العلم الإلكترونية - بقلم فكري ولد علي
في زمن تتسارع فيه التحولات الرقمية، وتتشابك فيه وسائل التواصل الاجتماعي مع العمل الإعلامي، تبرز ظواهر سلبية تهدد القيم الأخلاقية والمهنية، وعلى رأسها الخوض في أعراض الناس والتشهير بهم. وهي سلوكيات مرفوضة دينياً وأخلاقياً، إذ يقول الله تعالى: "ولا يغتب بعضكم بعضاً"، كما حذّر النبي ﷺ من الغيبة والبهتان لما لهما من آثار مدمرة على الفرد والمجتمع.
ولا شك أن هذه الممارسات تُعد منكرات تستوجب الوقوف في وجهها، خاصة في مجتمع يُفترض أن يقوم على قيم الاحترام والتضامن. غير أن ما يثير القلق اليوم هو تسلل هذه السلوكيات إلى بعض الأوساط الإعلامية، حيث باتت بعض المنابر، خصوصاً الرقمية، مجالاً لتصفية الحسابات الشخصية ونشر الإشاعات، بدل أداء رسالتها النبيلة في تنوير الرأي العام.
الصحافة بين الرسالة والانحراف
عرفت الصحافة، باعتبارها سلطة رابعة، دوراً محورياً في الدفاع عن قضايا المجتمع وكشف الحقائق. غير أن السنوات الأخيرة، خاصة مع الطفرة الرقمية التي يشهدها العالم في 2026، أفرزت واقعاً جديداً، حيث أصبح الولوج إلى المجال الإعلامي متاحاً للجميع دون ضوابط كافية، مما أدى إلى تراجع المهنية وانتشار خطاب التشهير والابتزاز.
وفي ظل هذا الواقع، بات من الضروري التمييز بين حرية التعبير، التي يكفلها القانون، وبين الفوضى الإعلامية التي تمس بكرامة الأفراد. فالهاتف الذكي ووسائل التواصل لم تُخلق للإساءة أو نشر الكراهية، بل لتعزيز التواصل الإنساني ونشر المعرفة.
التكنولوجيا سلاح ذو حدين
أضحت التكنولوجيا الحديثة أداة قوية يمكن توظيفها في الخير كما في الشر. ففي الوقت الذي تتيح فيه فرصاً هائلة للتواصل ونشر المعلومة، فإنها تُستغل أحياناً في التشهير والسب والقذف، خصوصاً في ظل غياب الرقابة وضعف الوعي الرقمي لدى بعض المستخدمين.
وهنا تبرز مسؤولية الأفراد قبل المؤسسات، في التحلي بأخلاقيات النشر، واحترام خصوصية الآخرين، والابتعاد عن كل ما من شأنه المساس بكرامتهم.
البعد النفسي للسلوك العدواني
تشير بعض الدراسات النفسية إلى أن السلوكيات العدوانية، كالتشهير والإساءة للآخرين، قد تكون ناتجة عن اضطرابات نفسية أو ضغوط اجتماعية، وهو ما يستدعي التعامل معها بوعي ومسؤولية، بعيداً عن التبرير أو التطبيع معها.
غير أن ذلك لا يُعفي من المحاسبة، بل يفرض تعزيز التوعية النفسية، وتشجيع من يعانون من اضطرابات على طلب الدعم والعلاج، بدل الانخراط في سلوكيات تضر بالآخرين.
أزمة الصحافة الجهوية
تعاني الصحافة الجهوية في المغرب من تحديات متزايدة، أبرزها ضعف التكوين، وغياب التأطير، وانتشار منابر تفتقر إلى الحد الأدنى من المهنية. وهو ما انعكس سلباً على جودة المحتوى، حيث طغت التفاهة والسطحية على حساب التحليل الرصين والتحقيق الجاد.
وفي هذا السياق، أصبح من الضروري إعادة الاعتبار للصحافة كرسالة، عبر دعم التكوين المستمر، وتعزيز أخلاقيات المهنة، وتشجيع المبادرات الجادة التي تسعى إلى الارتقاء بالمحتوى الإعلامي.
دعوة إلى الإصلاح والتقنين
أمام هذا الوضع، تتعالى الأصوات المطالبة بتدخل الجهات المعنية، وعلى رأسها المشرع المغربي، من أجل تحيين الإطار القانوني المنظم للصحافة، خاصة الإلكترونية، بما يضمن حرية التعبير من جهة، ويحمي الأفراد من التشهير من جهة أخرى.
كما يُنتظر من الهيئات المهنية، وفي مقدمتها النقابة الوطنية للصحافة المغربية، لعب دور أكبر في تأطير الصحفيين، ومحاربة كل أشكال الانحراف المهني، والدفاع عن صورة الصحافة كسلطة مسؤولة وملتزمة.
خاتمة
إن الخوض في أعراض الناس ليس مجرد سلوك فردي منحرف، بل ظاهرة تهدد تماسك المجتمع ومصداقية الإعلام. وبين حرية التعبير والمسؤولية الأخلاقية، تبقى الكلمة أمانة، إما أن تُبنى بها الأوطان أو تُهدم بها القيم.
وفي زمن 2026، حيث الكلمة تنتشر بسرعة الضوء، يصبح لزاماً على كل منبر إعلامي، وكل قلم صحفي، أن يختار موقعه: إما في صف التنوير والبناء، أو في خانة الفوضى والتضليل.
رئيسية 








الرئيسية 





