربية، والأمازيغية، واللغات الحية»، في مشروع الميثاق المندمج للنهوض بالمدرسة العمومية وأجرأة التحول التعليمي.
كما نجد إشارة في محور «دمقرطة الفعل الثقافي والإعلامي والقوة الناعمة»، مع تغيير للترتيب الدستوري للغتين الرسميتين، من خلال «التفعيل العلمي للأمازيغية والعربية، والتنزيل الإداري والتعليمي والقضائي للطابع الرسمي للأمازيغية والعربية، وترقية التعبيرات اللسانية الوطنية».
◆ التوجه الثالث
لم يُولِ اهتمامًا للغة العربية، بل مارس عليها حيفًا في البرنامج الانتخابي، مما يبرز توجهه الإقصائي تجاه اللغة الدستورية الأولى.
ففي برنامج حزب الأصالة والمعاصرة، لم تكن اللغة العربية من أسس المواطنة أو مقومات التمكين لها في المشروع التعليمي الضامن للعيش الكريم، مع التأكيد على ضرورة تكريس الطابع الرسمي للأمازيغية، باعتبارها مكونًا أصيلًا للهوية المغربية وأحد أسس المواطنة الحقة.
وبالموقف نفسه، نجد حزب التقدم والاشتراكية لا يشير إلى واقع العربية أو مبادرات النهوض بها وحمايتها، وإن كانت بعض الإشارات الضمنية ترد في المحور التعليمي فيما يتعلق بالتعلمات الأساسية، في حين حضرت الأمازيغية في الالتزام السادس، من خلال جعل تدريس اللغة الأمازيغية فعليًا في المدرسة العمومية المغربية.
وحتى في الإصلاح الإداري المقترح، تغيب الإشكالية اللغوية عن مشروع النهوض بالإدارة.
ولا يختلف برنامج التجمع الوطني للأحرار، في شقه اللغوي، عن برامج الأحزاب المدرجة ضمن هذا التوجه، إذ يغيب التمكين للغة العربية، باعتباره محورًا للنهوض بالمدرسة المغربية، عن أذهان قيادة الحزب.
كما لا يختلف الاتحاد الدستوري في عدم الإشارة إلى النهوض باللغة العربية ضمن محور «إصلاح المنظومة التعليمية وبناء رأسمال بشري تنافسي».
◆ تركيب وتقييم
من خلال الاطلاع على جل البرامج الانتخابية، خاصة للأحزاب الكبرى، يمكننا تسجيل الملاحظات التالية:
1 ـ ينبغي الإشادة بتفاعل العديد من الهيئات السياسية والأحزاب الوطنية مع المذكرة، وعلى الخصوص أحزاب الاستقلال، والعدالة والتنمية، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وتحالف اليسار، والحركة الشعبية؛ إذ ضمّن بعضها العديد من المقترحات المقدمة في مذكرة الائتلاف، أو كانت المذكرة وراء إدراج العديد من المقتضيات، وربما لأول مرة، في برامج بعض الهيئات.
2 ـ نسجل التعامل السلبي لبعض الأحزاب، وهي الأصالة والمعاصرة، والتجمع الوطني للأحرار، والتقدم والاشتراكية، مع وضع اللغة العربية، وتهميش الحديث عنها في برامجها الانتخابية، مما يكشف عن توجه إقصائي وتمييزي ضد اللغة الرسمية الأولى بنص الدستور، ويؤكد استمرار الإجهاز عليها في سياساتها العمومية إن تمكنت من الوصول إلى الحكومة.
3 ـ لقد وعت الأحزاب الوطنية، وفي مقدمتها الاستقلال والعدالة والتنمية، بأن التمكين للغة العربية لا ينحصر في الجانب التعليمي فقط، وإن كان محوريًا وأساسيًا، بل هو جزء من بناء الإنسان المغربي وحماية هويته، من خلال التأكيد على حماية لغة الضاد وتنمية استعمالها في مرجعياتها التأسيسية ورؤيتها الحضارية، دون إغفال ضرورة النهوض بالأمازيغية باعتبارها جزءًا من هوية المغرب.
4 ـ إن إشارات أحزاب الاتحاد الاشتراكي، وتحالف اليسار، والحركة الشعبية إلى اللغة العربية في مبادراتها المقترحة اقتصرت على الجانب التربوي وموقعها في المنظومة التعليمية، دون الإحالة إلى دورها الهوياتي الجامع.
يُعتبر البرنامج الانتخابي أرضية التعاقد التي يقدمها الحزب السياسي للناخبين بشأن سياسات عمومية واقعية وتصورات عملية، بناءً على فلسفة تصورية، تمهيدًا لخوض الانتخابات. والمفروض ألا يتوقف البرنامج عند حدود المقترحات العملية الإجرائية، بل ينبغي أن يتضمن مجموعة من الأسس التي تعلنها قيادة الحزب السياسي، والتي تبرز هويته العقائدية ومرتكزاته الاجتماعية والفكرية المؤسسة لوجوده. فالحزب ليس مجرد إدارة تقنية، بل هو رؤية مجتمعية.
وقد تبارت الأحزاب المغربية، بمختلف تشكيلاتها وانتماءاتها الإيديولوجية، في التبشير ببرامجها الانتخابية ووعودها للنهوض بمختلف القطاعات. لكن الأكيد أن الجانب الهوياتي يظل هو الجوهر المعبر عن قيمة كل حزب وفلسفته وانتمائه؛ فالتعددية السياسية تفترض وجود تعددية فكرية وإيديولوجية، وليس مجرد تعددية حزبية مؤسساتية.
وإذا كان الناخبون يتطلعون إلى تحسين معيشتهم اليومية، متتبعين صراع الأرقام وتمايز الإمكانات المقترحة، فإن الحزب الذي يُغيب هوية المواطن عن اهتمامه هو حزب منقطع عن جذوره الانتمائية، ولا يتجاوز فهمه لتدبير الشأن العام الجانب التقني الإجرائي.
وباعتبار اللغة العربية ركنًا جامعًا وأساسًا من ركائز المشترك الوطني المغربي، وعنوان الانتماء الهوياتي الحقيقي إلى الوطن والأمة الإسلامية، سنحاول، خلال هذه الإطلالة، تقييم حضورها في البرامج الانتخابية المعروضة على عموم المواطنين.
وقد وجه الائتلاف الوطني من أجل اللغة العربية، باعتباره مؤسسة مدنية ترمي إلى تنسيق الجهود في مجال حماية اللغة العربية من الخروقات والتجاوزات والاختلالات التي تعيق تنزيل طابعها الرسمي، مذكرة تفصيلية إلى الأحزاب السياسية «بخصوص حماية اللغة العربية وتنمية استعمالها»، تتضمن جملة من الأفكار التي اقترح الائتلاف إدراجها ضمن الإجراءات المقدمة في البرامج.
ويمكن أن نميز، في هذا السياق، بين ثلاثة توجهات تحدد تعامل الأحزاب الكبرى، على الخصوص، مع اللغة العربية:
◆ التوجه الأول
يتضمن أحزابًا وطنية منحت العربية اهتمامًا خاصًا في برامجها الانتخابية، وأدرجتها ضمن أولوياتها التدبيرية باعتبارها تعبيرًا عن الهوية الجامعة للمغاربة. ويتصدر هذا التوجه حزبا الاستقلال والعدالة والتنمية.
فمن خلال مرجعيته الوطنية الثابتة، المتمثلة في الدفاع عن الهوية المغربية الجامعة، باعتبارها أحد مرتكزات الاستقلالية الوطنية، في مواجهة موجات التنميط الثقافي والرقمي المتسارعة، يؤكد حزب الاستقلال في برنامجه الانتخابي ضرورة صون مقومات الشخصية المغربية وتعزيز التماسك الاجتماعي بين مختلف مكونات الأمة المغربية، بروافدها العربية والأمازيغية والحسانية.
ففي محور «الحفاظ على منظومة القيم المغربية»، يؤكد الحزب «تعزيز اللغة العربية وتنمية استعمالها، وتسريع أجرأة القانون-الإطار حول الأمازيغية وإحداث المجلس الوطني للغات»، إلى جانب «إطلاق برامج لتقوية اللغتين الرسميتين، العربية والأمازيغية».
وفي محور التعليم و«النهوض بالمدرسة العمومية وبالمنظومة التربوية»، يؤكد الحزب «تعزيز إتقان اللغات الوطنية، وتطوير تعليم اللغات الدولية ذات الصلة بالمعرفة وسوق الشغل».
وفي السياق نفسه، يؤكد حزب العدالة والتنمية أن برنامجه الانتخابي تشاركي، استُقي من عدة مصادر، من بينها «المذكرات الموجهة من طرف جمعيات المجتمع المدني»، مؤكدًا، في باب التحديات التي تؤطر سياق الاستحقاقات، «التحديات المرتبطة بحماية الهوية الوطنية الجامعة».
وفي المحور الأول، «ترسيخ الهوية الإسلامية والوطنية والنهوض بالأسرة والقيم المغربية الأصيلة»، يؤكد الحزب أن عملية التعزيز تفترض مواجهة دعوات التشظي الهوياتي، من خلال «تعزيز الهوية الوطنية متعددة الروافد باعتبارها هوية وطنية موحدة تستوعب مختلف مكونات الشخصية المغربية، ومواجهة محاولات تحويل التعدد إلى تنازع هوياتي أو لغوي».
وفي عرضه التربوي، يؤكد الحزب «اعتماد اللغة العربية لغة أساسية»، كما ينص عليه القانون-الإطار المتعلق بمنظومة التربية والتكوين، و«إرساء تعددية لغوية عبر إتقان اللغات الأجنبية»، مركزًا على التناوب اللغوي بنسبة لا تتجاوز 30 في المائة.
وفي تطوير برامج تعزيز الهوية لمغاربة العالم، تحضر اللغة العربية من خلال «تطوير مدرسة رقمية لتعليم العربية والأمازيغية لأبناء الجالية».
◆ التوجه الثاني
يتضمن الأحزاب التي أدرجت الحديث عن العربية في إطار التعددية اللغوية، ولم تخصصها باهتمام خاص، ولا سيما في الشق التعليمي والتربوي.
ففي برنامج الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، نجد إشارتين مقتضبتين إلى اللغة العربية في الجانب التعليمي، من خلال «تعزيز تعليم اللغات الأجنبية مع ترسيخ مكانة اللغة العربية»، وفي المحور الثقافي من خلال تأكيد الحزب إيمانه بأن «الهوية المغربية، بروافدها العربية والأمازيغية والحسانية والإفريقية والأندلسية والعبرية والمتوسطية، تشكل مصدر غنى حضاري يجب صونه وتثمينه، في إطار وحدة وطنية قائمة على التنوع والانفتاح، واحترام الحقوق الثقافية واللغوية التي كرسها الدستور».
وفي برنامج تحالف اليسار، تأكيد على «صيانة التعدد الثقافي واعتماد سياسة لغوية وطنية واضحة ومستدامة»، من خلال «حماية اللغة العربية والتفعيل الكامل للطابع الرسمي للأمازيغية، والتفتح على اللغات العالمية، وصيانة التنوع الثقافي واللغوي باعتباره رصيدًا وطنيًا مشتركًا، وتعزيز الثقافة الوطنية بكل روافدها».
وفي السياق نفسه، يقترح حزب الحركة الشعبية، في محور التعليم، إجراء «تقوية مكانة اللغتين الرسميتين، العربية والأمازيغية، داخل المنظومة التعليمية، مع تمكين التلاميذ من الانفتاح على اللغات الأجنبية منذ سن مبكرة، بشكل تدريجي ومدروس».
ويؤكد الحزب ضرورة التوازن في بناء منظومة لغوية للتعليم: «فالهدف ليس وضع اللغات في مواجهة بعضها، وإنما بناء منظومة لغوية متوازنة تجعل من العربية والأمازيغية أساسًا للهوية والتعليم، ومن اللغات الأجنبية جسرًا نحو المعرفة والانفتاح والاقتصاد العالمي».
وفي الإطار نفسه، يشير البرنامج الانتخابي لحزب جبهة القوى الديمقراطية إلى «تعزيز الهوية الوطنية والتعدد اللغوي: العربية، والأمازيغية، واللغات الحية»، في مشروع الميثاق المندمج للنهوض بالمدرسة العمومية وأجرأة التحول التعليمي.
كما نجد إشارة في محور «دمقرطة الفعل الثقافي والإعلامي والقوة الناعمة»، مع تغيير للترتيب الدستوري للغتين الرسميتين، من خلال «التفعيل العلمي للأمازيغية والعربية، والتنزيل الإداري والتعليمي والقضائي للطابع الرسمي للأمازيغية والعربية، وترقية التعبيرات اللسانية الوطنية».
◆ التوجه الثالث
لم يُولِ اهتمامًا للغة العربية، بل مارس عليها حيفًا في البرنامج الانتخابي، مما يبرز توجهه الإقصائي تجاه اللغة الدستورية الأولى.
ففي برنامج حزب الأصالة والمعاصرة، لم تكن اللغة العربية من أسس المواطنة أو مقومات التمكين لها في المشروع التعليمي الضامن للعيش الكريم، مع التأكيد على ضرورة تكريس الطابع الرسمي للأمازيغية، باعتبارها مكونًا أصيلًا للهوية المغربية وأحد أسس المواطنة الحقة.
وبالموقف نفسه، نجد حزب التقدم والاشتراكية لا يشير إلى واقع العربية أو مبادرات النهوض بها وحمايتها، وإن كانت بعض الإشارات الضمنية ترد في المحور التعليمي فيما يتعلق بالتعلمات الأساسية، في حين حضرت الأمازيغية في الالتزام السادس، من خلال جعل تدريس اللغة الأمازيغية فعليًا في المدرسة العمومية المغربية.
وحتى في الإصلاح الإداري المقترح، تغيب الإشكالية اللغوية عن مشروع النهوض بالإدارة.
ولا يختلف برنامج التجمع الوطني للأحرار، في شقه اللغوي، عن برامج الأحزاب المدرجة ضمن هذا التوجه، إذ يغيب التمكين للغة العربية، باعتباره محورًا للنهوض بالمدرسة المغربية، عن أذهان قيادة الحزب.
كما لا يختلف الاتحاد الدستوري في عدم الإشارة إلى النهوض باللغة العربية ضمن محور «إصلاح المنظومة التعليمية وبناء رأسمال بشري تنافسي».
◆ تركيب وتقييم
من خلال الاطلاع على جل البرامج الانتخابية، خاصة للأحزاب الكبرى، يمكننا تسجيل الملاحظات التالية:
1 ـ ينبغي الإشادة بتفاعل العديد من الهيئات السياسية والأحزاب الوطنية مع المذكرة، وعلى الخصوص أحزاب الاستقلال، والعدالة والتنمية، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وتحالف اليسار، والحركة الشعبية؛ إذ ضمّن بعضها العديد من المقترحات المقدمة في مذكرة الائتلاف، أو كانت المذكرة وراء إدراج العديد من المقتضيات، وربما لأول مرة، في برامج بعض الهيئات.
2 ـ نسجل التعامل السلبي لبعض الأحزاب، وهي الأصالة والمعاصرة، والتجمع الوطني للأحرار، والتقدم والاشتراكية، مع وضع اللغة العربية، وتهميش الحديث عنها في برامجها الانتخابية، مما يكشف عن توجه إقصائي وتمييزي ضد اللغة الرسمية الأولى بنص الدستور، ويؤكد استمرار الإجهاز عليها في سياساتها العمومية إن تمكنت من الوصول إلى الحكومة.
3 ـ لقد وعت الأحزاب الوطنية، وفي مقدمتها الاستقلال والعدالة والتنمية، بأن التمكين للغة العربية لا ينحصر في الجانب التعليمي فقط، وإن كان محوريًا وأساسيًا، بل هو جزء من بناء الإنسان المغربي وحماية هويته، من خلال التأكيد على حماية لغة الضاد وتنمية استعمالها في مرجعياتها التأسيسية ورؤيتها الحضارية، دون إغفال ضرورة النهوض بالأمازيغية باعتبارها جزءًا من هوية المغرب.
4 ـ إن إشارات أحزاب الاتحاد الاشتراكي، وتحالف اليسار، والحركة الشعبية إلى اللغة العربية في مبادراتها المقترحة اقتصرت على الجانب التربوي وموقعها في المنظومة التعليمية، دون الإحالة إلى دورها الهوياتي الجامع.
رئيسية 








الرئيسية




