*العلم: ذ. سعيد الوزان*
الحديث عن علال الفاسي هو حديث عن مغرب "الكبرياء" و"العقلانية" و"الكرامة" و"الحرية"، عن زعيم فريد متفرد سابق لعهده وأوانه، أثبت أن السياسة دون فكر هي محض عبث، وأن الفكر بلا نضال هو محض ترف زائد وزائف، وأن ما سيتبقى في النهاية هو الأثر الطيب البليغ الذي يتركه كل حامل فكر مضيء، خدمة لقضايا أمته وعصره..
اليوم نحيي الذكرى 52 على رحيله سنة 1974 في بوخارست برومانيا وهو يدافع عن القضية الفلسطينية، مخلفا وراءه إرثا ضخما وتراثا غنيا يتوزع بين السياسة والفكر والأدب، مسار حارق اجتازه الرجل، من الكفاح والتضحيات، من الآمال والآلام، في مغرب موحد، حر، ومتقدم.. كما كان يحلم ، تماما..
النشأة والتكوين: بين جدران القرويين ورحاب الفكر
ولد علال الفاسي في مدينة فاس عام 1910، في أسرة عريقة مشهود لها بالعلم والورع والأصالة، تلقى تعليمه الأولي في "المسيد" ثم انتقل إلى جامعة القرويين، التي كانت حينها معقلا للمقاومة الفكرية ضد الحماية الفرنسية.
ولفهم شخصية علال الفاسي، فيجب حتما المرور عبر سبر أغوار المرحلة الجنينية لوعيه، تلك السنوات الأولى في "فاس" التي لم تكن مجرد مدينة، بل كانت مختبرا للهوية وملاذا للأصالة في مواجهة رياح التغيير العاتية، فقد ولد الطفل علال سنتين فقط قبل توقيع معاهدة الحماية (1912)، ولم يكن هذا التوقيت عابرا، بل وضع طفولته في قلب "الصدمة الاستعمارية الحضارية" التي هزت الوجدان العميق للمغرب وللمغاربة.
وعيه المبكر تفتح على مغرب يقدم تنازلات سيادية مؤلمة، وعلى دخول الجيوش الأجنبية، وهذا ما ولد لديه مبكرا شعورا بـ "المظلومية الوطنية" وضرورة استنهاض الهمم، وكانت فاس في تلك الفترة تضطرم على مرجل يغلي من الأحداث السياسية والفكرية والحضارية العاصفة، حيث كانت العاصمة الروحية والسياسية التي ترفض الاستسلام، مما جعل الطفل علال يتنفس السياسة مع هواء أزقة "فاس البالي".
البيئة العائلية: الأرستقراطية العلمية
نشأ علال في حضن أسرة "آل الفاسي"، وهي عائلة تمثل "الأرستقراطية الفكرية" في المغرب، والده هو عبد الواحد الفاسي الذي كان مدرسا بالقرويين ومفتياً، ما جعل البيت امتداداً للجامعة، حيث لم يكن علال يسمع في بيته لغوا، بل نقاشات في المتون الفقهية، النوازل، وأحوال الأمة، وقد وفرت له عائلته حصانة اجتماعية وعلمية، إذ عومل منذ يناعة فتوته المبكرة كـ "مشروع عالم"، وهو ما منحه ثقة عالية بالنفس وقدرة مبكرة على الخطابة ومواجهة الجمهور.
تشبع علال الفاسي بالعلوم النقلية (تفسير، حديث، فقه مالكي) بصرامة بالغة، وهو ما منح فكره "الصلابة المنهجية"، تلك الصلابة التي ارتبطت بشخصيته أيما ارتباط، مع مسحة من التمرد التي ميزت فكره ومواقفه على الدوام، إذ رغم تقليدية التعليم الذي تلقاه شأنه شأن كل مجايليه، إلا أنه بدأ يقرأ خلسة المجلات القادمة من المشرق (مثل مجلة "المنار" لرشيد رضا)، هذه المطالعات "خارج المقرّر" هي التي جعلته يرفض الجمود الفكري ويطالب بإصلاح التعليم داخل القرويين نفسها وهو لم يزل بعد طالبا.
المؤثرات الفكرية والروحية
ثلاثة روافد أساسية شكلت عقل علال الفاسي وفكره في مرحلة الصبا والشباب المبكر، الأولى هي السلفية الإصلاحية، حيث تأثر بعمق بجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، وآمن أن ضعف المسلمين سببه الابتعاد عن جوهر الدين والغرق في الخرافات، وأن الحل يكمن في "العودة للأصول بعقل حديث".
الرافد الثاني هو الروح الوطنية الصرف، حيث تأثر بقصص المقاومة في الريف (محمد بن عبد الكريم الخطابي) ومقاومة الأطلس. هذه الأحداث حولت اهتمامه من "العالم الأكاديمي" إلى "المناضل الميداني".
أما الرافد الثالث فهو اللغة العربية وآدابها، حيث كان يرى في اللغة العربية حصنا حصينا للهوية، ولذلك كان اهتمامه بالشعر والأدب بعيدا عن الترف أو التسلي، بل وسيلة للمقاومة الثقافية ضد "الفرنسة".
الوسط الاجتماعي: "مجتمع الأعيان ومجالس العامة" والجمعيات
طفولة علال الفاسي كانت مزيجا فريدا من "الوقار العلمي" الموروث عن أسرته، و"القلق الفكري" الناتج عن صدمة الاستعمار، و"الطموح القيادي" الذي غدته جامعة القرويين، هو لم يولد زعيما بالصدفة، بل صهرته بيئة كانت ترى في العلم وسيلة للتحرر، وفي الدين محركاً للنهضة.
لم يكن طالبا عاديا، فقد ظهرت عليه علامات النبوغ مبكراً، حيث تشبع بعلوم الشريعة واللغة، لكنه انفتح أيضاً على الفكر الإصلاحي الذي كان يمثله جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، هذا المزيج بين "الأصالة المتجذرة" و"التطلع نحو التحديث" هو ما شكل جوهر شخصيته القيادية لاحقاً.
النضال السياسي: "الأب الروحي" للحركة الوطنية
تعتبر الفترة الممتدة من الثلاثينيات إلى منتصف الخمسينيات هي "العصر الذهبي" لنضال علال الفاسي، وهي المرحلة التي تحول فيها من طالب علم نابغ ومصلح اجتماعي إلى زعيم كاريزمي يقود أمة نحو الاستقلال، وخلال هذه الفترة، انتقل علال الفاسي بالعمل الوطني من مجرد ردود فعل عفوية إلى عمل سياسي منظم.
وتعتبر معركة الظهير البربري سنة 1930 كان علال الفاسي المحرك الرئيسي ذروة لاحتجاجات في فاس، وكان علال الفاسي قائدها ومؤطرها، فتزعم حركة "اللطيف" داخل المساجد، وهي الحركة التي وحدت المغاربة ضد محاولة الاستعمار تقسيمهم عرقياً، مما لفت الأنظار إليه كقائد شعبي.
ومع تأسيس كتلة العمل الوطني (1934) ساهم في وضع أول برنامج للإصلاحات في تاريخ المغرب الحديث، حيث قدمت الكتلة لفرنسا "دفتر مطالب" يدعو إلى احترام المعاهدات الدولية ومنح المغاربة حقوقهم الأساسية.
وبعد انقسام الكتلة، أسس الزعيم الحزب الوطني سنة 1937، وكان الهدف من ورائه العمل على تحقيق مطالب الشعب المغربي، قبل أن يتحول هذا الحزب ليصبح ما بات يعرف لاحقا وإلى اليوم بحزب الاستقلال.
وخلال عقد الأربعينيات، شهدت البلاد منعطفا حاسما، تجلى في انتقال سقف المطالب من "الإصلاح" تحت الحماية إلى "الاستقلال" التام.
وكان من نتائج هذه الفترة الحافلة، إقدام سلطات الحماية على نفي الزعيم إلى الغابون ما بين سنوات 1937 و1946، وذلكم في محاولة يائسة لعزله عن الجماهير، وهناك قضى 9 سنوات في ظروف قاسية، لكنه حول المنفى إلى خلوة فكرية، ألف خلالها أهم كتبه وراسل رفاقه بالرموز، وظل اسمه حاضرا في كل المظاهرات.
وثيقة المطالبة بالاستقلال (11 يناير 1944)
رغم وجوده في المنفى، كان لفكر علال الفاسي وتوجيهاته أثر كبير في صياغة هذه الوثيقة التاريخية التي وقعها رفاقه في حزب الاستقلال، والتي شكلت القطيعة النهائية مع نظام الحماية، قبل أن يعود إلى أرض الوطن سنة 1946 وسط استقبال شعبي أسطوري، وألقى بالمناسبة خطابا تاريخيا في مدينة طنجة شدد فيه على وحدة المغرب من شماله إلى جنوبه، وعلى التلاحم بين العرش والشعب.
وخلال عقد الخمسينات من القرن الماضي، انتقلت القضية المغربية إلى أروقة المحافل الدولية، وتزامنت مع اشتداد المواجهة الميدانية، وشهدت هذه المرحلة لجوء علال إلى القاهرة سنة 1947، وهناك أسس "مكتب المغرب العربي" وبدأ في تدويل القضية المغربية في جامعة الدول العربية والأمم المتحدة.
وعلى إثر ثورة الملك والشعب سنة 1953 بعد نفي السلطان محمد الخامس، أعلن علال الفاسي من إذاعة القاهرة "صوت العرب" انطلاق المقاومة المسلحة، داعياً المغاربة للجهاد ضد المستعمر حتى عودة الملك الشرعي، وهي الفترة التي أشرف فيها من الخارج على تنسيق العمليات العسكرية وتأمين الدعم اللوجستي للمقاومين في الجبال والمدن.
وبعد انطلاق مفاوضات "إيكس ليبان" سنة 1955 اتخذ الزعيم موقفا حذرا ومنتقدا لبعض بنود المفاوضات، حيث كان يصر على "الاستقلال الناجز" دون قيود أو شروط ترهن مستقبل المغرب لفرنسا، قبل أن تنتهي هذه الحقبة بتحقيق الاستقلال سنة 1956، نجح خلالها على الفاسي وعلى مدى عقود في تحويل "النخبة المثقفة" إلى "قاعدة شعبية" عريضة، وربط مصير المغرب بمحيطه العربي والإسلامي، مما جعله الرائد الذي لم يتنازل عن الثوابت الوطنية حتى في أحلك الظروف.
الاستقلال وبناء الدولة
بعد عودته من المنفى، واصل علال الفاسي قيادة الكفاح من أجل الاستقلال والوحدة الترابية، وظل يدافع عن مغربية الصحراء في إطار رؤية "المغرب الكبير".
لقد كان علال الفاسي يرى أن استقلال المغرب في عام 1956 هو "خطوة أولى" وليس نهاية المطاف، ومن هذا المنطلق أطلق فكرته الشهيرة بأن الاستقلال سيبقى ناقصاً ما لم تُسترجع كافة الأراضي التاريخية، حيث عارض بشدة الحدود التي رسمتها الإدارة الاستعمارية الفرنسية والإسبانية، معتبراً إياها حدوداً "إدارية" وليست "سيادية"، كما دعا إلى تحرير العقول مؤمنا أن "معركة الفكر" لا تقل أهمية عن معركة السلاح، ودعا إلى التخلص من الرواسب الثقافية للاستعمار.
"المغرب الكبير" كعقيدة استراتيجية
وبصفته رئيسا لحزب الاستقلال، قاد علال الفاسي جهود التنسيق مع حركات التحرر في تونس والجزائر، وذلك لإيمانه أن استقلال دول شمال أفريقيا يعد كتلة واحدة لا تتجزأ، وأن بناء "الاتحاد المغاربي" هو الضمان الوحيد لمواجهة القوى الاستعمارية وأطماعها حاضرا ومستقبلا.
الخلاصة الفكرية لهذه المرحلة
هذا النفس "العبقري" في ترتيب الأولويات الوطنية هو ما سمح للمغرب بأن يحافظ على استقراره المؤسساتي في بيئة إقليمية كانت تعيش مخاض الانقلابات والتحولات العنيفة.
البناء الدستوري: "الملكية الدستورية"
كما دعا إلى اعتماد الديمقراطية الاجتماعية عبر مبدأ التعادلية، وهي نظام اقتصادي يجمع بين المبادرة الحرة والعدالة الاجتماعية، قام بتفصيله في كتابه الشهير "النقد الذاتي"، وفي تقرير مذهبي شهير، ناهيك عن عشرات المقالات والخطب.
الفكر الإصلاحي عند علال
فمن جهة الإصلاح الفكري والديني كانت سلفية علال الفاسي بعيدة كل البعد عن الانغلاق والتحجر والانكفاء على الماضي، سلفية تحررية نهضوية تنويرية تهدف على تنقية العقيدة من الشوائب التي علقت بها عبر تاريخ طويل من عصور الانحطاط.
حارب الجهل و"القدرية" والجمود ببأس لا يلين، وانتقد بقوة الاستسلام للواقع المر بدعوى التسليم ب "القضاء والقدر" داعيا إلى استخدام العقل وإعمال الاجتهاد، وعلى هذا المستوى ركز على "مقاصد الشريعة"، حيث اعتبر أن الإسلام دين حي يتفاعل مع تطورات العصر، وهو ما فصله في كتابه "مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها".
آمن علال الفاسي بضرورة الإصلاح الديني باعتباره الدرع الأمثل لتحصين وحماية الهوية الوطنية للمغاربة في مواجهة التغريب والتهجين والمسخ الهوياتي والثقافي.
وفيما يخص الإصلاح المجتمعي يعتبر كتابه القيم "النقد الذاتي" منهجا لإصلاح اجتماعي شامل في المغرب، وهو الكتاب الذي ركز فيه على تربية الروح الوطنية لدى المغاربة، موقنا بأن الاستقلال يبدأ من داخل الفرد لا خارجه، فالمواطن الحر هو الذي يصنع الدولة الحرة.
كما عرف عن الزعيم علال الفاسي رؤيته المتنورة والمتقدمة فيما يخص وضعية المرأة داخل المجتمع، حيث دافع عن حق المرأة في التعليم والمشاركة السياسية والاجتماعية، معتبرا إياها شريكا أساسيا في معركة البناء وليس مجرد تابع.
كما ربط على صعيد التخلق برفيع الاخلاق بين النجاح السياسي والاستقامة الأخلاقية، معتبرا أن "الفساد الأخلاقي" هو المدخل لضياع السيادة الوطنية، ولذلك قام بالتشجيع المستميت على التعليم والتربية، معتبرا التعليم هو "المختبر" الذي تصنع فيه أجيال الاستقلال، داعيا في هذا الإطار إلى "مغربة المناهج" عبر التخلص من التبعية الثقافية للمنظومة الفرنسية وبناء تعليم وطني شعبي يعكس تاريخ وقيم المغرب.
كما عرف بدفاعه الشرس عن اللغة العربية كوعاء للهوية الوطنية وأداة للوحدة، داعيا إلى تعريب البرامج والعقليات مع الانفتاح على اللغات الحية للتحصيل العلمي.
علال الحاضر الغائب.. أهم مؤلفاته ومآثره:
ومن ضمن آثاره الفكرية كتاب "النقد الذاتي" الذي وضع فيه خارطة طريق لإصلاح المجتمع المغربي من الداخل (تعليمياً، سياسياً، ودينياً).
وإلى جانب غوصه وانشغاله بالسياسة وتقلباتها، كان علال شاعرا مجددا مبدعا، شعره يعد "ديواناً للحركة الوطنية"، حيث وظف القصيدة لإذكاء الحماس في النفوس والأرواح تميز أسلوبه بالجزالة والقوة، وكان يعبر عن اعتزازه بانتمائه العربي الإسلامي وفي الوقت نفسه عن إنسانيته المنفتحة.
كما يعتبر كتابه "مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها" من أهم المراجع الحديثة في هذا العلم، دافع فيه عن فكرة أن الأحكام تدور مع المصالح، وأن الإسلام دين يتطور بتطور الزمان والمكان بشرط الحفاظ على الأصول، هذا الفكر هو ما مهد لاحقاً لتطوير القوانين الاجتماعية في المغرب، ومنها مدونة الأحوال الشخصية.
ما يشبه الختم
علامة العلماء واللج الذي لا ينتهي
ولكل لج ساحل
لو طاب مولد كل فتى مثله
ولد النساء وما لهن قوابل..
رئيسية 








الرئيسية




