Quantcast
2026 أغسطس 9 - تم تعديله في [التاريخ]

اليوم الوطني للمهاجر… لا نريد يومًا للاحتفال بمغاربة العالم فقط بل موعدًا سنويًا للاستماع والمحاسبة وصناعة الحلول

من استقبال الجالية في غشت إلى إشراكها في صناعة مستقبل المغرب طوال السنة..


اليوم الوطني للمهاجر… لا نريد يومًا للاحتفال بمغاربة العالم فقط بل موعدًا سنويًا للاستماع والمحاسبة وصناعة الحلول

*بقلم: بوشعيب حمراوي*

يحل العاشر من غشت من كل سنة حاملًا معه مناسبة وطنية لها من الدلالات الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية والوطنية ما يجعلها أكبر بكثير من مجرد موعد احتفالي عابر، إنه اليوم الوطني للمهاجر الذي أُقر سنة 2003 بمبادرة ملكية ليكون جسرًا مؤسساتيًا دائمًا بين المغرب وأبنائه المقيمين خارج حدوده، وفرصة للقاء والتواصل والاستماع إلى قضاياهم وانتظاراتهم وتطلعاتهم، وتثمين ما يقدمونه لوطنهم، وتقوية ارتباطهم به، وإشراكهم في مسارات التنمية التي لا ينبغي أن تتوقف عند الحدود الجغرافية للمملكة، لأن المغربي الذي غادر وطنه بحثًا عن الدراسة أو العمل أو حياة أفضل لم يترك مغربيته في المطار أو الميناء، ولم يفقد حقوقه وواجباته بمجرد حصوله على بطاقة إقامة أو جنسية أجنبية، وإنما حمل معه جزءًا من المغرب ليستقر به في بلد آخر، وظل مرتبطًا بوطنه وأسرة تركها خلفه ومدينة أو قرية نشأ فيها وذكريات وهوية وثقافة لا تمحوها المسافات ولا سنوات الغربة.

وما أجمل أن يحتفي الوطن بأبنائه، وأن يشعر المغربي المقيم في الخارج بأن وطنه يفتح له أبوابه حين يعود إليه، وأن يجد مسؤولين ومؤسسات يستقبلونه ويستمعون إليه ويثمنون ما يقدمه، لكن الاحتفاء وحده، مهما كان صادقًا وجميلًا ومنظمًا، لا ينبغي أن يتحول إلى الغاية النهائية من هذه المناسبة، لأننا بعد أكثر من عقدين على إحداث اليوم الوطني للمهاجر أصبحنا في حاجة إلى الانتقال من منطق المناسبة إلى منطق السياسة العمومية المستمرة، ومن ثقافة اللقاء السنوي إلى ثقافة العمل طوال السنة، ومن الاستماع إلى المشاكل إلى تتبع حلولها، ومن استقبال الشكايات الجديدة كل صيف إلى مساءلة أنفسنا أولًا عما فعلناه بالشكايات التي استقبلناها في الصيف السابق، حتى لا يتحول العاشر من غشت إلى محطة تتكرر فيها الوجوه والكلمات والصور والمشاكل نفسها بينما تظل الأسئلة الكبرى معلقة من سنة إلى أخرى.
لذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه اليوم ليس ما إذا كان اليوم الوطني للمهاجر مناسبة ضرورية، لأن أهميته لا تحتاج إلى إثبات، وإنما السؤال الحقيقي هو: كيف نستثمر هذه المناسبة إلى أقصى حد، وكيف نحولها إلى موعد سنوي للاستماع والمحاسبة الإيجابية والتقييم وصناعة الحلول، وكيف نجعل العاشر من غشت نقطة التقاء بين ما تحقق خلال سنة وما ينبغي تحقيقه خلال السنة التالية، بدل أن يكون يومًا يبدأ بحفل استقبال وينتهي بانتهاء البرنامج؟

الاحتفال مطلوب… لكن الاحتفال الذي لا يترك وراءه أثرًا يبقى ناقصًا

لا أحد يمكنه أن يعترض على الاحتفاء بمغاربة العالم أو على تخصيص لقاءات واستقبالات وأنشطة لهم، لأن الاعتراف بما يقدمونه لوطنهم واجب معنوي قبل أن يكون إجراءً مؤسساتيًا، لكن ما ينبغي أن ننتبه إليه هو أن قيمة المناسبة لا تقاس بحجم القاعات التي احتضنت اللقاءات ولا بعدد المسؤولين والحاضرين ولا بطول الكلمات التي ألقيت ولا بعدد الصور التي نشرت في المواقع وصفحات المؤسسات، وإنما تقاس بما يبقى بعد أن تنطفئ الأضواء وتغلق القاعات أبوابها ويعود أفراد الجالية إلى مدنهم وقراهم ثم إلى بلدان إقامتهم، لأن المواطن لا يحتفظ طويلًا بصورة المسؤول الذي صافحه بقدر ما يحتفظ بذاكرة الملف الذي سلمه إليه، ولا يقيس جودة الإدارة بحفاوة الاستقبال وحدها بقدر ما يقيسها بالجواب الذي تلقاه بعد أسابيع أو أشهر، وبالمشكلة التي وجدت طريقها إلى الحل، وبالاستثمار الذي خرج من متاهة المساطر، وبالشكاية التي لم تضيع بين المكاتب.

ومن هنا يصبح المطلوب أن نربط كل احتفال بالنتائج، وأن نسأل بعد كل دورة ماذا أنتجت لقاءات العاشر من غشت على المستوى الوطني والجهوي والإقليمي والمحلي، وما عدد الملفات التي تمت معالجتها، وما طبيعة المشاكل المتكررة التي كشفت عنها مداخلات أفراد الجالية، وما الذي تعلمته الإدارات من تلك المشاكل، وما الإجراءات التي اتخذتها حتى لا يعود المواطن في السنة الموالية ليطرح الشكوى نفسها أمام المسؤول نفسه، لأن المناسبة التي تكشف المشكلة ولا تساعد على علاجها تظل ناقصة، والاجتماع الذي يستمع إلى المواطن ولا يبني على ما سمعه لا يستطيع أن يصنع الثقة التي نريدها بين مغاربة العالم ومؤسسات وطنهم.

أعطوا أصحاب المناسبة الوقت ليتحدثوا… فالمسؤول موجود ليستمع قبل أن يخطب

ومن الأمور التي تستحق المراجعة في بعض اللقاءات التواصلية أن يتحول المسؤولون إلى المتحدثين الرئيسيين في مناسبة يفترض أنها مخصصة أصلًا للاستماع إلى مغاربة العالم، فتتوالى الكلمات والعروض والتقديمات، وعندما يحين وقت أصحاب القضايا والمشاكل والتجارب والمقترحات نجد أن الساعة قد تقدمت وأن عبارة «ضيق الوقت» أصبحت حاضرة لطلب الاختصار، مع أن المنطق يفرض أن يكون العكس هو الصحيح، وأن يحصل مغاربة العالم على الحصة الأكبر من زمن اللقاء، وأن يأتي المسؤول مستعدًا للإنصات والتدوين والجواب والتوضيح والإحالة والتعهد بالتتبع، لأن المغربي المقيم في الخارج لا يحتاج في العاشر من غشت إلى من يشرح له مشاكله التي يعيشها بنفسه، وإنما يحتاج إلى من يسمعه حين يشرحها وإلى مؤسسة تخبره بعد ذلك بما فعلته من أجل معالجتها.

ولذلك فإن نجاح اللقاء ينبغي أن يقاس بمقدار ما استطاع المسؤولون أن يسمعوه لا بمقدار ما استطاعوا أن يقولوه، وبعدد الملفات التي فهموها ووثقوها وأحالوها على المصالح المختصة لا بعدد الصفحات التي قرؤوها في كلماتهم، لأن أجمل خطاب يمكن أن يسمعه المهاجر هو جواب إداري واضح بعد أسابيع يقول له إن ملفه تمت معالجته، أو إن مشكلته وجدت حلًا، أو حتى إن طلبه غير ممكن قانونيًا مع توضيح الأسباب والمساطر البديلة، فالاحترام لا يعني دائمًا أن يحصل المواطن على ما يريد، وإنما يعني بالضرورة أن يجد من يستمع إليه ويجيبه ويشرح له ولا يتركه ينتظر في المجهول.

قبل أن نفتح ملفات هذه السنة… لنضع فوق الطاولة حصيلة ملفات السنة الماضية

إذا أردنا فعلًا أن نعطي لليوم الوطني للمهاجر قيمة مؤسساتية تتراكم من سنة إلى أخرى، فإن أول نقطة في برنامج كل لقاء جديد ينبغي ألا تكون استقبال الشكايات والمطالب الجديدة، وإنما تقديم حصيلة دقيقة لما حدث منذ اللقاء السابق، بحيث يعرف الحاضرون عدد الملفات التي طرحت خلال السنة الماضية، وعدد الملفات التي تمت معالجتها، والملفات التي ما زالت قيد الدراسة، والمشاكل التي حالت دون حل بعضها، والقطاعات والإدارات التي تركزت حولها الشكايات، والإجراءات التي تم اتخاذها لمعالجة الاختلالات المتكررة، لأننا لا نستطيع أن نبني الثقة إذا كنا نبدأ كل سنة من الصفحة الأولى وننسى ما كتبناه في الصفحات السابقة.

ولا أقصد بالمحاسبة هنا تحويل المناسبة إلى محاكمة للمسؤولين أو فضاء لتبادل الاتهامات، وإنما أقصد المحاسبة الإيجابية القائمة على الأرقام والنتائج والتقييم والتعلم من الأخطاء، لأن المسؤول الذي يعرض حصيلته أمام المواطنين لا ينبغي أن يرى في ذلك تهديدًا لمكانته، بل دليلًا على احترامه لمسؤوليته، كما أن الإدارة التي تعترف بأن بعض الملفات لم تحل وتشرح أسباب ذلك وتحدد ما ستفعله لمعالجتها تكون أكثر مصداقية من إدارة تقدم صورة وردية لا يجد المواطن أثرها في حياته اليومية.

وهكذا يمكن أن يصبح العاشر من غشت موعدًا سنويًا تقدم خلاله كل جهة وعمالة وإقليم حصيلة مختصرة وواضحة حول قضايا مغاربة العالم، لا في شكل تقرير بيروقراطي ضخم يصعب على المواطن فهمه، وإنما في شكل أرقام ومؤشرات دقيقة تبين عدد الشكايات والملفات والاستثمارات والمقترحات التي تم استقبالها، وما تمت معالجته منها، وما بقي عالقًا، وما أسباب التعثر، وما الالتزامات التي سيتم تنفيذها قبل موعد السنة المقبلة، وبذلك ننتقل من ثقافة الحديث عن المشاكل إلى ثقافة قياس القدرة على حلها.

شكايات مغاربة العالم ليست مشاكل فردية فقط… إنها مرآة تكشف أعطاب الإدارة

ومن الخطأ التعامل مع الشكايات التي يطرحها أفراد الجالية باعتبارها ملفات شخصية معزولة، لأن تكرار المشكلة نفسها عند عشرات المواطنين يمكن أن يكشف عن خلل أوسع يحتاج إلى معالجة في أصل المسطرة وليس في كل ملف على حدة، فإذا تكررت الشكايات حول الحصول على وثيقة معينة فربما تكون المسطرة نفسها معقدة، وإذا تكررت حول إدارة واحدة فقد يكون الخلل في طريقة اشتغالها، وإذا ارتبطت غالبية المشاكل بعدم قدرة المواطن على متابعة ملفه من الخارج فإن الحل لا يكون في مطالبة كل مواطن بالحضور إلى المغرب وإنما في تطوير خدمة رقمية تسمح له بالتتبع عن بعد، وهكذا تتحول الشكايات من مصدر للإزعاج إلى مصدر للمعلومة ومن ملفات فردية إلى قاعدة بيانات تساعد الإدارة نفسها على معرفة أعطابها وإصلاحها.

ومن هنا ينبغي أن يكون لكل ملف يطرح خلال اليوم الوطني للمهاجر مسار واضح يبدأ بتسجيله ومنح صاحبه رقمًا مرجعيًا، ثم تحديد الجهة المسؤولة عن معالجته، ثم تمكين صاحبه من متابعة مآله إلكترونيًا بعد عودته إلى بلد الإقامة، لأن المواطن الذي قطع آلاف الكيلومترات ووضع مشكلته أمام مسؤول لا ينبغي أن يضطر إلى العودة بعد سنة ليسأل عما حدث لها، ولا ينبغي أن يسمع عبارة «ذكرنا بالملف» وكأن الإدارة لا تمتلك أرشيفًا ولا ذاكرة ولا وسائل رقمية، فالإدارة الحديثة هي التي تتذكر ملف المواطن حتى عندما ينشغل المواطن عنه، لا التي تجعل المواطن يقوم بدور ذاكرتها.

من العاشر من غشت إلى 365 يومًا من الخدمة… الرقمنة هي أقصر طريق لإلغاء المسافة

إذا كان هناك مجال يمكن أن يحدث تحولًا حقيقيًا في علاقة مغاربة العالم بالإدارة المغربية فهو الرقمنة، لأن المشكلة الأساسية للمواطن المقيم بالخارج ليست دائمًا في طبيعة الخدمة وإنما في المسافة التي تفصله عنها، ومن غير المقبول أن يعيش المغربي في بلد يستطيع فيه إنجاز معظم معاملاته من هاتفه أو حاسوبه ثم يعود إلى وطنه ليجد نفسه مضطرًا إلى التنقل بين مكاتب متعددة من أجل وثيقة أو توقيع أو معلومة كان من الممكن توفيرها إلكترونيًا، ولذلك يجب ألا نفهم الرقمنة باعتبارها مجرد تحويل الاستمارة الورقية إلى نسخة إلكترونية، وإنما باعتبارها إعادة بناء للمسار الإداري كله حتى يستطيع المواطن إيداع ملفه وتتبع مراحله وأداء الرسوم متى كان ذلك ممكنًا والحصول على الجواب وتقديم التظلم والتواصل مع الجهة المعنية دون أن يصبح وجوده الجسدي داخل المغرب شرطًا للحصول على حق إداري بسيط.

وسيكون من أجمل مؤشرات نجاح سياساتنا تجاه مغاربة العالم أن نصل إلى يوم يعود فيه المغربي خلال عطلته الصيفية فلا يخصص الأيام الأولى منها للطواف على الإدارات والمحاكم والجماعات والمؤسسات، لأنه عالج ملفاته من بلد إقامته، ويصبح مجيئه إلى المغرب مخصصًا لأسرته وراحته واستثماراته وأفكاره ومساهماته بدل أن يتحول جزء من عطلته إلى رحلة بحث عن الوثائق والتوقيعات والمواعيد، وعندها فقط يمكن القول إننا حولنا شعار خدمة مغاربة العالم طوال السنة إلى واقع يلمسونه بأنفسهم.

لا تختزلوا مغاربة العالم في الأموال… فالعقول التي راكموها أثمن من التحويلات التي يرسلونها

لقد ارتبط الحديث عن مغاربة العالم طويلًا بالتحويلات المالية، ولا أحد ينكر أهمية تلك التحويلات بالنسبة للاقتصاد الوطني ولآلاف الأسر، لكن استمرار اختزال الجالية في الأموال التي تحولها يجعلنا نهدر جانبًا أكبر وأثمن من ثروتها، لأن بين المغاربة المقيمين بالخارج أطباء يعملون في مؤسسات صحية متقدمة، ومهندسين داخل كبريات الشركات، وباحثين داخل جامعات ومختبرات عالمية، وأساتذة وخبراء ورجال أعمال ومستثمرين ومبدعين وفنانين ورياضيين وأطرًا اكتسبوا معرفة وتجارب وشبكات علاقات يمكن أن تكون للمغرب قيمة استراتيجية لا تقل عن قيمة الأموال التي تدخل إلى حساباته البنكية.

ولذلك يجب أن تتغير الرسالة التي نوجهها إليهم، فلا نقول للمهاجر فقط إن وطنك يحتاج إلى استثمار أموالك، وإنما نقول له إن وطنك يحتاج أيضًا إلى فكرتك وعلمك وخبرتك وتجربتك وعلاقاتك وقدرتك على فتح أبواب جديدة أمام المقاولات والجامعات والباحثين والشباب المغاربة، لأن الاستثمار ليس مالًا فقط، بل إن المعرفة استثمار، والتكنولوجيا استثمار، ونقل التجارب استثمار، وتأطير الباحثين استثمار، وفتح سوق دولية أمام منتج مغربي استثمار، وربط جامعة مغربية بمختبر أجنبي استثمار، ومساعدة شاب مغربي على دخول شبكة بحث أو ابتكار دولية استثمار قد تكون قيمته المستقبلية أكبر من قيمة مشروع مالي محدود.

لا نحتاج إلى إعادة كل الكفاءات إلى المغرب… نحتاج إلى ربطها بالمغرب أينما كانت

ومن هذا المنطلق، لا ينبغي أن نبقى أسرى لفكرة أن الاستفادة من الكفاءات المغربية الموجودة بالخارج تقتضي بالضرورة عودتها النهائية إلى أرض الوطن، لأن طبيعة العالم تغيرت وأصبحت المعرفة تتحرك أسرع من الأشخاص، ويمكن للباحث المغربي الموجود في كندا أن يساهم في برنامج علمي بالمغرب، وللطبيب العامل في فرنسا أن يخصص جزءًا من وقته لتكوين أطباء شباب أو المشاركة في برامج صحية، وللمهندس المقيم في ألمانيا أن يواكب مشروعًا صناعيًا أو تقنيًا عن بعد، ولرجل الأعمال الموجود في بلجيكا أو هولندا أن يساعد مقاولة مغربية على دخول سوق جديدة، وللأستاذ الجامعي أن يؤطر طلبة وباحثين دون أن يغير مقر إقامته.

ومن هنا يصبح المطلوب إنشاء شبكات وطنية وجهوية اختيارية للكفاءات المغربية، تسمح لكل جهة وإقليم بمعرفة أبنائه وبناته الراغبين في المساهمة في التنمية، وتتيح للمؤسسات الوصول إلى الخبرة التي تحتاج إليها بدل أن يبقى كل طرف يجهل وجود الآخر، لأن المغرب الذي يمتلك ملايين المواطنين المنتشرين في عشرات الدول يمتلك في الحقيقة شبكة عالمية ضخمة، وما ينقصه ليس دائمًا وجود الكفاءات وإنما القدرة على تنظيم الصلة بينها وبين وطنها.

أبناء وأحفاد مغاربة العالم… لا تجعلوا المغرب يتحول في ذاكرتهم إلى مجرد عطلة صيفية

وإذا كان الجيل الأول من المهاجرين يحمل المغرب في ذاكرته لأنه ولد وعاش فيه قبل أن يغادره، فإن التحدي الحقيقي يوجد في الأجيال الثانية والثالثة وما بعدها، لأن الطفل الذي يولد في باريس أو بروكسيل أو أمستردام أو مدريد أو مونتريال ويعيش حياته اليومية داخل مجتمع آخر قد لا تكون علاقته بالمغرب بالقوة نفسها التي يحملها والده أو جده، وكلما مرت السنوات وتوالت الأجيال أصبحت المحافظة على تلك الصلة مسؤولية تحتاج إلى سياسة ثقافية وتربوية وشبابية واعية بدل الاعتماد فقط على العاطفة العائلية.

ولذلك ينبغي أن تكون اللغة والثقافة والتاريخ والمخيمات والرحلات والرياضة والفنون والتبادل الجامعي وبرامج التعارف مع جهات المغرب ومؤسساته جزءًا أساسيًا من السياسة الموجهة لمغاربة العالم، حتى لا يصبح المغرب بالنسبة إلى الأجيال الجديدة مجرد منزل للعائلة يزورونه خلال الصيف أو شاطئ يقضون فيه أيامًا ثم يعودون إلى حياتهم، وإنما وطنًا يعرفون تاريخه وثقافته ومؤسساته وفرصه ويشعرون بأن لهم مكانًا ومستقبلًا داخله، لأن الانتماء لا ينتقل آليًا عبر الدم أو جواز السفر، وإنما يحتاج إلى روابط حية تتجدد باستمرار وتمنح الشاب أسبابًا عقلية وعاطفية تجعله يقول إن المغرب ليس وطن والدي وجدي فقط، بل وطني أنا أيضًا.

مغاربة العالم سفراء طبيعيون… وصورة المغرب في الخارج تبدأ من معاملتهم في الداخل

ويمتلك المغرب من خلال أبنائه المنتشرين عبر العالم قوة ناعمة لا ينبغي التقليل من أهميتها، فهؤلاء يعيشون داخل المجتمعات الأجنبية ويتحدثون لغاتها ويفهمون ثقافاتها ويتعاملون مع مؤسساتها وإعلامها، والطبيب المغربي الناجح والباحث المتألق والمهندس المتميز والرياضي والفنان والمقاول والطالب المتفوق يقدمون جميعًا، من خلال نجاحاتهم وسلوكهم، صورة عن المغرب ربما تكون أكثر تأثيرًا من حملات تواصلية كاملة، ولذلك فإن الاستثمار في علاقتنا بمغاربة العالم هو في الوقت نفسه استثمار في صورة المغرب ونفوذه ومصالحه.

لكن لا يمكن أن نطلب من المغربي المقيم بالخارج أن يكون سفيرًا لوطنه ونحن لا نصنع له تجربة وطنية تجعله يحمل أفضل صورة عنه، لأن المواطن الذي يجد إدارة تحترمه وقنصلية تخدمه ومؤسسة تنصفه وقانونًا يحمي استثماره وخدمة رقمية توفر عليه الوقت والمسافة سيصبح مدافعًا طبيعيًا عن بلده دون أن يطلب منه أحد ذلك، أما حين تتراكم لديه التجارب السلبية فإن أي خطاب رسمي لن يكون قادرًا على محو أثرها، ولهذا فإن صورة المغرب في الخارج تبدأ في جزء كبير منها من الطريقة التي يعامل بها المغرب أبناءه في الداخل والخارج.

العاشر من غشت ينتهي فيه الاحتفال… والحادي عشر منه يجب أن يبدأ فيه العمل

لعل أكبر تغيير يمكن أن ندخله على فلسفة اليوم الوطني للمهاجر هو أن نتوقف عن التعامل مع العاشر من غشت باعتباره نهاية نشاط سنوي، وأن نجعله بداية دورة عمل تمتد اثني عشر شهرًا، بحيث تنتهي اللقاءات مساء العاشر من غشت ويبدأ صباح الحادي عشر منه فرز الملفات وتصنيف الشكايات وإحالتها على الإدارات المعنية ودراسة المقترحات وربط الاتصال بالكفاءات ومواكبة المشاريع والاستثمارات، ثم تستمر المتابعة طوال السنة إلى أن يحل العاشر من غشت التالي، فيعود المسؤولون أمام مغاربة العالم لا ليعيدوا الكلمات نفسها، وإنما ليقولوا بكل وضوح: هذا ما طلبتموه منا السنة الماضية، وهذا ما أنجزناه، وهذه الملفات التي لم ننجح في حلها، وهذه أسباب التعثر، وهذا ما سنفعله بشأنها.

حينها فقط يصبح للمناسبة تاريخ قبلها وتاريخ بعدها، وتصبح لها ذاكرة واستمرارية، وينتقل العمل من منطق الموسم الصيفي إلى منطق السياسة العمومية الدائمة، لأن الثقة لا تصنعها الوعود وحدها وإنما يصنعها أن يرى المواطن أن كلام السنة الماضية تحول إلى نتيجة يمكن قياسها في السنة الحالية.

لا نريد وطنًا يتذكر أبناءه حين يعودون إليه… بل وطنًا يرافقهم حيثما كانوا

إن اليوم الوطني للمهاجر مناسبة وطنية جميلة وضرورية، والاحتفاء بمغاربة العالم وتقدير تضحياتهم ومساهماتهم واجب يستحق أن يستمر ويتطور، لكن أجمل احتفاء يمكن أن نقدمه لهم ليس أن نفتح أمامهم أبواب القاعات يومًا واحدًا ثم نغلقها بانتهاء المناسبة، وإنما أن نفتح أمامهم أبواب الإدارة والاستثمار والمعرفة والمشاركة طوال السنة، وأن يشعر المغربي المقيم على بعد آلاف الكيلومترات بأن وطنه قريب منه حين يحتاج إليه، وأن المسافة التي تفصله جغرافيًا عن المغرب لا تتحول إلى مسافة تفصله عن حقوقه ومؤسساته وفرص المساهمة في تنميته.
ولا نريد أن يتحول العاشر من غشت إلى يوم لمحاكمة المسؤولين أو توزيع الاتهامات، كما لا نريده مجرد موعد للاحتفال وتبادل المجاملات، وإنما نريده مساحة ناضجة للمحاسبة الإيجابية التي تبدأ بالسؤال عما تحقق قبل الحديث عما سنفعله، وتبحث عن مواطن الخلل من أجل إصلاحها لا من أجل التشهير بمن أخطأ، وتستفيد من صوت المواطن باعتباره شريكًا في تطوير الإدارة وليس خصمًا لها، لأن الوطن القوي ليس الوطن الذي يدعي أن مؤسساته لا تخطئ، وإنما الوطن الذي يمتلك الشجاعة والآليات اللازمة لاكتشاف أخطائه وتصحيحها وعدم تكرارها.

فلنجعل لكل عاشر من غشت حصيلة واضحة لما جرى منذ العاشر من غشت الذي سبقه، ولنجعل لكل شكوى مسارًا يمكن تتبعه، ولكل ملف جهة مسؤولة عن الجواب عنه، ولكل استثمار طريقًا واضحًا لا يضيع صاحبه في متاهات الإدارة، ولكل كفاءة مغربية موجودة في الخارج بابًا يمكن أن تدخل منه للمساهمة بعلمها وخبرتها، ولكل طفل وشاب من أبناء الجالية جسورًا ثقافية وتربوية وإنسانية تبقيه قريبًا من وطن ربما لم يولد فيه ولكنه ينتمي إليه، ولنجعل من الرقمنة وسيلة لإلغاء المسافات ومن المعرفة جسرًا يربط المغرب بأبنائه أينما كانوا.

وعندما نجتمع في العاشر من غشت، لا ينبغي أن يكون سؤالنا الوحيد هو كم حول مغاربة العالم من الأموال، وكم اشتروا من العقارات، وكم استثمروا من رؤوس الأموال، بل يجب أن نمتلك الشجاعة لنسأل في الاتجاه الآخر أيضًا: ماذا قدم المغرب لمغاربة العالم خلال السنة التي مضت، وكم مشكلة حللنا لهم، وكم ملفًا سوينا، وكم مشروعًا أنقذنا من التعثر، وكم كفاءة ربطنا بمؤسسات الوطن، وكم فكرة حولنا إلى مشروع، وكم شابًا من أبناء الجيل الجديد جعلناه أكثر ارتباطًا بلغته وثقافته وتاريخه ووطنه؟

تلك هي الحصيلة التي تستحق أن نحتفل بها، وتلك هي الأرقام التي ينبغي أن تكون في صدارة لقاءات اليوم الوطني للمهاجر، لأن أفضل صورة يمكن أن نلتقطها في العاشر من غشت ليست بالضرورة صورة مسؤولين يقفون أمام عدسات الكاميرات وإلى جانبهم أفراد من الجالية، وإنما صورة مواطن عاد إلى وطنه فوجد أن الملف الذي تركه قبل سنة قد وجد طريقه إلى الحل، ومستثمر حمل فكرة فعاد ليجدها مشروعًا قائمًا، وباحث اكتشف أن وطنه لا يطلب منه العودة النهائية حتى يستفيد من علمه بل يفتح أمامه جسور المشاركة أينما كان، وطفل ولد بعيدًا عن المغرب لكنه حين يصل إلى مطار أو ميناء المملكة لا يشعر بأنه قادم إلى بلد والديه، وإنما يشعر بأنه عاد إلى وطنه.

فلنجعل إذن العاشر من غشت يومًا للاستماع والتقييم والالتزام والمحاسبة الإيجابية وصناعة الحلول، والحادي عشر من غشت بداية للعمل والتنفيذ والتتبع، والعاشر من غشت الموالي موعدًا نقف فيه جميعًا، مسؤولين ومؤسسات ومغاربة العالم، أمام حصيلة سنة كاملة من العمل بدل أن نقف أمام قائمة جديدة من الوعود، وعندها لن يعود اليوم الوطني للمهاجر مجرد يوم نحتفي فيه بالمغاربة المقيمين خارج الحدود، وإنما سيصبح محطة سنوية تربط المغرب بأحد أهم أرصدته البشرية المنتشرة في العالم وتمنح تلك العلاقة ذاكرة واستمرارية ومستقبلًا.

فالوطن لا تنتهي حدوده عند آخر نقطة ترسمها الخرائط، ولا تقاس المسافة إليه بعدد الكيلومترات التي تفصل أبناءه عنه، وإنما يمتد حيث يوجد مغربي يحمل جزءًا منه في ذاكرته ولغته وثقافته ووجدانه، ومغاربة العالم لا يحتاجون إلى وطن يتذكرهم حين تصل بواخر وطائرات الصيف ثم يودعهم مع نهاية العطلة، وإنما يحتاجون إلى وطن يستمع إليهم حين يتحدثون، ويجيبهم حين يسألون، ويساندهم حين يستثمرون، ويستفيد منهم حين يبدعون، ويحفظ صلة أبنائهم به، ويظل حاضرًا معهم أينما كانوا وفي كل أيام السنة.

اليوم الوطني للمهاجر… لا نريد يومًا للاحتفال بمغاربة العالم فقط بل موعدًا سنويًا للاستماع والمحاسبة وصناعة الحلول

              















MyMeteo




Facebook
YouTube
Newsletter
Rss

الاشتراك بالرسالة الاخبارية
أدخل بريدك الإلكتروني للتوصل بآخر الأخبار