Quantcast
2026 يوليو 13 - تم تعديله في [التاريخ]

"الهندية" في المغرب.. من الوفرة إلى الندرة


"الهندية" في المغرب.. من الوفرة إلى الندرة
العلم الإلكترونية-ريحانة السالمي(صحافية متدربة)
 
إذا عدت بالذاكرة إلى تسعينيات القرن الماضي، وتجولت في أزقة المدن المغربية أو على جنبات الطرقات خلال فصل الصيف، فلا بد أنك ستستحضر مشهدا مألوفا، عربات الباعة المكدسة بالتين الشوكي، ونداءاتهم التي تعلن وصول موسم "الهندية".
 
التين الشوكي أو ما يعرف عاميا ب "كرموس النصارى" أو "الهندية"،  فاكهة صيفية لطالما كانت رفيقة "الدرويش"، والفاكهة الأكثر ديمقراطية وشعبية في تاريخ المملكة.
 
في تسعينيات القرن الماضي وبداية الألفية، لم تكن "الهندية" تعرف الغلاء الذي تعيشه اليوم، بل كانت من أكثر الفواكه انتشارا وأقلها تكلفة. كان يكفي أن يخرج الطفل من بيته وفي يده درهم واحد، ليعود إلى رفاقه محمولا بكيس بقرابة عشرين حبة، غنية بالماء والفيتامينات.

كانت تزرع على مساحات شاسعة كسياج طبيعي للمزارع في دواوير دكالة، و الرحامنة، و سيدي إفني، ومناطق سوس. و كانت تُباع بأسعار زهيدة لدرجة أن الباعة كانوا يهدون حبات إضافية كعربون مودة، وكان سعر الصندوق الواحد آنذاك لا يتعدى 30 درهما فقط.

خلف هذا الثمن البسيط، تكمن في "الهندية" فوائد صحية عديدة، يأتي في مقدمتها  تعزيز صحة الجهاز الهضمي، بفضل غناها بالألياف الغذائية التي تسهم في تحسين الهضم، شرط تناولها باعتدال والإكثار من شرب الماء. كما أنها تعد خزانا للفيتامينات لاحتوائها على نسبة عالية من فيتامين  Cومضادات الأكسدة التي تقوي المناعة وتكافح الشيخوخة، بالإضافة إلى دورها كـمنظف طبيعي للجسم يساعد في خفض مستويات الكوليسترول الضار وتنظيم السكر في الدم.
كما فتحت بذور "الهندية" الباب أمام صناعة تجميل مزدهرة، إذ يُستخرج منها زيت التين الشوكي، أحد أغلى الزيوت النباتية المستخدمة في مستحضرات التجميل، لغناه بمضادات الأكسدة وفيتامين E والأحماض الدهنية.
 
لكن دوام الحال من المحال، ففي غضون سنوات قليلة، اختفت الأكوام الشاهقة من التين الشوكي التي كانت تزين عربات الباعة، وتقلصت المساحات المزروعة بشكل لافت، وقفزت الأسعار إلى مستويات غير مسبوقة، إذ بات ثمن الثمرة الواحدة يتراوح بين 5 و7 دراهم، فيما ارتفع سعر الكيلوغرام إلى ما بين 10 و20 درهما. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل التهب سعر الصندوق في أسواق الجملة ليبلغ أخيراً ما بين 200 و350 درهما، ليتحول "كرموس الدرويش" من فاكهة شعبية في متناول الجميع إلى فاكهة برجوازية تنافس المانغو والأفوكادو.
 
فين أيام زمان؟ لسان حال المواطن المغربي اليوم وهو ينظر بذهول إلى عربة "الهندية"، حيث أصبح شراء بضع حبات للعائلة يتطلب ميزانية قائمة بذاتها بعدما كانت الفاكهة تُشبع عائلات بأكملها بمبلغ زهيد
تشير التقارير الاقتصادية والزراعية إلى أن الأزمة تغذت على عوامل طبيعية وتجارية متداخلة. فالمغرب عاش لسنوات متتالية تحت وطأة جفاف حاد وقاس أثر على الفرشة المائية وقدرة النباتات على الإزهار بالجودة المعتادة. هذا الشح الطبيعي أدى إلى قلة حادة في العرض بجميع الأسواق المغربية مقابل استمرار الطلب الكبير على هذه الفاكهة. فضلا عن تراجع المساحات المزروعة بسبب الأضرار التي خلفتها الحشرة القرمزية.

هذه الآفة ليست من الحشرات الأصلية في المغرب، إذ سُجل ظهورها لأول مرة سنة 2014، قبل أن تنتشر بسرعة في مختلف المناطق المنتجة للتين الشوكي. وتشير الدراسات العلمية إلى أن موطنها الأصلي يقع في القارة الأمريكية، ولا سيما المكسيك وأمريكا الوسطى، قبل أن تنتقل إلى بلدان عدة، من بينها المغرب، حيث وجدت في نبات الصبار بيئة مثالية للتغذية والتكاثر، متسببة في تدمير مساحات واسعة من حقوله. إذ تقوم الحشرة بامتصاص سوائل ومياه ألواح الصبار، وتفرز مادة بيضاء تشبه القطن تحميها، مما يؤدي في النهاية إلى جفاف النبتة تماما وموتها في غضون أسابيع قليلة.
 
أمام هذا الوضع، أُطلقت مجموعة من البرامج والمبادرات لإحياء قطاع الصبار والحد من آثار الحشرة القرمزية، شملت استنباط نحو ثمانية أصناف جديدة مقاومة للآفة، من بينها "مرجانة" و"بلسمية" و"كرامة"، إلى جانب توزيع ملايين الشتلات على الفلاحين لإعادة تشجير المساحات المتضررة. كما يجري اعتماد المكافحة البيولوجية باستعمال بعض أنواع الدعاسيق المفترسة التي تتغذى على الحشرة القرمزية، في إطار جهود تروم الحد من انتشارها بوسائل صديقة للبيئة. ورغم بوادر تعافي الإنتاج في عدد من المناطق، فإن استقرار الأسعار عند مستويات منخفضة يبقى رهيناً باستكمال جهود إعادة إحياء هذا القطاع.

              
















MyMeteo




Facebook
YouTube
Newsletter
Rss

الاشتراك بالرسالة الاخبارية
أدخل بريدك الإلكتروني للتوصل بآخر الأخبار