ان ما جَرى ويجري ليس مجرد "جولة تصعيد عابرة" هذه المرة. الأمر يتجاوز ذلك في "مواجهة تاريخية حاسمة" تتجاوز حدود "إقليم الشرق الأوسط" أو غرب أسيا، في خارطة العالم.
كان الرهان الامبريالي الصهيوني على "إنجاز الصدمة وإحداث اهتزاز سياسي واجتماعي- بعد تصفية رأس النظام الإيراني؟- يقود الى سقوط ايران ثم التقسيم والاحتلال والشروع في تنزيل "خارطة الشرق الأوسط الجديد" بقيادة "إسرائيل العظمى؟".
لقد تَكسّر هذا الوهم سريعاً على صخرة التَّماسك والاقتدار والصمود الإيراني منذ البداية، وصدراً على صدر يوم، ومع موجات صواريخ بعد أخرى، وعِوَضَ أن ينهار الداخل، تماسك المجتمع أكثر في اتجاه "تجدُّد وتشدُّد أكبر من قبل الشعب والنظام معا".
وهكذا، وبالرغم من الضربات المتوالية والقاسية على إيران في الجولة الأولى من هذه "المواجهة الكبرى"، كانت هذه الأخيرة تعمي عيون أمريكا وإسرائيل الاستخباراتية والأمنية في منطقة الخليج كلها وتوجِّهُ ضربات قاسمة لأصول أميركا وقواعدها في المنطقة، وللكيان الغاصب المؤقت في فلسطين المحتلة، ناقلة المعركة إلى جغرافيا أوسع والى مستويات حسّاسة أوسع (الطاقة-التجارة-الممرات والمضايق...)، وأصبح مضيق هرمز ليس مجرد "ممر تجاري حيوي"، بل "ورقة حرب وسيّادة فرط-استراتيجية" عملتْ على نقل هذا النِّ زال المصيري من المجال العسكري إلى قلب الاقتصاد العالمي (تكلفة الطاقة والسماد والبضائع والسلع والبورصات والدولار...)، مما جعل العالم كله يعيش و"يشعر بكلفة المواجهة" الباهظة، ولجوء العدو إلى "حصار الحصار" أو "حصار نفسه وحلفائه السابقين؟"، وإلى تَسوُّل المفاوضات وأوهام أن يربح بالسياسة والمناورات ما عجز عن تحقيقه في ميدان الِّنزال والقتال..
لقد بات واضحاً اليوم- بعد دخول هذه "المواجهة الكبرى" جَولَة النزال السياسي والإعلامي - أن الحسم قد صار لا يقاس بعدد الضربات أو الأهداف التي تمَّت من هذا الطرف أو ذاك في ميادين النزال (رغم أهميتها طبعاً)، بل بالقدرة على الصمود الطويل لكل طرف على تحمُّل وَقْع وآثار "الاستنزاف السياسي والاقتصادي والنفسي". وإن الصمود الطويل مع الّنفس الطويل ليشكِّل عنصر قوة ايران (ومن معها)، من قبل ومن بعد.
ان أي مسار تفاوضي تحت الضغط العسكري أو الحصار لن ينجح، لأن القرار-في هذه "الحرب الأخيرة"- لم يعد يصاغ في "الغرف السياسية" المكيفة و"الأروقة المظلمة" القديمة، رغم أهمية مسار إسلام أباد وغيره، بل في الميدان الساخن الحاسم بساحاته وميادينه وأوراقه كلها. وهو ما يكشف عن انتهاء صلاحية "حدود النظام العالمي القديم" وعن موازين القوة والقوى الجديدة التي باتت تتقدم على "النصوص والمؤسسات الدولية القديمة" وعلى الانتقال المضطرد من عالم "الأحادية القطبية" الى "عالم متعدد الأقطاب"، في "صدام أوسع بين مشروع غربي أطلسي إبستيني يريد الحفاظ على هيمنته وطغيانه بأي ثمن، وبين مشروع من "خارج الصندوق الغربي" وهذا النموذج المتوحش. وهذا المشروع يتبلور بإصرار، في شكل قوى ناهضة ومُهيّأة، ترى أن "لحظة إعادة توزيع النفوذ في العالم قد بدأتْ بالفعل، وأن المعركة على "قواعد النظام الجديد" قد أنطلقتْ عملياً.
في المحصلة، إن من يظن أن ما يجري بين إيران (ومن معها) وبين أميركا وإسرائيل(ومن معهما) مجرد تبادل ضربات ورسائل وهُدَن لا يرى الصورة كاملة. إن هذه "الصورة أوسع بكثير"، لأنها حرب على "تعريف الرَّدع الاستراتيجي، وعلى معنى السيادة، وعلى من يملك القدرة على تحويل الطاقة والجغرافيا والوقت والهوية إلى أدوات ضغط وحسم فرط-استراتيجية".
إن العامل الحاسم- مرة أخرى- ليس لدى مَنْ يُوَجِّهُ ضربات أكثر أو من يناور دائماَ أو مَنْ يبحث عن نصر افتراضي، بل لدى مَنْ يُبْقي أصول العدو، مصالحه وصورته كلها، تحت وقْع الخسائر الفادحة والباهظة، المُتوَقعة وغير المتوقعة (...) ولدى مَنْ يتحمّل فاتورة الحرب الطويلة بكل أشكالها ووسائلها أكثر، ومَنْ يصمد أطول، ومَنْ "يفرض تفسيره السياسي لنتائج الميدان مع الصمود الطويل والنفس الطويل".
هذه "المواجهة" ليست عابرة أو مؤقتة، بل منعطف تاريخي "يُعيد رسم موازين القوى في العالم وحدود النفوذ وشكلها القادم". لذلك تعتبر في نظر مُحلِّلين واستراتيجيين "حرب الحروب" أو "الحرب الأخيرة" في الشرق الأوسط وغرب آسيا، قُبيْل التَّبلْور المُكتمل لشكل ومضمون النظام العالمي المقبل. إنه "المنعطف التاريخي الذي" أطلقه "طوفان الأقصى"، نحو مسار مفتوح على التحرير والتحرر والسيادة المَوثوقة، وعلى تحريك التاريخ صَوْبَ بَوصلة "أفول نظام وزمن الهيمنة الأحادية والتوحش الصهيو-امبريالي، الذي رافق نشوء هيمنة العالم الانجلوساكسوني و"المركزية الغربية" منذ الحرب العالمية الثانية الغربية.
لقد سقطتْ الإمبراطورية البريطانية التي بنتْ هيمنتها على "عقيدة السيطرة على الأمواج" مباشرة بعد "تأميم قناة السويس". وإن فقدان أميركا السيطرة على الممرات التجارية الدولية (مضيق هرمز الشرارة الأولى) يؤدي حتماً الى انحدار الإمبراطورية الأميركية الأطلسية، نحو الاضمحلال والانكماش أو السقوط المُدوِّي، كما يرى العديد من الخبراء.
في انتظار إقرار التحالف الصهيو-أميركي بحقوق المُعتدى عليه عبْر الوساطات والمفاوضات و"لغة الدبلوماسية"، أو العودة في جولة أخرى لميادين القتال وتبادل الضربات و"لغة الحرب العسكرية"، يصحُّ الخَتم بما يلي:
إن الشرق الأوسط وغرب آسيا والعالم كله، يوجد-اليوم وغداً- في مختبر خيمياء هذه المواجهة الحاسمة على" رقعة الشطرنج"، وتحت "وَقْعِ الدومينو"، وأمام تبدُّلات وتغيُّرات حاصلة ومقبلة. وإن "الصبر الاستراتيجي" في ميادين النِّزال كلها، وعلى طاولات المفاوضات والكفاح السياسي، وكذا الصمود الاستراتيجي على كل الأصعدة مع "النَّفس الطويل"... إن هذه العناصر والعوامل مُجتمعةً هي الرَّوافع الضَّامنة والقوة الحاسمة، لدى المقاومة والمُعتدى عليه في الجولات المقبلة-العسكرية أو السياسية أو هما معاً-من مسلسل هذه "المواجهة الكبرى" في غرب آسيا.
محمد الفرسيوي / كاتب من المغرب
رئيسية 








الرئيسية




