العلم الإلكترونية - بوشعيب حمراوي
لم يعد ملف الصحراء المغربية يتحرك داخل الدائرة القديمة نفسها، ولا داخل اللغة الرمادية التي حكمت مساره لعقود طويلة. فالمعطيات الأخيرة الصادرة عن مجلس الأمن، وتحركات المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة ستافان دي ميستورا، والمشاورات التي تجري برعاية أمريكية وأممية، كلها تؤكد أن النزاع المفتعل دخل مرحلة جديدة عنوانها العريض: البحث عن تسوية سياسية واقعية، لا إعادة إنتاج شعارات انتهت صلاحيتها السياسية والقانونية والإنسانية. وقد أصبح واضحاً أن مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية لم تعد مجرد مقترح مغربي، بل تحولت إلى أرضية جدية وذات مصداقية للنقاش الدولي، كما أبرزت تقارير حديثة أن مجلس الأمن جدد ولاية المينورسو إلى أكتوبر 2026 في سياق سياسي جديد يضع الحل الواقعي في قلب المشاورات.
دي ميستورا و رسالة .. التنازلات التاريخية
اللافت في الإحاطات الأخيرة للمبعوث الأممي أنها لم تعد تكتفي بتكرار قاموس (استئناف العملية السياسية)أو (دعوة الأطراف إلى الحوار)، بل بدأت تقترب من جوهر العقدة. فحين يدعو دي ميستورا البوليساريو إلى تقديم (تنازلات تاريخية)، فذلك يعني أن الأمم المتحدة تدرك أن زمن المناورة انتهى، وأن الطرف الذي بنى خطابه على وهم الانفصال أصبح مطالباً بالنزول من شجرة الشعارات. التنازل التاريخي هنا لا يعني تعديلاً بسيطاً في الخطاب، بل مراجعة جذرية لمنطق كامل استنزف المنطقة أكثر من نصف قرن، وحوّل مخيمات تندوف إلى فضاء انتظار قاسٍ، وسمح للنظام الجزائري بتوظيف معاناة بشرية في معركة إقليمية ضد المغرب.
الحكم الذاتي لم يعد خياراً مغربياً فقط
المكسب المغربي الأكبر اليوم هو أن مبادرة الحكم الذاتي التي هي أقصى ما يمكن أن يقبل به المغرب، انتقلت من خانة المقترح الوطني، إلى خانة المرجع الدولي العملي. الولايات المتحدة وفرنسا وإسبانيا وبريطانيا ودول أوروبية وأسيوية أخرها اليابان، وإفريقية كثيرة باتت تعتبر هذا المقترح أساساً جدياً وواقعياً لتسوية النزاع. كما أن قرار مجلس الأمن رقم 2797 لسنة 2025 شكّل، حسب قراءات دولية، تحولاً في مقاربة الملف لأنه أبرز الحكم الذاتي في إطار السيادة المغربية كحل قابل للتطبيق، مع تجديد ولاية المينورسو إلى غاية أكتوبر 2026.
بعثة المينورسو ستبعث في صورة جديدة بمراجعة الدور والوظيفة
بعثة المينورسو، التي أُحدثت سنة 1991 تحت إشراف الأمم المتحدة من أجل تنظيم استفتاء لتقرير المصير، تجد نفسها اليوم أمام واحدة من أعقد الأزمات السياسية والقانونية في تاريخها. فبعد أكثر من ثلاثة عقود ونصف من الانتظار، لم يعد الحديث داخل أروقة الأمم المتحدة يدور حول (متى سيُنظم الاستفتاء؟)، بل أصبح السؤال الحقيقي: هل ما زال هذا الاستفتاء قابلاً أصلاً للتنفيذ؟ وهل ما زالت الظروف الديمغرافية والسياسية والأمنية التي تأسست عليها خطة 1991 موجودة إلى اليوم؟. الواقع يؤكد أن المينورسو تحولت عمليا منذ عقود من بعثة لتنظيم عملية انتخابية إلى جهاز أممي لمراقبة وقف إطلاق النار، ومنع الانفجار العسكري، وضبط التوازنات الهشة في منطقة الساحل والصحراء. علما أن هذه البعثة كانت تؤدي ناقصة وغامضة. باعتبار أنها تتواجد فوق الأراضي المغربية فقط. ولا تتحرى داخل تراب الأراضي المغربية المحتلة بالصحراء الشرقية من طرف الجزائر. والتي تقيم فوقها ذلك الشعب الوهمي.
لنذكر فقط أن المغرب هو من دعا إل تنظيم استفتاء للصحراويين من أجل تقرير مصيرهم. لكن تعثر مشروع الاستفتاء لم يكن فقط بسبب الخلاف التقني حول تحديد من يحق له التصويت، كما حاولت بعض الأطراف الترويج لذلك لسنوات طويلة، بل لأن الملف تعرض منذ بدايته لعمليات اختراق وتلاعب ديمغرافي وسياسي خطير. فالمغرب ظل يؤكد أن الجزائر والبوليساريو لم يكتفيا باحتجاز الصحراويين المغاربة داخل مخيمات تندوف (معظمهم محتجزين ومهددين بالإعدام أو قتل أطفالهم، وقلة مغرر بها)، إلى استقطاب مهاجرين ولاجئين ومشردين من عدة دول إفريقية جنوب الصحراء ومن فضاءات الساحل حيث الهجرة السرية ، ثم إدماج جزء منهم داخل المخيمات وتقديمهم تدريجياً باعتبارهم (صحراويين) تابعين لما يسمى بالشعب الصحراوي. وهكذا تحولت المخيمات، مع مرور السنوات، إلى فضاء بشري شديد التعقيد، اختلطت فيه الهويات والجنسيات والانتماءات، في ظل غياب أي إحصاء رسمي دقيق ترفضه الجزائر إلى اليوم رغم مطالبات مجلس الأمن المتكررة بإجراء إحصاء شفاف لسكان المخيمات.
الأخطر من ذلك أن جزءاً من هؤلاء تم تلقينهم اللغة الحسانية وأسماء القبائل الصحراوية المغربية والمجال الجغرافي للأقاليم الجنوبية، و بعض مما تختزنه الثقافة الحسانية، بهدف إيهام المنظمات الدولية ووسائل الإعلام الأجنبية بأنهم ينتمون فعلاً إلى الصحراء المغربية. وهنا تكمن إحدى أكبر العقد التي أجهضت مشروع الاستفتاء من الداخل، لأن أي عملية تصويت حقيقية كانت ستصطدم بسؤال قاتل: من هو الصحراوي الحقيقي؟ ومن تم إدخاله سياسياً و ديمغرافياً إلى المخيمات لخدمة مشروع الانفصال؟ لذلك لم يكن الخلاف تقنياً فقط، بل تحول إلى صراع حول الهوية والسكان والشرعية والتمثيلية.
كما أن ملف الأطفال ظل واحداً من أكثر الملفات الإنسانية إثارة للجدل داخل المخيمات. فقد اتُّهمت البوليساريو، عبر تقارير حقوقية وشهادات متعددة، بانتزاع أطفال صحراويين من أسرهم وإرسالهم إلى دول أجنبية، خصوصاً خلال سنوات الحرب الباردة، تحت غطاء (التعليم و التكوين)، أو (التضامن الأممي)، بينما كان الهدف في كثير من الأحيان هو صناعة جيل معبأ بخطاب الانفصال، وربط الأسر نفسياً وتنظيمياً بالمخيمات حتى يصعب عليها العودة إلى المغرب أو الخروج من سلطة البوليساريو.
وتحول الأطفال في مراحل معينة إلى وسيلة للضغط السياسي والابتزاز العاطفي، حيث كانت معاناة الأسر وتفككها جزءاً من آليات التحكم داخل المخيمات. كما يتم ابتزاز مجموعة من الصحراويين المقيمين بأوربا، إرغامهم على دعم عصابة البوليساريو، والعودة إلى مخيمات العار، حيث يحتجزون بعضا من أقارربهم.
لهذا بدأت الأمم المتحدة تدرك تدريجياً أن منطق سنة 1991 لم يعد صالحاً للتطبيق في واقع سنة 2026. فالأجيال تغيرت، والخريطة السكانية تبدلت، والمخيمات أصبحت تحمل تركيبة بشرية معقدة، والنزاع انتقل من سؤال (الاستفتاء) إلى سؤال (الحل الواقعي الممكن). كما أن المجتمع الدولي بات أكثر اقتناعاً بأن استمرار المينورسو بوظيفتها القديمة يعني إطالة عمر الجمود فقط، دون أفق عملي للحسم. ولهذا تتزايد اليوم داخل المؤسسات الدولية الأصوات المطالبة بإعادة تعريف دور البعثة، وتحويلها من مجرد آلية لمراقبة وقف إطلاق النار إلى جزء من مواكبة مرحلة التسوية السياسية الجديدة القائمة على الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، باعتباره الخيار الوحيد الذي ما زال يملك قابلية التطبيق والاستقرار في منطقة تعيش أصلاً فوق فوهة تهديدات أمنية وإرهابية متصاعدة.
الجزائر بين الإنكار ورقصة الديك المذبوح
النظام الجزائري، الذي جعل من البوليساريو أداة وظيفية في عدائه للمغرب، وإلهاء الشعب، يواجه اليوم مأزقاً استراتيجياً كبيراً. فقد راهن على الزمن، وعلى إنهاك المغرب، وعلى تحويل المخيمات إلى ورقة ضغط دائمة. لكنه اكتشف أن الزمن اشتغل ضد أطروحته. المغرب قوي ميدانياً، متماسك داخلياً، متقدم دبلوماسياً، وحاضر تنموياً في أقاليمه الجنوبية. في المقابل، يتراجع الاعتراف بالكيان الوهمي، وتتسع دائرة الدعم للحكم الذاتي، وتزداد عزلة خطاب الانفصال. لذلك تبدو ردود فعل الجزائر والبوليساريو أحياناً أقرب إلى “رقصة الديك المذبوح”: ضجيج كثير، تهديدات كثيرة، لكن بلا أفق سياسي حقيقي.
مخيمات تندوف: القنبلة المؤجلة
أي تسوية جدية لا يمكن أن تتجاهل سؤال مخيمات تندوف. من يوجد هناك؟ كم عددهم؟ ما هوياتهم؟ من الصحراوي الحقيقي ومن الوافد من دول الجوار؟ لماذا ترفض الجزائر منذ عقود إحصاء ساكنة المخيمات؟ إن رفض الإحصاء ليس تفصيلاً إدارياً، بل جوهر المناورة. فالغموض في الأرقام يخدم الدعاية، ويضخم المساعدات، ويمنح البوليساريو هامشاً للمزايدة. لذلك، فإن أي مرحلة انتقالية مقبلة ستصطدم حتماً بضرورة الإحصاء، نزع السلاح، تفكيك اقتصاد المخيمات، وتحديد مصير آلاف المحتجزين سياسياً وإنسانياً فوق التراب الجزائري.
المغرب كسب الرهان لأنه يفاوض من موقع قوة لا من موقع خوف
الحكم الذاتي ليس تنازلاً عن السيادة، بل صيغة ذكية لتدبير السيادة. المغرب لا يقدمه لأنه ضعيف، بل لأنه قوي بما يكفي ليقترح حلاً متقدماً يحفظ ماء وجه الجميع ويُنهي مأساة طويلة. فالمغاربة قبلوا بالمقترح الحكومي على مضض، واعتبروه (أبغض الحلال). بأن الصحراء مغربية لدى كل الشعب. لكن السياسات الدولية تقتضي التنازل في حدود الممكن. لأن المصير معروف ولن يتغير بسبب ترافعات واهية.
فالمغرب موجود في صحرائه، يدير مؤسساته، يبني موانئه وطرقه وجامعاته ومستشفياته، وينظم الانتخابات في أقاليمه الجنوبية، بينما الطرف الآخر يعيش على بيانات قديمة وخطابات خشبية ومخيمات معزولة. الفرق بين المشروعين واضح: المغرب يعرض التنمية، والجزائر تعرض الانتظار؛ المغرب يعرض الحكم الذاتي، والبوليساريو تعرض المجهول؛ المغرب يبني المستقبل، ومحور الشر ضد المغرب يقتات من بقايا الماضي.
التصعيد العسكري محاولة لإفساد المسار السياسي
كلما اقترب الملف من لحظة سياسية جادة، تلجأ البوليساريو إلى التصعيد أو التهديد أو الاستفزاز الميداني. كما فعلت قبل أيام بمنطقة السمارة. وقد عبّرت الأمم المتحدة مؤخراً عن قلقها من حوادث إطلاق نار استهدفت مناطق مدنية، ودعت الأطراف إلى تجنب أي عمل قد يعرقل المسار السياسي، مؤكدة أن الوقت هو وقت الحوار لا التصعيد العسكري. وهذا السلوك يكشف مأزق الانفصال: حين تخسر الأطروحة في الدبلوماسية، تبحث عن ضجيج في الميدان. لكن المغرب خبر هذه الأساليب، ويعرف كيف يجمع بين ضبط النفس والحزم، وبين الشرعية الدولية واليقظة الأمنية.
الحكم الذاتي يطرح حاليا بسخاء وقد يرمي به المغرب في القمامة
الدرس الذي يجب أن تستوعبه الجزائر والبوليساريو هو أن الفرص التاريخية لا تبقى مفتوحة إلى الأبد. تجارب نزاعات أخرى أظهرت أن رفض الحلول الواقعية في الوقت المناسب قد يقود إلى فقدان كل شيء لاحقاً. حين يعرض المغرب حكماً ذاتياً واسعاً تحت سيادته، فهو يقدم حلاً سياسياً يحفظ الاستقرار ويجنب المنطقة مزيداً من الاستنزاف. أما الاستمرار في التعنت، فقد يؤدي إلى لحظة دولية أكثر صرامة، لا يكون فيها للطرف المعاند هامش كبير للمناورة.
اليوم لم يعد السؤال: هل الصحراء مغربية؟ فهذا حسمه التاريخ، والجغرافيا، والبيعة، والتنمية، والسيادة الفعلية، والمواقف الدولية المتزايدة. السؤال الحقيقي هو: متى يملك النظام الجزائري الشجاعة للاعتراف بأن مشروعه ضد المغرب فشل؟ ومتى يتم تفكيك البوليساريو، وإنهاء وظيفة المناولة السياسية والعسكرية السخيفة؟ ومتى يُرفع الحصار عن المحتجزين في تندوف ليعودوا إلى وطنهم الطبيعي؟
إن الصحراء في مغربها، والمغرب في صحرائه. وما يجري اليوم ليس بداية اعتراف بهذه الحقيقة، بل بداية نهاية الوهم الذي عطل المغرب الكبير، وبدد ثروات الشعوب، وحوّل قضية مفتعلة إلى جرح إقليمي مفتوح. أما المغرب، فسيواصل طريقه بثبات: سيادة لا مساومة فيها، حكم ذاتي كأقصى حل واقعي، وتنمية تجعل من الأقاليم الجنوبية بوابة إفريقيا والأطلسي والمستقبل.
هاجس النهاية المرعبة لوهمٍ صُنِع فوق رمال تندوف
يعيش النظام الجزائري اليوم واحداً من أكبر هواجسه السياسية والأمنية والاستراتيجية، ليس فقط خوفاً من انتصار المغرب دبلوماسياً في ملف الصحراء المغربية، بل خوفاً من الانهيار الكامل للوهم الذي صنعه ورعاه وموله لعقود طويلة من أموال الشعب الجزائري. فبعد أكثر من نصف قرن من الإنفاق العسكري والدبلوماسي والإعلامي، ومن بناء خطاب عدائي قائم على صناعة (شعب) و(دولة) و(قضية)، يجد النظام نفسه أمام احتمال مرعب: ماذا بعد تسوية الملف نهائياً تحت مظلة الحكم الذاتي المغربي؟ كيف سيشرح لشعبه وللعالم أنه بدد ثروات طائلة في مشروع انفصالي فاشل؟ وكيف سيبرر عقوداً من التضليل السياسي والدبلوماسي والإعلامي؟ الأخطر من ذلك أن الجزائر تدرك أن المخيمات التي صنعتها في تندوف لم تعد تضم فقط صحراويين مغاربة محتجزين أو مغرراً بهم، بل تحولت مع الزمن إلى خليط بشري معقد من أجناس وجنسيات متعددة قادمة من فضاءات الساحل والصحراء والجوار الإفريقي، تم تلقين جزء منها اللغة الحسانية وأسماء القبائل والمناطق الصحراوية المغربية، لتقديمهم أمام المنظمات الدولية والإعلام الأجنبي باعتبارهم (شعباً صحراوياً). وهنا يكمن الرعب الحقيقي للنظام الجزائري: ماذا سيفعل بكل هذا الخليط البشري إذا عاد الصحراويون المغاربة الحقيقيون إلى وطنهم المغرب؟ وكيف سيتعامل مع كيان بشري قد يتحول مستقبلاً إلى عبء أمني واجتماعي وسياسي داخل التراب الجزائري نفسه؟ بل إن بعض التحليلات بدأت تتحدث عن تخوف جزائري من أن تتحول هذه الكتلة البشرية، بعد سقوط ورقة (الانفصال)، إلى جماعات تطالب بالحكم الذاتي أو بحقوق خاصة داخل الجزائر، خصوصاً بعدما تم تسليحها وتغذيتها لسنوات بخطاب المظلومية والهوية المنفصلة. لذلك يبدو النظام الجزائري اليوم وكأنه يخاف من الحقيقة أكثر مما يخاف من الحل؛ لأن الحل لا يعني فقط نهاية نزاع مفتعل، بل قد يعني أيضاً انفجار أكبر كذبة سياسية عاش عليها هذا النظام لعقود طويلة أمام العالم وأمام شعبه نفسه.
خصوصا أن النظام الجزائري ظل يرفض دخول ممثلي الإعلام الدولي والهيئات والمنظمات الحقوقية الدولية. من أجل التحقيق في ما يجري ويدور. داخل تراب الجزائر من استعباد البشر. وانيهار تام لكل ما يضمن الحياة الكريمة والحرية في التنقل والتواصل وإبداء الرأي
رئيسية 








الرئيسية




