Quantcast
2026 فبراير 8 - تم تعديله في [التاريخ]

النظام العسكري الجزائري وسياسة تغيير (اللهاية)

من دعم شعب وهمي والتربية على كره المغاربة إلى التلويح بالحرب


النظام العسكري الجزائري وسياسة  تغيير (اللهاية)
العلم الإلكترونية - بقلم بوشعيب الحمراوي

منذ سنوات، لم يعد خافيًا أن النظام العسكري الجزائري داخل دولة الجزائر لا يتعامل مع الشعب باعتباره غاية الدولة، ولا مصدر الشرعية، ولا شريكًا في القرار والمصير. ما يترسّخ عبر السياسات والخطابات والممارسات هو منطق أشد خطورة: الشعب بوصفه مادة خام للتجنيد الشامل، لا عبر السلاح الناري، بل عبر السيطرة على العقول والقلوب والمشاعر.

هذا النظام لا ينشغل بمستقبل الجزائريين بقدر ما ينشغل بضمان الخضوع الدائم. لا يستثمر في الإنسان، بل في تطويعه. لا يبني دولة مواطنة، بل منظومة طاعة، يُختزل فيها الفرد إلى منفّذٍ يُؤمر فيطيع، ويُوجَّه فينخرط، ويُلقَّن فيُصفّق. وهكذا يصبح تعطيل العقل شرطًا للاستقرار، وتهميش الحرية ثمنًا للاستمرار.

التجنيد هنا لا يحتاج إلى بنادق مواد كيماوية أو نووية أو جرثومية، لأن السلاح الحقيقي هو محو كل ما يرسّخ للعقل والحرية والكرامة داخل الأسر الجزائرية. تُفرَّغ المدرسة من دورها التنويري، ويُختزل الإعلام في خطاب تعبوي أحادي، ويُشيطَن السؤال، ويُجرَّم الاختلاف، وتُربط الوطنية بالطاعة، ويُعاد تعريف الخيانة لتشمل كل رأي مستقل أو معارض. في هذا السياق، لا يُراد من الجزائري أن يكون مواطنًا واعيًا، بل تابعًا مطمئنًا، لا يفهم كثيرًا بقدر ما يثق دون سؤال، ولا يشارك بقدر ما ينخرط وجدانيًا فيما يُقدَّم له بوصفه “مصلحة عليا”، حتى لو كان الثمن حريته ومستقبله.

الأخطر في هذا المسار هو السعي إلى إعادة تشكيل الوجدان الجماعي. فالنظام لا يكتفي بأن يُطاع، بل يريد أن يُعشَق. لا يرضى بالانضباط، بل يطلب الولاء العاطفي. يريد شعبًا يحب ويكره وفق إيقاع الجيش، يفرح ويغضب وفق إشاراته، ويعيد تعريف أعدائه وأصدقائه بما يخدم استمرار العسكرة. وهكذا يتحوّل الجيش من مؤسسة وطنية في خدمة الدولة إلى مركز للمعنى، تُقاس به الوطنية، وتُضبط به المشاعر، وتُوجَّه نحوه الثقة المطلقة. ومن يعارض هذا المنطق يُقصى، ومن يشكك يُخوَّن، ومن يطالب بحقه يُصنَّف خطرًا يجب تحييده.

ما يجري هناك ليس ضبطًا أمنيًا، بل هندسة قسرية للإنسان. سعيٌ لتحويل مجتمع كامل إلى كتلة منضبطة، خالية من النقد، ضعيفة المناعة الفكرية، قابلة للتوجيه الجماعي، ومهيّأة للعيش في حالة طوارئ دائمة. غير أن هذا المسار، مهما بدا قويًا في الظاهر، يحمل في داخله قابلية الانهيار؛ فالشعوب التي يُطلب منها تصديق كل شيء تُجبر في النهاية على الكذب على ذاتها، والتي تُربّى على الطاعة العمياء تفقد القدرة على تصحيح الأخطاء، والدول التي تبني استقرارها على تعطيل العقل إنما تبني مستقبلها على رمال متحركة.

ولا يقتصر الخطر على الجزائر وحدها. إن كسر الإنسان العربي أو المسلم عبر العسكرة وتزييف الوعي يترك أثره على كامل بلدان المحيط. فحين تُقمع الحرية في دولة، تتراجع قيمتها في الإقليم، وحين يُستبدل العقل بالتعبئة، تُصاب المنطقة بعدوى التوتر والعداء المصطنع. العالم، في المقابل، يراقب: أنظمة دول تدعم لأن العسكرة تضمن (التحكم)، و (التموقع)،  أو مقابل  الاستفادة من ثروات الجزائر (الغاز والنفط). لضمان الأمن الغذائي والاستقرار الداخلي لشعوبها.

وأنظمة تصمت لأن الصمت أقل كلفة، وأخرى تنتقد دون أن تتدخل. وطبعا هناك دول تدعم المغرب في مطالبه التي تعتبرها شرعية و صادقة بخصوص وحدته الترابية. فإنقاذ الإنسان، فلم يعد أولوية في النظام العالمي، الذي  يطبخ كل شيء على نار السياسة، ويمنح أنظمة الدول عمرًا أطول ولو كان الثمن هو الشعوب.

ومن أخطر أدوات هذا التجنيد الوجداني  زرع الكراهية الممنهجة تجاه المغرب والمغاربة. كراهية تجاوزت الخطاب السياسي الظرفي والإعلام الرسمي، وتمدّدت إلى العوالم الرقمية، ثم تسلّلت إلى المدرسة حيث يُفترض أن تُبنى العقول لا أن تُعبّأ بالأحقاد. يُقدَّم المغرب بوصفه (العدو الدائم)، وتُشوَّه الوقائع، وتُفبرك الأحداث، ويُحرَّف التاريخ، ويُختزل شعب كامل في صورة نمطية عدائية، بهدف توحيد الداخل بالخوف من الخارج. ومع انفلات هذا الخطاب إلى الفضاء الرقمي، تحوّل الكذب من أداة سياسية إلى ثقافة يومية، تُنتج وعيًا معتادًا على تزييف الواقع وإعادة إنتاج الوهم.

الأشد خطورة أن هذه الكراهية تسلّلت إلى المدرسة عبر ممارسات بعض المعلّمين والمعلمات الذين فشلوا في التربية قبل التعليم، فحوّلوا الأقسام إلى فضاءات شحن إيديولوجي يُلقَّن فيها العداء بدل التفكير، والكراهية بدل التحليل، والانغلاق بدل المعرفة. وحين يُربّى الطفل على كراهية شعب جار، فإننا لا نكون أمام تربية وطنية، بل أمام هندسة كراهية طويلة الأمد، تزرع بذور صراعات لا تخدم الأجيال المقبلة ولا المنطقة، ولا حتى الدولة التي تُغذّيها. والمفارقة أن هذه الكراهية لا تضر المغرب بقدر ما تنخر الداخل الجزائري نفسه؛ إذ تُبعد المجتمع عن مساءلة أزماته الحقيقية، وتستعمله وقودًا في معارك رمزية لا تطعم ولا تعلّم ولا تفتح أفقًا. وتهيئ جيل جديد منسلخ الهوية والفكر.

وفي قلب هذا المسار، تبرز سياسة (اللهاية). فقد أدرك النظام العسكري أن (اللهاية التقليدية) التي استُعملت طويلًا لإلهاء الداخل، بترسيخ قضية مُعلّبة وعدوّ مُستعار، قد فقدت فعاليتها. لم تعد تُقنع، ولا تُطعم، ولا تُسكِت الوجع. وحين تفشل اللهاية القديمة، لا يُبحث عن حلّ حقيقي، بل عن لهاية أخطر: تُصنع من الكراهية بدل الشعارات، ومن التعبئة الوجدانية بدل النقاش، ومن العداء الخارجي الدائم بدل مواجهة الداخل. هكذا يصبح شحن الشعب ضد المغرب وظيفة يومية للإلهاء: تُغطّى الأزمات بضجيج خارجي، ويُعلَّق الفشل على (مؤامرة)، ويُواجَه الاحتجاج بالتخوين، ويُدفن السؤال الحقيقي تحت ركام التعبئة.
 
سقوط لهاية البوليساريو
فقدت  (لهاية البوليساريو) ما تبقّى لها من مفعول داخل الجزائر. فبعد نصف قرن من تسويقها كقضية جامعة ومبرّر لتجميد المطالب الاجتماعية والسياسية، جاء القرار الأممي 2797 الصادر عن مجلس الأمن الدولي ليكرّس واقعًا سياسيًا دوليًا واضحًا: تثبيت مسار حلّ سياسي واقعي وعملي، والتأكيد على شرعية مقترح الحكم الذاتي التي قدّمه المغرب سنة 2007، باعتباره الأساس الجدي وذي المصداقية ضمن السيادة المغربية. عندها بدأ يتبيّن أن اللهاية سقطت من أفواه كثيرين؛ لم تعد تُقنع ولا تُلهي ولا تُخدّر الأسئلة الحقيقية حول التنمية والعدالة والشرعية ومستقبل الدولة.

ولأن الأنظمة التي تبني توازنها على الإلهاء لا تُجيد العيش بدونه، كان لا بد من تعويض اللهاية الساقطة بلهاية أشد خطرًا: تصعيد الخطاب العدائي، توسيع حملات الكراهية، نقل التعبئة من البوليساريو إلى العداء المباشر للمغرب، وتكثيف الشحن الوجداني في الإعلام والفضاء الرقمي وحتى المدرسة. غير أن الحقائق الدولية حين تستقر تُسقِط الأوهام تباعًا، ومعهاتبدأ الشعوب في طرح السؤال الذي تخشاه الأنظمة أكثر من غيره: إلى متى نُلهى؟ ولصالح من؟.

التاريخ لا يرحم الدول التي تحوّل شعوبها إلى عبيد، لتطيل عمر أنظمتها. لأنها تقصّر عمر أوطانها. الأوطان لا تُبنى بالخوف، ولا تُحمى بالكراهية، ولا تستمر بعقول مُعطّلة وقلوب مُصادَرة. التحذير هنا ليس ضد شعب، بل من أجل الشعب؛ وليس ضد دولة، بل ضد منطق يختزل الدولة في العسكر، والإنسان في أداة. فالشعب الذي يُجرَّد من عقله اليوم قد يُطالَب غدًا بدفع ثمن لم يختَره، في معارك لا تخدمه، وحروب لا يربحها أحد.وهنا، تحديدًا، يكمن الخطر الأكبر.

لهاية الحرب ضد المغرب
من هنا تلوح في الأفق (اللهاية الثانية) والأخطر التي قد يسعى النظام العسكري في الجزائر إلى لصقها بأفواه الجزائريين . ألا وهي الحرب ضد المغرب. هذه ليست فرضية معزولة، بل نتيجة منطقية لمسار طويل من التعبئة، وتزييف الوعي، وزرع الكراهية، وتجفيف البدائل السياسية والاجتماعية. فحين تسقط اللهايات القديمة، وحين يفقد خطاب الإلهاء قدرته على التخدير، لا يبقى أمام هذا النوع من الأنظمة سوى القفز إلى أقصى درجات التصعيد.

الحرب هنا لا تُفكَّر كوسيلة نصر، لأن الحروب في هذا العصر لا يربحها أحد، بل تُستعمل كلهاية قصوى، هدفها إغراق الداخل في حالة طوارئ شاملة. ففي مناخ الحرب، تُعلَّق السياسة، وتُجمَّد المطالب الاجتماعية، وتُؤجَّل الأسئلة المقلقة، ويصبح الجيش هو صاحب الكلمة الأولى والأخيرة، بلا نقاش ولا مساءلة. الحرب تُعيد ترتيب المجتمع بالقوة، وتُعيد تعريف الوطنية باعتبارها انضباطًا أعمى، وتمنح العسكرة شرعية استثنائية لا يملكها زمن السلم.

والأخطر أن هذه اللهاية لا تعمل إلا إذا سبقتها عملية تعبئة وجدانية كثيفة: توسيع دائرة الكراهية، رفع منسوب العداء، إنتاج عدد أكبر من الجزائريين الذين يكرهون المغرب والمغاربة، لا بناءً على معرفة أو تجربة، بل على صور نمطية وخطاب تحريضي متواصل. فالكراهية هنا ليست نتيجة عرضية، بل شرط تشغيل للذهاب نحو الحرب أو التلويح بها.

غير أن هذه المقامرة، مهما بدت مغرية لمن يحكمون من منطق العسكرة، تحمل مخاطر وجودية. فالحرب لا تلتهم الخصم وحده، بل تلتهم الداخل أولًا: الاقتصاد، النسيج الاجتماعي، الثقة، والمستقبل. وهي، وإن منحت السلطة زمنًا إضافيًا، فإنها تفتح أبوابًا لا يمكن التحكم في مآلاتها، لأن الشعوب قد تُساق تحت وقع الخوف، لكنها لا تنسى الثمن.

علما أن الخصم ليس قاصرا أو عاجزا. بل يمتلك كل مقومات النصر. لكنه يرفضها من منطق أنه لا يمكن رفع السلاح على الأهل والأحباب والأشقاء. ومن منطلق أن المملكة الشريفة التي عمرت 13 قرنا من الزمن، أعطت وتعطي الدروس في القدرة والكفاءة والجنوح الدائم إلى السلم والسلام. وهكذا تتحول الحرب من خيار سياسي إلى لهاية قاتلة، لا تُستعمل لإنقاذ وطن، بل لإطالة عمر منظومة حكم، على حساب شعب يُدفع به إلى المجهول.

حرب تدق طبولها بمسامير في نعش النظام
حرب باتت كل بوادرها بارزة، لا لأنها قَدَرٌ محتوم في ظل تواجد هذا النظام العسكري الذي يقتات من كل ثروات الجزائر وكل سيول شعبها من دماء ودموع وعرق، بل لأن مناخها يُصنَع تدريجيًا عبر تراكم مؤشرات سياسية وإعلامية ونفسية. فحين يتصاعد الخطاب العدائي، وتُكثَّف التعبئة الوجدانية، وتُوسَّع حملات الكراهية في الإعلام والفضاء الرقمي، وحين تُستَهدف المدرسة والوعي الجمعي، فإننا نكون أمام تهيئة ذهنية قبل أي مواجهة ميدانية.

هذه البوادر لا تُقاس فقط بحركة السلاح، بل بتهييج المشاعر، وتطبيع العداء، وتضييق هامش السياسة، بما يجعل الحرب (إن فُرضت) مقبولة نفسيًا لدى مجموعة واسعة من المستدرجين.

وفي هذا السياق، يُستعمل التلويح بالحرب بوصفه أداة ضبط داخلي قبل أن يكون خيارًا خارجيًا، إذ تفتح حالة الطوارئ المجال لاحتكار القرار، وتعليق المطالب، وإعادة ترتيب المجتمع تحت سلطة واحدة. غير أن أخطر ما في هذا المسار أن الحرب، إن اندلعت، تلتهم الداخل أولًا قبل أن تمسّ الخصم، وتترك آثارًا تتجاوز حدود الجزائر والمغرب إلى الإقليم برمّته. لذلك، فإن قراءة هذه البوادر ليست تهويلًا، بل إنذار مبكر من منطق يُغذّي الصدام بدل السياسة، ويستبدل الحلول بالتصعيد، ويغامر بمستقبل الشعوب تحت وهم السيطرة.

              
















MyMeteo




Facebook
YouTube
Newsletter
Rss

الاشتراك بالرسالة الاخبارية
أدخل بريدك الإلكتروني للتوصل بآخر الأخبار