Quantcast
2026 أغسطس 9 - تم تعديله في [التاريخ]

المغرب وإسبانيا بين ذاكرة الاحتلال وخصوصية الجوار… خمسة قرون من المد والجزر فوق ضفتي مضيق لم يعرف الهدوء

من سبتة ومليلية والجزر والصخور المحتلة إلى زلزال التدفق البشري لسنة 2026… جغرافيا تفرض الشراكة، وتاريخ يؤجل المصالحة، وصحراء وهجرة ومصالح تجعل القطيعة مستحيلة..


جاران لا يستطيعان الانفصال… ولا يملكان حتى الآن شجاعة تصفية كل إرث الماضي

المغرب وإسبانيا بين ذاكرة الاحتلال وخصوصية الجوار… خمسة قرون من المد والجزر فوق ضفتي مضيق لم يعرف الهدوء

*بقلم: بوشعيب حمراوي*

ليست العلاقات المغربية الإسبانية مجرد علاقة بين دولتين يفصل بينهما مضيق بحري ضيق، ولا يمكن اختزالها في المبادلات التجارية أو التعاون الأمني أو ملفات الهجرة والصيد البحري والسياحة، لأنها علاقة تشكلت فوق طبقات متراكمة من التاريخ والحروب والاحتلال والمقاومة والمصالح والتداخل البشري، حتى أصبح البلدان يعيشان مفارقة سياسية وجغرافية نادرة؛ فهما قريبان إلى درجة تجعل القطيعة شبه مستحيلة، ومختلفان في بعض الملفات إلى درجة تجعل الاستقرار النهائي للعلاقة صعباً ما لم يمتلك الطرفان شجاعة الانتقال من مجرد إدارة الأزمات إلى معالجة أسبابها التاريخية والسيادية والسياسية.

فإسبانيا بالنسبة إلى المغرب ليست مجرد جار أوروبي وشريك اقتصادي وأمني أساسي، بل هي أيضاً قوة استعمارية سابقة ما تزال تسيطر على سبتة ومليلية وعدد من الجزر والصخور والمواقع قبالة الساحل المغربي، بينما يعتبر المغرب قضية استكمال وحدته الترابية جزءاً من ذاكرته الوطنية ومساره التاريخي في تصفية الاستعمار، ولذلك فإن كل حديث عن العلاقات المغربية الإسبانية يبقى ناقصاً إذا اقتصر على لغة التجارة والأمن والاستثمار وأغفل أن تحت هذا البناء الحديث تاريخاً لم تُغلق كل صفحاته بعد.

ومع ذلك، أثبتت العقود الأخيرة أن الجغرافيا أكثر عناداً من الخلافات؛ فكلما انفجرت أزمة اعتقد البعض أن البلدين يتجهان إلى القطيعة، ثم سرعان ما يعودان إلى الحوار، ليس لأن أسباب الخلاف اختفت، وإنما لأن حجم المصالح المشتركة أصبح أكبر من قدرة أي حكومة في الرباط أو مدريد على تجاهله، ولأن أمن إسبانيا مرتبط بدرجة كبيرة باستقرار المغرب، كما أن المغرب يحتاج إلى فضاء أوروبي مستقر ومفتوح أمام تجارته واستثماراته وجاليته، فيما تحول البلدان إلى شريكين في ملفات تمتد من مكافحة الإرهاب والهجرة غير النظامية إلى الطاقة والنقل والصناعة والسياحة، وصولاً إلى التنظيم المشترك لكأس العالم 2030.

إنها باختصار علاقة تتحرك مثل مياه المضيق نفسه؛ هدوء في السطح لا يلغي قوة التيارات في الأعماق، وتقارب اقتصادي لا يمحو الذاكرة، وشراكة استراتيجية لا تلغي ملفات السيادة.

من سبتة سنة 1415 إلى مليلية سنة 1497… بداية جرح تاريخي طويل

بدأ أحد أقدم فصول المواجهة عندما استولت البرتغال على سبتة سنة 1415، في سياق التوسع الإيبيري على السواحل المغربية ومحاولات السيطرة على الطرق التجارية والممرات البحرية، ثم انتقلت المدينة لاحقاً إلى السيطرة الإسبانية في سياق التحولات التي عرفتها العلاقة بين التاجين الإسباني والبرتغالي، من دون أن يكون المغرب طرفاً في تنازل عن المدينة.

وفي سنة 1497 سيطرت إسبانيا على مليلية، ثم توسع وجودها إلى جزر وصخور ومواقع بحرية قبالة الساحل المغربي، لتصبح تلك المناطق مع مرور الزمن أحد أكثر الملفات حساسية في العلاقة بين البلدين؛ فمدريد تعتبر سبتة ومليلية جزءاً من أراضيها، بينما ظل الخطاب المغربي ينظر إليهما وإلى المواقع الأخرى باعتبارها جزءاً من ملف استكمال الوحدة الترابية وتصفية بقايا الوجود الاستعماري.

ولذلك لم يكن مرور القرون كافياً لمحو القضية، بل أدى فقط إلى انتقالها من ساحات الحروب والمواجهات إلى فضاء السياسة والدبلوماسية وإدارة التوازنات.

حرب تطوان 1859-1860… عندما تحولت الحدود إلى بوابة للتوسع

دخلت العلاقات مرحلة دموية جديدة مع الحرب المغربية الإسبانية بين سنتي 1859 و1860، عندما تحولت خلافات حدودية قرب سبتة إلى مواجهة واسعة استطاعت خلالها القوات الإسبانية احتلال تطوان مؤقتاً وفرض شروط قاسية على المغرب بموجب معاهدة واد راس.

وكانت تلك الحرب جزءاً من مرحلة أوروبية أوسع اتسمت بتزايد الضغط الاستعماري على المغرب، حيث لم تعد السيطرة على المواقع الساحلية هدفاً في حد ذاته، بل أصبحت وسيلة لفرض امتيازات سياسية واقتصادية وترابية جديدة على دولة مغربية كانت تواجه ضغوطاً خارجية متزايدة وأوضاعاً داخلية صعبة.

الريف وأنوال… عندما تحولت المقاومة المغربية إلى درس عالمي

مع بداية القرن العشرين، تصاعد التدخل الإسباني في شمال المغرب، وارتبط التوسع العسكري بالمصالح الاقتصادية واستغلال المناجم ومد خطوط النقل، الأمر الذي فجر مقاومات متتالية بلغت ذروتها مع المقاومة التي قادها الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي.

وجاءت معركة أنوال سنة 1921 لتصبح واحدة من أشهر الهزائم العسكرية في التاريخ الاستعماري الإسباني الحديث، بعدما تمكن المقاومون المغاربة من إلحاق خسائر ثقيلة بالجيش الإسباني وإسقاط مواقع عسكرية عديدة، وتحولت التجربة التي قادها الخطابي إلى مدرسة ألهمت لاحقاً حركات التحرر في مناطق مختلفة من العالم.

ولم تكن مقاومة الخطابي، في جوهرها، مشروعاً لاقتطاع الريف عن المغرب، بل حركة تحرر ضد الاحتلال سعت إلى تنظيم المناطق المحررة وتوحيد القبائل وإقامة إدارة قادرة على مواصلة المقاومة، قبل أن يؤدي التدخل الفرنسي إلى جانب إسبانيا واستخدام قوة عسكرية هائلة إلى إنهاء المرحلة العسكرية للمقاومة سنة 1926.

لكن أنوال بقيت حاضرة في الذاكرة المغربية باعتبارها عنواناً للمقاومة، كما بقيت في الذاكرة الإسبانية واحدة من أكثر صفحات تاريخها العسكري إيلاماً.

1912 إلى 1956… الحماية قسمت الأرض لكنها لم تلغ وحدة المغرب

أدى فرض نظام الحماية سنة 1912 إلى تقسيم المغرب إلى مناطق نفوذ، فخضع الجزء الأكبر للنفوذ الفرنسي، فيما وضعت مناطق واسعة من الشمال وبعض مناطق الجنوب تحت السيطرة الإسبانية، وظلت طنجة ذات وضع دولي خاص.

وعندما استعاد المغرب استقلاله سنة 1956 انتهى نظام الحماية في معظم البلاد، لكن الاستقلال الترابي لم يكتمل دفعة واحدة؛ فقد استمرت إسبانيا في السيطرة على طرفاية وسيدي إفني والصحراء، إضافة إلى سبتة ومليلية والجزر والصخور.

ومن هنا بدأ المغرب سياسة طويلة لاستكمال وحدته الترابية، تجمع بين المقاومة والضغط السياسي والدبلوماسية والتفاوض.

طرفاية 1958 وسيدي إفني 1969… استرجاع الأرض بالتدرج

أفضت المواجهات التي عرفها الجنوب المغربي خلال سنتي 1957 و1958 والضغط السياسي والعسكري إلى استرجاع طرفاية سنة 1958، ثم واصل المغرب مطالبته بسيدي إفني إلى أن استعادها سنة 1969.

وكانت التجربتان دليلاً على أن قضايا الوحدة الترابية قد تستغرق سنوات وعقوداً، لكنها لا تسقط لمجرد مرور الزمن، وأن ميزان القوة ليس ثابتاً، وأن ما يبدو مستحيلاً في مرحلة تاريخية يمكن أن يصبح قابلاً للتفاوض والحل في مرحلة أخرى.

لكن الملف الأكبر كان ينتظر البلدين في الصحراء.

الصحراء والمسيرة الخضراء… عندما وصلت العلاقة إلى لحظة تاريخية حاسمة

مع نهاية الستينيات وبداية السبعينيات أصبحت الصحراء محور المواجهة السياسية بين المغرب وإسبانيا، قبل أن تأتي سنة 1975 لتشكل منعطفاً حاسماً.

فبعد صدور الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية، الذي أقر بوجود روابط قانونية للبيعة بين سلطان المغرب وبعض قبائل الإقليم، أعلن الملك الحسن الثاني تنظيم المسيرة الخضراء، وانطلق يوم السادس من نونبر 1975 مئات الآلاف من المغاربة في مسيرة سلمية أصبحت واحدة من أكبر محطات التاريخ المغربي الحديث.

وأفضت التطورات إلى توقيع إعلان المبادئ في مدريد يوم 14 نونبر 1975 بين المغرب وإسبانيا وموريتانيا، ثم انسحاب إسبانيا من الإقليم، غير أن الطريقة التي دبرت بها مدريد خروجها وتركة النزاع التي أعقبت ذلك جعلت الصحراء تظل لعقود واحدة من أكثر القضايا تأثيراً في العلاقات المغربية الإسبانية.

الديمقراطية الإسبانية لم تمحُ خلافات التاريخ

بعد وفاة فرانكو وانتقال إسبانيا إلى النظام الديمقراطي، اتجه البلدان إلى بناء علاقة تقوم على المصالح والتعاون بدل المواجهة المباشرة، لكن الديمقراطية الإسبانية الجديدة ورثت الملفات نفسها: سبتة ومليلية، الصحراء، الصيد البحري، الحدود البحرية والهجرة.

وجاء انضمام إسبانيا إلى المجموعة الاقتصادية الأوروبية سنة 1986 ليضيف بعداً جديداً للمشكلة، لأن حدود سبتة ومليلية أصبحت مرتبطة بالفضاء الأوروبي، وتحولت قضية الهجرة عبرهما تدريجياً من ملف مغربي إسباني إلى قضية أوروبية.

معاهدة الصداقة سنة 1991… محاولة لوضع قواعد تمنع العودة إلى الماضي

شكل توقيع معاهدة الصداقة وحسن الجوار والتعاون سنة 1991 محاولة لبناء إطار مؤسساتي جديد للعلاقة، يقوم على التشاور والحوار والتعاون وتسوية الخلافات بالوسائل السلمية.

لكن الاتفاقيات تستطيع تنظيم الخلافات ولا تستطيع دائماً إزالة أسبابها، ولذلك بقيت ملفات السيادة والصحراء والهجرة والصيد قابلة لإعادة إنتاج الأزمات.

وهذا ما حدث فعلاً في بداية الألفية الجديدة.

2001 و2002… من سحب السفير إلى أزمة جزيرة ليلى

شهدت العلاقات توتراً كبيراً خلال حكومة خوسيه ماريا أثنار، واستدعى المغرب سفيره من مدريد سنة 2001 في ظل خلافات متعددة، قبل أن تنفجر في يوليوز 2002 أزمة جزيرة ليلى القريبة من الساحل المغربي.

وردت إسبانيا على وجود عناصر مغربية في الجزيرة بعملية عسكرية، لتصل العلاقات إلى واحدة من أخطر لحظاتها منذ استقلال المغرب، ولم تنته الأزمة إلا بعد وساطة أمريكية أعادت الوضع إلى ما كان عليه.

وأثبتت جزيرة ليلى أن الملفات المؤجلة تستطيع في أيام قليلة نقل بلدين تجمعهما معاهدة صداقة وتجارة واسعة من طاولة الحوار إلى حافة المواجهة العسكرية.

ثاباتيرو أعاد الدفء… لكن زيارة سبتة ومليلية سنة 2007 أعادت الذاكرة

مع وصول خوسيه لويس رودريغيث ثاباتيرو إلى رئاسة الحكومة سنة 2004، بدأت مرحلة أكثر هدوءاً، وتوسع التعاون السياسي والاقتصادي والأمني، لكن زيارة الملك الإسباني خوان كارلوس والملكة صوفيا إلى سبتة ومليلية في نونبر 2007 فجرت توتراً جديداً ودَفعت المغرب إلى استدعاء سفيره للتشاور.

وكانت الرسالة واضحة: يمكن تطوير الاقتصاد والتجارة والتعاون الأمني إلى أبعد الحدود، لكن ملف السيادة يظل قادراً على اختراق كل ذلك وإعادة العلاقة إلى نقطة التوتر.

الأمن والهجرة والتجارة… حين أصبحت المصالح أكبر من قدرة البلدين على تجاهل بعضهما

بعد اعتداءات الدار البيضاء سنة 2003 ومدريد سنة 2004، تطور التعاون الأمني بين البلدين بصورة كبيرة، وأصبح تبادل المعلومات والتنسيق في مواجهة الإرهاب والجريمة المنظمة وشبكات الاتجار بالبشر جزءاً أساسياً من العلاقة.

وبالتوازي، صعدت إسبانيا تدريجياً لتصبح الشريك التجاري الأول للمغرب، وتعمقت سلاسل الإنتاج والاستثمارات المشتركة، وأصبح آلاف المقاولات والعمال والمواطنين على الضفتين مرتبطين بصورة مباشرة باستقرار العلاقة.

وهنا تغيرت طبيعة المد والجزر؛ ففي الماضي كان بإمكان أزمة سياسية أن تقود بسهولة إلى القطيعة، أما اليوم فقد أصبحت كلفة القطيعة مرتفعة للغاية على الطرفين.

2018 إلى 2020… الهجرة والحدود البحرية والمعابر تعيد إنتاج التوتر

مع ارتفاع الهجرة عبر غرب المتوسط سنة 2018، أصبحت أهمية المغرب الأمنية بالنسبة إلى إسبانيا والاتحاد الأوروبي أكثر وضوحاً، وتزايد التعاون في مكافحة شبكات التهريب ومراقبة الحدود.

لكن الرباط ظلت ترفض اختزال دورها في وظيفة «حارس الحدود الجنوبية لأوروبا»، وتطالب بأن تكون معالجة الهجرة جزءاً من شراكة تنموية وسياسية أوسع.

وفي الفترة نفسها، اتخذ المغرب إجراءات للحد من التهريب المعيشي عبر سبتة ومليلية، وأغلق المعبر الجمركي التجاري مع مليلية، كما أثارت القوانين المغربية المتعلقة بالمجالات البحرية نقاشاً في إسبانيا، وخصوصاً في جزر الكناري.

ثم جاءت أزمة 2021 لتنسف جانباً كبيراً من الثقة التي تراكمت خلال السنوات السابقة.

إبراهيم غالي سنة 2021… أزمة ثقة قبل أن تكون أزمة شخص

عندما سمحت الحكومة الإسبانية بدخول إبراهيم غالي، زعيم جبهة البوليساريو، إلى أراضيها للعلاج في ظروف سرية وبهوية غير حقيقية، اعتبر المغرب الأمر تجاوزاً خطيراً يتعدى الجانب الإنساني إلى صميم الثقة السياسية بين دولتين تصفان علاقتهما بالاستراتيجية.

فالرباط لم تكن تسأل فقط لماذا دخل غالي، وإنما لماذا أخفت دولة صديقة الأمر عن المغرب، ولماذا جرى التعامل سراً مع شخصية تقود جبهة تنازع المملكة سيادتها على الصحراء؟

وهكذا أصبحت الأزمة أزمة ثقة وسياسة دولة، لا أزمة شخص دخل مستشفى وخرج منه.

ماي 2021… عندما دخلت الهجرة قلب المعركة السياسية

بعد أسابيع من أزمة غالي، شهدت سبتة دخول آلاف الأشخاص في ظرف وجيز، ما أدى إلى أزمة إنسانية وأمنية وسياسية حادة واستدعاء الجيش الإسباني.

واتهمت مدريد الرباط بالتساهل في مراقبة الحدود، بينما ربط المغرب الأزمة بالسياق السياسي وفقدان الثقة.

وأدركت أوروبا بعد تلك الأحداث حقيقة استراتيجية ستزداد وضوحاً لاحقاً: لا يمكن مطالبة المغرب بتحمل أعباء أمن الحدود والهجرة ومحاربة الإرهاب ثم التعامل مع مصالحه الاستراتيجية وكأنها شأن ثانوي.

مارس 2022… الصحراء تعيد فتح باب المصالحة

شكل موقف رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز في مارس 2022 منعطفاً كبيراً عندما اعتبرت مدريد المبادرة المغربية للحكم الذاتي الأساس الأكثر جدية وواقعية ومصداقية لتسوية نزاع الصحراء.

وفي أبريل 2022، جاءت زيارة سانشيز إلى الرباط ولقاؤه الملك محمد السادس لتدشن خارطة طريق جديدة تقوم على الاحترام المتبادل والامتناع عن الخطوات الأحادية وتعزيز التعاون.

ومنذ ذلك التاريخ انتقلت العلاقات إلى مرحلة أكثر استقراراً، رغم استمرار ملفات عالقة وحساسة.

2023 إلى 2026… من المصالحة إلى محاولة بناء شراكة يصعب تفكيكها

جاء الاجتماع رفيع المستوى بالرباط سنة 2023 ليترجم المصالحة إلى اتفاقيات ومشاريع عملية، ثم عقد الاجتماع الثالث عشر رفيع المستوى في مدريد في دجنبر 2025، حيث وقع البلدان أربعة عشر اتفاقاً للتعاون، ووصفت الحكومة الإسبانية العلاقات بأنها تمر بمرحلة متميزة وتتحول إلى شراكة أكثر حداثة وشمولاً.

وتوسعت مجالات التعاون إلى ملفات جديدة تشمل الرقمنة والأمن السيبراني والانتقال الطاقي والتغير المناخي، إضافة إلى الاقتصاد والأمن والهجرة والتعليم والثقافة.

وفي أبريل 2026، وقع المغرب وإسبانيا والبرتغال مذكرة للتعاون القضائي في إطار التحضير لكأس العالم 2030، بما يؤكد أن المونديال لم يعد مجرد موعد رياضي، وإنما تحول إلى محرك لشراكة مؤسساتية تمتد إلى الأمن والقضاء والنقل والسياحة والبنيات التحتية.

وهكذا دخل البلدان سنة 2026 وهما يملكان شبكة مصالح ربما هي الأوسع في تاريخ علاقاتهما المعاصرة.

لكن أحداث نهاية يوليوز أثبتت مجدداً أن التاريخ لم يقل كلمته الأخيرة.

زلزال سبتة 2026… عندما صنعت الشبكات الاجتماعية أزمة بحجم دولة

شهدت سبتة يومي 30 و31 يوليوز 2026 تدفقاً بشرياً ضخماً وغير مسبوق، بعد انتشار دعوات ومعلومات عبر شبكات التواصل الاجتماعي شجعت آلاف الأشخاص، وبينهم قاصرون، على التوجه نحو المدينة ومحاولة الوصول إليها براً وبحراً.

وكان من بين العناصر التي غذت التضليل تفسير خاطئ لحكم صادر عن المحكمة العليا الإسبانية؛ فالحكم لم يفتح الحدود، ولم يمنح الداخلين حق البقاء، ولم يمنع إسبانيا من إعادة من يدخل بصورة غير نظامية، وإنما قرر أن آلية «الرفض الفوري على الحدود» لا يمكن تطبيقها بالطريقة نفسها على الأشخاص الذين يُعترضون في البحر أثناء محاولتهم الوصول سباحة، وأن هؤلاء يخضعون لمساطر الإعادة العادية وضماناتها القانونية.

لكن المسافة بين النص القانوني وما يروج في هاتف شاب يبحث عن فرصة للهجرة قد تكون شاسعة، وهنا تحول الاجتهاد القضائي، بعد اجتزائه وتضخيمه وإخراجه من سياقه، إلى مادة استعملتها شبكات وحسابات ودعوات رقمية لإقناع الآلاف بأن الوصول إلى سبتة يعني عملياً فتح الطريق نحو أوروبا.

وكانت النتيجة مأساوية.

أرقام متضاربة ومأساة أكبر من الحسابات السياسية

ظلت أرقام الوافدين والضحايا مختلفة باختلاف المصادر والجهات؛ فقد تحدثت السلطات الإسبانية عن نحو 72 ألف شخص دخلوا خلال موجة التدفق، بينما قدمت جهات مغربية تقديرات أقل، وعاد القسم الأكبر منهم إلى المغرب خلال الأيام اللاحقة.

أما حصيلة الوفيات فقد استمرت في الارتفاع مع عمليات البحث وانتشال الجثامين، ووصلت تقديرات منشورة في الأيام الأخيرة إلى قرابة مائة وفاة، وهو رقم يفرض التعامل معه باعتباره حصيلة متداولة تحتاج دائماً إلى ربطها بمصدرها وتاريخها إلى أن تستقر الحصيلة الرسمية النهائية.

ووراء كل رقم إنسان وأسرة وطفل وشاب وحلم تحول إلى مأساة، ولذلك سيكون من الخطأ اختزال ما حدث في مباراة سياسية بين المغرب وإسبانيا أو بين اليمين واليسار الأوروبيين.

الجديد الأخطر… أزمة سبتة لم تفجر الرباط ومدريد بل هزت الداخل الإسباني وأوروبا

المفارقة الأساسية في أزمة 2026 هي أنها، على عكس أزمة 2021، لم تتحول حتى الآن إلى قطيعة أو مواجهة دبلوماسية مباشرة بين المغرب وإسبانيا.

فالحكومة الإسبانية حرصت على الإشادة بالتعاون المغربي في تدبير الأزمة، وظهرت داخل الحكومة نفسها اختلافات في النبرة بين من يؤكد موثوقية الشراكة مع الرباط ومن يشدد بصورة أكبر على الخطاب السيادي الإسباني تجاه سبتة ومليلية، لكن مدريد الرسمية لم تتجه نحو تحميل الحكومة المغربية المسؤولية المباشرة عن تنظيم التدفق.

وفي المقابل، انتقلت المواجهة السياسية إلى الداخل الإسباني، حيث أصبحت الحكومة مطالبة بتقديم تفسيرات أمام البرلمان، وتقرر أن يمثل وزراء الداخلية والخارجية والدفاع والرئاسة والعدل أمام المؤسسات التشريعية لتفسير كيفية وقوع الأزمة وكيفية تدبيرها.

وهنا تكمن دلالة سياسية كبيرة: التدفق الذي كان يمكن أن يعيد العلاقات المغربية الإسبانية إلى مربع 2021 تحول هذه المرة بدرجة كبيرة إلى أزمة إسبانية وأوروبية حول إدارة الحدود والهجرة والقاصرين ومسؤولية المؤسسات.

المغرب يفتح باب عودة القاصرين… رسالة سياسية بعد العاصفة

ومن أبرز مستجدات الأيام الأخيرة إعلان المغرب استعداده للتعاون مع إسبانيا وباقي الشركاء الأوروبيين من أجل تحديد هوية القاصرين المغاربة غير المصحوبين والعمل على إعادتهم إلى وطنهم، في إطار احترام المساطر والضمانات القانونية.

وجاء الموقف المغربي، وفق ما أعلن، تنفيذاً لتعليمات ملكية موجهة إلى وزارتي الداخلية والخارجية للتعاون في هذا الملف.

وتكتسي الخطوة أهمية كبيرة لأن السلطات الإسبانية كانت تشير إلى وجود نحو 1100 قاصر غير مصحوب في سبتة، وإن كان بعضهم موجوداً قبل موجة التدفق الأخيرة، كما أن إعادة القاصرين تختلف قانونياً عن إعادة البالغين وتخضع لشروط وضمانات مرتبطة بالمصلحة الفضلى للطفل ووضعه الأسري.

وبذلك انتقلت الرباط من مرحلة احتواء التدفق إلى المشاركة في معالجة واحدة من أكثر نتائجه الإنسانية والقانونية تعقيداً.

15 غشت… موعد جديد يختبر ما إذا كانت الأزمة انتهت فعلاً

لم تغلق صفحة الأزمة بعد، لأن دعوات جديدة انتشرت عبر شبكات التواصل الاجتماعي لتكرار محاولة العبور الجماعي يوم 15 غشت 2026، وهو ما أدخل السلطات الإسبانية والأوروبية في مرحلة استنفار جديدة.

وأصبحت المراقبة الرقمية للدعوات وشبكات التحريض جزءاً أساسياً من المعركة، بالتوازي مع تعزيز الإجراءات الأمنية والحدودية، لأن درس يوليوز كان واضحاً: في عصر المنصات الرقمية لا يحتاج تحريك عشرات الآلاف بالضرورة إلى حزب أو تنظيم سياسي أو قيادة معلنة؛ فقد تكفي إشاعة مصممة بعناية، وفيديو مؤثر، ومجموعات مغلقة على تطبيقات التواصل، ثم يتولى الخوف والطمع واليأس والخوارزميات بقية المهمة.

وهذه ربما أخطر إضافة حملتها أزمة 2026 إلى التاريخ الطويل للعلاقات المغربية الإسبانية: لقد دخل «الفاعل الرقمي» بقوة إلى معادلة الحدود والهجرة والأمن.

سبتة ومليلية… الملف الذي يغيب عن البيانات ويحضر خلف كل أزمة

قد لا تظهر سبتة ومليلية والجزر والصخور في البيانات المشتركة التي تتحدث عن الاستثمار والمونديال والتجارة والطاقة، لكن وجودها يبقى جزءاً من الخلفية التاريخية والسياسية للعلاقة.

فإسبانيا تتعامل مع المدينتين باعتبارهما جزءاً من ترابها الوطني، بينما ينظر إليهما المغرب من زاوية استكمال وحدته الترابية، وهو خلاف جوهري لا تلغيه كثافة التجارة ولا التعاون الأمني ولا حتى التنظيم المشترك لكأس العالم.

وقد اختار المغرب منذ عقود تدبير الملف بالصبر السياسي وتجنب المواجهة العسكرية، وهو ما لا يعني بالضرورة التخلي عن المطلب، مثلما أن تجنب مدريد فتح النقاش لا يعني أن التاريخ أغلقه.

لكن الحكمة تقتضي أيضاً ألا يتحول البشر، وخصوصاً الأطفال والشباب، إلى أدوات في صراع السيادة، لأن تحرير الأرض وبناء الدولة وحماية الإنسان يجب أن تكون مسارات متكاملة لا متعارضة.

المغرب مطالب أيضاً بقراءة الرسالة التي حملها شباب الحدود

وسيكون من الخطأ أن يكتفي المغرب بقراءة ما حدث في يوليوز 2026 من زاوية المؤامرات الرقمية وشبكات التهريب والتضليل، مهما كان وزن هذه العوامل حقيقياً، لأن السؤال الأصعب والأكثر إزعاجاً يبقى داخلياً: لماذا صدق عشرات الآلاف أن مستقبلاً أفضل ينتظرهم بمجرد تجاوز سياج أو السباحة أمتاراً نحو سبتة؟

الشاب الذي يملك عملاً كريماً وأفقاً واضحاً وتعليماً جيداً وثقة في المستقبل يصعب إقناعه بمنشور مجهول على شبكة اجتماعية بأن يرمي نفسه في البحر، ولذلك فإن الأمن الحقيقي لا يبدأ فقط من نشر القوات على الحدود، بل يبدأ من المدرسة وفرصة العمل والمستشفى والعدالة المجالية والسكن والكرامة والثقة في المؤسسات.

إن أخطر ما يمكن فعله بعد الأزمة هو إعادة الجميع إلى بيوتهم ثم اعتبار الملف منتهياً.

فالحدود يمكن إغلاقها، والمنشورات يمكن حذفها، والشبكات يمكن تفكيكها، لكن إذا بقي اليأس مفتوحاً فلن تنتهي محاولات الهجرة، بل ستتغير طرقها ومواعيدها فقط.

كأس العالم 2030… هل يستطيع المستقبل أن يهزم ذاكرة الماضي؟

يمتلك المغرب وإسبانيا اليوم فرصة تاريخية ربما لم تتوفر لهما بهذه القوة من قبل، لأن تنظيم كأس العالم 2030 إلى جانب البرتغال يفرض عليهما سنوات من العمل المشترك في الأمن والنقل والقضاء والسياحة والاتصالات والبنية التحتية والاستثمار.

لكن نجاح العلاقة لا ينبغي قياسه بعدد الملاعب والقطارات والرحلات الجوية وحدها.

الاختبار الحقيقي هو ما إذا كان البلدان قادرين على تحويل المونديال إلى نقطة انطلاق نحو تصور جديد للجوار، يصبح فيه مضيق جبل طارق جسراً اقتصادياً وإنسانياً واستراتيجياً، من دون مطالبة أي طرف بمحو ذاكرته أو التنازل عن قضاياه الوطنية.

خاتمة: لا نريد علاقة تتقن النجاة من الأزمات… بل علاقة تمنع صناعة الأزمات

بعد أكثر من خمسة قرون من المد والجزر، يبدو المغرب وإسبانيا اليوم أقرب اقتصادياً وأمنياً وبشرياً مما كانا عليه في أي مرحلة سابقة، لكنهما في الوقت نفسه يحملان وراءهما واحداً من أثقل الموروثات التاريخية بين بلدين متجاورين، ولذلك فإن مستقبل العلاقة لن يتحدد فقط بحجم المبادلات التجارية أو عدد الاتفاقيات الموقعة، وإنما بقدرتهما على المصالحة بين ضرورات المستقبل وحقوق التاريخ.

لقد جرب البلدان الحرب والاحتلال والمقاومة والقطيعة واستدعاء السفراء وأزمة جزيرة ليلى وأزمة إبراهيم غالي وتدفق 2021، ثم جاء زلزال يوليوز 2026 ليذكرهما بأن الحدود ما تزال قادرة على قلب الطاولة في ساعات.

لكن الأزمة الأخيرة حملت أيضاً تطوراً مهماً؛ فبالرغم من ضخامتها، لم تنهر العلاقة بين الرباط ومدريد، ولم يعد البلدان فوراً إلى لغة القطيعة والاتهامات التي طبعت أزمات سابقة، بل حافظت القنوات السياسية والأمنية على قدر مهم من التعاون، وأعلنت الرباط استعدادها للمساهمة في معالجة ملف القاصرين، بينما تحول الجزء الأكبر من المواجهة السياسية إلى داخل إسبانيا والاتحاد الأوروبي.

وهذا مؤشر على أن العلاقة أصبحت أكثر قدرة على امتصاص الصدمات، لكنه لا يعني أنها أصبحت محصنة ضدها.

فإسبانيا مطالبة بأن تدرك أن بناء علاقة استراتيجية مع المغرب لا يمكن أن يقوم فقط على مطالبة الرباط بحماية حدود أوروبا ومكافحة الإرهاب وتأمين طرق الهجرة وتوفير الفرص الاقتصادية للشركات الإسبانية، وإنما يحتاج أيضاً إلى احترام المصالح الاستراتيجية المغربية والتعامل مع تاريخ المنطقة بعيداً عن منطق القوة الاستعمارية القديمة.

والمغرب بدوره مطالب بأن يدرك أن أفضل دفاع عن مصالحه ووحدته وسيادته يبدأ ببناء مواطن قوي داخل وطن قوي؛ مواطن لا تدفعه إشاعة رقمية إلى الهروب، ولا يغريه سياج حدودي، ولا يصبح جسده وقوداً لمعارك سياسية أو شبكات إجرامية أو حملات تضليل.

أما أوروبا فعليها أن تتوقف عن النظر إلى المغرب باعتباره مجرد حارس لحدودها الجنوبية، لأن الهجرة لا تعالج فقط بالكاميرات والأسوار والسفن والحواجز، وإنما بالتنمية والاستثمار ومحاربة الفوارق وبناء فضاء متوسطي يجد فيه الشباب أسباباً للحياة قبل أن يبحثوا عن طرق للمغادرة.

إن التحدي الذي ينتظر المغرب وإسبانيا قبل 2030 ليس فقط أن يبنيا أفضل الملاعب وينظما أجمل كأس عالم، وإنما أن يثبتا أن بلدين حملا خمسة قرون من الحروب والاحتلال والشكوك يستطيعان أخيراً بناء نموذج مختلف للجوار، نموذج لا يطلب من المغرب أن ينسى تاريخه، ولا من إسبانيا أن تتخلى عن مصالحها، وإنما يفرض على الطرفين امتلاك الشجاعة السياسية لفتح الملفات بدل توريثها، وصناعة الحلول بدل انتظار الأزمات.

فالمضيق الذي كان عبر التاريخ ممراً للجيوش والأساطيل والمهاجرين يمكن أن يصبح جسراً للتنمية والاستقرار، وسبتة ومليلية اللتان ظلتا عنواناً للتوتر يمكن أن يصبح مستقبلهما موضوعاً لحوار تاريخي مسؤول وسلمي، والهجرة التي تحولت مراراً إلى مصدر للاتهام المتبادل يمكن أن تصبح ملفاً للتنمية المشتركة، والصحراء التي كادت تفجر العلاقة أصبحت منذ 2022 أحد مفاتيح إعادة بنائها.

لكن ذلك كله يحتاج إلى شيء واحد ظل ناقصاً طوال قرون: الشجاعة في الانتقال من إدارة التاريخ إلى تصفية تركاته، ومن إدارة الأزمات إلى منع أسبابها، ومن جوار فرضته الجغرافيا إلى شراكة يصنعها الوعي والإرادة.

وإلى أن يتحقق ذلك، ستظل العلاقات المغربية الإسبانية شبيهة بمياه المضيق الذي يجمعهما ويفصل بينهما في آن واحد؛ قد يبدو سطحها هادئاً، وقد تعبره التجارة والسفن والسياح والمنتخبات والقطارات والمشاريع المشتركة، لكن في أعماقه ستظل تيارات التاريخ تتحرك، تذكر الطرفين بأن الجغرافيا حكمت عليهما بأن يكونا جارين، وأن المصالح جعلتهما شريكين، لكن المصالحة الكاملة مع التاريخ ما تزال تنتظر شجاعة القرار.

              















MyMeteo




Facebook
YouTube
Newsletter
Rss

الاشتراك بالرسالة الاخبارية
أدخل بريدك الإلكتروني للتوصل بآخر الأخبار