Quantcast
2026 أغسطس 3 - تم تعديله في [التاريخ]

العصبة المغربية لحقوق الإنسان تدعو إلى تحقيق مستقل بشأن أحداث الفنيدق وترصد اختلالات إنسانية واجتماعية بمعبر باب سبتة


تقرير حقوقي يرصد أحداث الفنيدق: مطالب بكشف حصيلة الضحايا والمفقودين

صورة تعبيرية مولدة بالذكاء الإصطناعي
صورة تعبيرية مولدة بالذكاء الإصطناعي

*العلم الإلكترونية: حكيمة الوردي*

أصدرت العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان تقريرًا أوليًا عقب مهمة استطلاعية ميدانية أنجزها مكتبها الجهوي بجهة طنجة-تطوان-الحسيمة، بمشاركة المكتبين الإقليميين بالمضيق-الفنيدق وتطوان، خصصت لرصد الأوضاع الإنسانية والاجتماعية بمحيط معبر باب سبتة المحتلة ومدينة الفنيدق، خلال الفترة الممتدة من 31 يوليوز إلى 2 غشت 2026.

وأوضح التقرير أن هذه المهمة تندرج في إطار اختصاصات العصبة المتعلقة برصد أوضاع حقوق الإنسان ومتابعة مدى احترام الحقوق والحريات الأساسية، من خلال معاينة الأوضاع الميدانية والاستماع إلى إفادات عدد من المواطنين والمرشحين للهجرة غير النظامية، إلى جانب الوقوف على انعكاسات الأحداث الأخيرة التي شهدتها المنطقة.

وأشار التقرير إلى أن البعثة سجلت توافد أعداد كبيرة من الأشخاص، غالبيتهم من الشباب، إلى مدينة الفنيدق ومحيط معبر باب سبتة، قادمين من مختلف جهات المملكة، وهو ما أدى إلى اكتظاظ ملحوظ بالأحياء والشوارع والساحات العمومية، في ظل استمرار تدفق الوافدين طيلة فترة المهمة الميدانية.

كما رصدت البعثة وجود نساء وأطفال، بينهم رضع وقاصرون، ضمن مجموعات المرشحين للهجرة غير النظامية، معتبرة أن ظروف وجودهم تثير مخاوف تتعلق بسلامتهم الجسدية والنفسية، في ظل افتقار عدد من الحالات إلى الحد الأدنى من شروط الرعاية الصحية والإيواء والحماية.

وسجل التقرير كذلك حالة من التوتر والاحتقان بمحيط مدينة الفنيدق ومعبر باب سبتة، تخللتها حالات تدافع واحتكاكات متفرقة، فضلاً عن اضطراب في حركة السير والتنقل، الأمر الذي انعكس على السير العادي للحياة اليومية بالمدينة.

ووفق الإفادات التي استمعت إليها البعثة، فإن الأسباب الرئيسية التي تدفع عدداً من الشباب إلى محاولة الهجرة غير النظامية ترتبط بالأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، وارتفاع معدلات البطالة، وصعوبة الولوج إلى فرص الشغل، إلى جانب تنامي الشعور بفقدان الأمل في تحسين أوضاعهم داخل البلاد.

وتحدث التقرير عن تلقي اللجنة شهادات متطابقة بشأن تسجيل حالات وفاة وإصابات خلال محاولات العبور أو بمحيط المنطقة الحدودية، وهي معطيات قالت إنها تداولتها أيضاً وسائل إعلام ومنصات رقمية، غير أنها أكدت عدم تمكنها، إلى حدود إعداد التقرير، من التحقق الميداني المستقل من جميع تفاصيل هذه الوقائع أو تحديد حصيلة دقيقة، في ظل غياب معطيات رسمية مفصلة.

وفي هذا السياق، دعت العصبة إلى فتح تحقيق رسمي مستقل وشفاف لتحديد ملابسات الأحداث، والكشف عن الحصيلة الدقيقة للوفيات والإصابات والمفقودين، وترتيب المسؤوليات، ضماناً لحق الرأي العام وأسر الضحايا في معرفة الحقيقة.

وأشار التقرير إلى أن البعثة لاحظت تفاوتًا بين الأرقام المتداولة بشأن حصيلة الضحايا والمعطيات الرسمية المتوفرة إلى حدود إعداد التقرير، إذ تحدث عدد من الشهود عن سقوط ضحايا من بينهم أطفال ونساء ومسنون، فيما أكدت العصبة أنها تثبت ورود هذه الشهادات دون أن تعتبرها معطيات نهائية، في انتظار نتائج تحقيق رسمي.

كما عاين أعضاء البعثة آثار تخريب وإحراق طالت عدداً من المركبات الخاصة، إلى جانب أضرار لحقت بممتلكات عامة، في وقت أفادت فيه السلطات المختصة بتسجيل أعمال عنف ورشق بالحجارة وإيقاف عدد من الأشخاص وإحالتهم على القضاء، في إطار الأبحاث الجارية.

وسجل التقرير أن الأحداث انعكست بشكل مباشر على النشاط الاقتصادي بمدينة الفنيدق، حيث شهدت الحركة التجارية تراجعًا ملحوظًا، واضطر عدد كبير من التجار والمهنيين إلى إغلاق محلاتهم إلى غاية زوال يوم السبت، بينما تأثرت الخدمات العمومية والخاصة بسبب الانتشار الكثيف للمرشحين للهجرة في عدد من الأحياء والشوارع الرئيسية.

ورصدت البعثة تعبئة السلطات لعشرات الحافلات لنقل الأشخاص الذين تم منعهم من الوصول إلى المنطقة الحدودية أو إعادتهم منها، مؤكدة أنها عاينت تعرض بعض هذه الحافلات للرشق بالحجارة، ما تسبب في تهشيم عدد من نوافذها. كما تبين، بحسب التقرير، أن عمليات النقل شملت ترحيل أشخاص إلى مدن مختلفة خارج منطقة التوتر دون أن يظهر اعتماد أي تمييز بين أبناء المنطقة والوافدين إليها.

وأضاف التقرير أن الأوضاع بمدينة الفنيدق عادت تدريجيا إلى طبيعتها ابتداء من زوال السبت، فيما ظل التوتر قائمًا بمدينة سبتة المحتلة، وفق ما نقله مندوب العصبة بالمدينة، الذي أشار إلى استمرار الانتشار الأمني والعسكري، مع وجود عدد محدود من المهاجرين داخل المدينة، في حين استقر آخرون لدى أقاربهم أو معارفهم.

وفي السياق نفسه، أفاد التقرير بأن مندوب العصبة عاين صباح الأحد مجموعة من المهاجرين بالقرب من ميناء سبتة وهم في حالة إنهاك، تحت حراسة عناصر من الجيش الإسباني مدعومة بمركبة مدرعة.

كما تضمن التقرير معطيات حول مزاعم باستعمال العنف في حق بعض العائدين من سبتة، مشيرًا إلى اطلاع البعثة على تسجيل مصور يظهر أحد عناصر القوات المساعدة وهو يقذف أحد المرشحين للهجرة بحجر، وهو ما اعتبرته العصبة سلوكًا يستوجب التحقيق وترتيب المسؤوليات في حال ثبوت الوقائع.

وسجلت البعثة أيضًا استمرار دوريات زوارق الإنقاذ البحري الإسباني بمحاذاة الحدود البحرية، بالتزامن مع اعتماد خط عائم جديد يمتد لمسافة تقارب 500 متر لتنظيم المجال البحري بالمنطقة.

وبخصوص الأرقام التي جرى تداولها، أوضح التقرير أن بعضها يستند إلى تصريحات إعلامية ومسؤولين إسبان، فيما يعتمد جزء آخر على معطيات ميدانية جمعتها البعثة، مؤكدا أنها تبقى غير رسمية إلى حين صدور بلاغات مفصلة من الجهات المختصة.

وأشار التقرير إلى أن وكالة "فرانس برس"، نقلًا عن ممثل الحكومة الإسبانية بمدينة سبتة، تحدثت عن تسجيل 72 حالة وفاة مرتبطة بمحاولات الوصول إلى المدينة، غير أن مراسل قناة "ميدي 1 تيفي"، استنادًا إلى مسؤول إسباني، أوضح أن هذا الرقم يمثل مجموع الوفيات المسجلة خلال نحو سنتين، وليس حصيلة الأحداث الأخيرة فقط.

كما أفادت المعطيات التي توصلت بها العصبة بأن مستشفيي الحسن الثاني بالفنيدق وسانية الرمل بتطوان استقبلا، وفق مصادر ميدانية، 32 حالة وفاة، في انتظار إعلان رسمي يحدد الحصيلة النهائية.

وأضاف التقرير أن المؤسسات الصحية استقبلت أكثر من 400 شخص لتلقي الإسعافات والعلاجات نتيجة إصابات أو حالات إعياء واختناق وإجهاد، فيما تم تسجيل خسائر مادية شملت احتراق تسع سيارات خاصة، وسيارة للأمن الوطني، وسيارتي أجرة، إضافة إلى 17 دراجة نارية.

كما رصدت العصبة، إلى حدود صباح الأحد، تعبئة نحو 51 حافلة لنقل الأشخاص الذين تمت إعادتهم من محيط المنطقة الحدودية إلى مدن مختلفة بالمملكة، في إطار الإجراءات التي اتخذتها السلطات لتخفيف الضغط على مدينة الفنيدق وإعادة الأوضاع إلى طبيعتها.

وخلصت العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان، في تقريرها الأولي، إلى أن الأحداث التي شهدتها مدينة الفنيدق ومحيط معبر باب سبتة تعكس مؤشرات مقلقة بشأن تفاقم الهشاشة الاجتماعية واتساع دائرة اليأس في صفوف فئات واسعة من الشباب، الأمر الذي يدفع أعدادًا متزايدة منهم، إلى جانب نساء وأسر بأكملها، إلى المجازفة بحياتهم عبر محاولات للهجرة غير النظامية.

واعتبرت العصبة أن المقاربة الأمنية، رغم أهميتها في حفظ النظام العام، لا يمكن أن تشكل وحدها حلاً لهذه الظاهرة، مؤكدة أن معالجة الهجرة غير النظامية تستوجب التصدي لأسبابها البنيوية، وفي مقدمتها البطالة، وضعف فرص الشغل، والهشاشة الاجتماعية، وصعوبة الولوج إلى الخدمات الأساسية، بما يعيد الثقة إلى الشباب ويحد من تنامي مشاعر الإحباط والإقصاء.

كما سجل التقرير أن عدداً من الشهادات التي استمعت إليها البعثة تحدثت عن تعرض بعض الأشخاص الذين تمكنوا من العبور إلى سبتة المحتلة لأعمال عنف واعتداءات ذات طابع عنصري، فيما أظهرت تسجيلات مصورة تداولها نشطاء تعرض بعض المهاجرين لاعتداءات أمام أنظار عناصر الأمن الإسباني.

وفي المقابل، نقل التقرير عن مندوب العصبة بمدينة سبتة أن تلك الوقائع لا تعكس بالضرورة الأجواء العامة داخل المدينة، مشيراً إلى أن عدداً من سكان سبتة المغاربة قدموا مساعدات إنسانية للوافدين، من خلال توفير الطعام والملابس والماء، رغم وقوع بعض المشاحنات التي رافقت الأحداث.

وسجل التقرير كذلك وصول مجموعات محسوبة على اليمين المتطرف إلى مدينة سبتة، محذراً من أن وجودها قد يفاقم منسوب التوتر ويزيد من احتمالات وقوع احتكاكات بين المهاجرين وسكان المدينة.

وفي سياق متصل، أوضحت العصبة أنها تدخلت لدى مسؤولين أمنيين مطالبة بعدم ترحيل أبناء مدن الفنيدق والمضيق وتطوان إلى مدن بعيدة، مؤكدة أن السلطات تفاعلت إيجابياً مع هذا الطلب، واكتفت بتسجيل بيانات المعنيين ودعوتهم إلى مغادرة محيط المنطقة الحدودية.

تقييم حقوقي

وعلى المستوى القانوني، شددت العصبة على أن معالجة هذه الأحداث ينبغي أن تتم في إطار احترام دولة القانون والالتزامات الدستورية والدولية للمملكة، بما يضمن تحقيق التوازن بين متطلبات حفظ الأمن وصيانة الحقوق والحريات الأساسية.

وأشار التقرير إلى أن الوقائع المسجلة تثير إشكالات حقوقية ترتبط أساساً بالحق في الحياة والسلامة الجسدية، وحماية الأطفال والنساء والأشخاص في وضعية هشاشة، فضلاً عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية التي اعتبرها من بين الأسباب الرئيسية المؤدية إلى الهجرة غير النظامية.

واستند التقرير إلى مقتضيات دستور المملكة، ولاسيما الفصلين 20 و22 اللذين يكرسان الحق في الحياة ويحظران المساس بالسلامة الجسدية والمعنوية للأشخاص، مؤكداً أن هذه المقتضيات تفرض على السلطات العمومية اتخاذ جميع التدابير اللازمة لحماية الأرواح، وضمان إجراء تحقيقات فعالة ومستقلة كلما تعلق الأمر بحالات وفاة أو إصابات أو ادعاءات باستعمال غير مشروع للقوة.

كما ذكّر التقرير بالفصل 31 من الدستور، الذي يلزم الدولة بتيسير استفادة المواطنين من الحقوق الأساسية، وفي مقدمتها الشغل والصحة والتعليم والحماية الاجتماعية، معتبراً أن الشهادات التي جمعتها البعثة تؤكد ارتباط الهجرة غير النظامية بتراجع فرص الإدماج الاقتصادي والاجتماعي.

وسجلت العصبة أن وجود أطفال ونساء ضمن مجموعات المرشحين للهجرة يفرض اعتماد مقاربة خاصة تراعي احتياجات هذه الفئات، وتضمن حمايتها من مختلف أشكال المخاطر والاستغلال، مع توفير الرعاية الصحية والاجتماعية والنفسية اللازمة.

وفي المقابل، أدان التقرير أعمال التخريب والعنف التي طالت الممتلكات العامة والخاصة، مؤكداً أنها تظل أفعالاً مجرمة قانوناً، مع التشديد على ضرورة احترام ضمانات المحاكمة العادلة وافتراض البراءة وعدم التوسع في المتابعات الجماعية.

توصيات

وفي ختام تقريرها، وجهت العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان جملة من التوصيات إلى مختلف السلطات والمؤسسات الوطنية والدولية، أبرزها:

- فتح تحقيق قضائي مستقل ومحايد في جميع الوفيات والإصابات وحالات الاختفاء والادعاءات المتعلقة باستعمال القوة، مع تحديد المسؤوليات وترتيب الآثار القانونية.
- الإعلان عن حصيلة رسمية ومفصلة بشأن أعداد الوفيات والمصابين والمفقودين والموقوفين والخسائر المادية، ضماناً للحق في الوصول إلى المعلومة.
- تمكين أسر الضحايا من معرفة الحقيقة والاستفادة من المواكبة القانونية والنفسية وجبر الضرر.
- تقييم التدخلات الأمنية التي رافقت الأحداث واستخلاص الدروس الكفيلة بمنع تكرار أي تجاوزات مستقبلاً.
- ضمان حماية خاصة للأطفال والنساء والأشخاص في وضعية هشاشة، وتوفير الرعاية والإيواء اللازمين لهم.
- احترام جميع الضمانات القانونية للموقوفين، وصون حقوق الدفاع والمحاكمة العادلة.
- تعويض المتضررين من الخسائر المادية، ودعم التجار والمهنيين بمدينة الفنيدق الذين تضررت أنشطتهم بسبب الأحداث.
- إطلاق برامج استعجالية للتشغيل والإدماج الاقتصادي للشباب، خاصة بالأقاليم الشمالية، إلى جانب اعتماد استراتيجية وطنية شاملة لمعالجة أسباب الهجرة غير النظامية.
- دعوة المجلس الوطني لحقوق الإنسان إلى إعداد تقرير مستقل حول الأحداث، ومطالبة رئاسة النيابة العامة بمواكبة التحقيقات وضمان شفافيتها.
- حث البرلمان على فتح نقاش مؤسساتي حول تنامي الهجرة غير النظامية وتقييم السياسات العمومية الموجهة للشباب والتنمية.
- دعوة السلطات الإسبانية إلى التحقيق في الادعاءات المتعلقة بتعرض مهاجرين مغاربة للعنف أو المعاملة العنصرية بمدينة سبتة، وتعزيز التعاون المغربي الإسباني، بدعم من الاتحاد الأوروبي، في مجال تدبير الهجرة وفق مقاربة قائمة على احترام حقوق الإنسان.

واختتمت العصبة تقريرها بالتأكيد على أن ما شهدته مدينة الفنيدق ومحيط معبر باب سبتة المحتلة يمثل مؤشراً على تعمق الاختلالات الاجتماعية والاقتصادية، معتبرة أن تفادي تكرار مثل هذه المآسي يقتضي الانتقال من التدبير الظرفي للأزمات إلى سياسات عمومية ترتكز على العدالة الاجتماعية والتنمية المجالية والحكامة الجيدة، بما يضمن صيانة الكرامة الإنسانية وتعزيز الثقة في المؤسسات.

صورة تعبيرية مولدة بالذكاء الإصطناعي
صورة تعبيرية مولدة بالذكاء الإصطناعي

              
















MyMeteo




Facebook
YouTube
Newsletter
Rss

الاشتراك بالرسالة الاخبارية
أدخل بريدك الإلكتروني للتوصل بآخر الأخبار