*بقلم: عبده حقي*
لا أستطيع أن أنظر إلى صور الشباب والقاصرين وهم يندفعون نحو البحر باعتبارها مجرد مشاهد عابرة للهجرة السرية، أو حوادث أمنية تنتهي بتوقيف بعض الأشخاص وإعادتهم إلى بيوتهم. بالنسبة إليّ، تحمل هذه الصور رسالة اجتماعية شديدة القسوة، مفادها أن فئة من شبابنا أصبحت ترى في الأمواج المظلمة خطرًا أهون من انتظار مستقبل لا تتضح ملامحه.
السؤال الذي يقلقني ليس فقط: لماذا يهاجر هؤلاء؟ بل لماذا أصبح بعضهم مقتنعًا بأن المخاطرة بالحياة أفضل من البقاء؟ ما الذي يجعل شابًا في مقتبل العمر يضع جسده في قارب هش، أو يسبح لمسافات قد لا ينجو منها، أو يتبع دعوة مجهولة المصدر انتشرت عبر هاتفه المحمول؟
أعتقد أن الجواب لا يمكن اختزاله في البطالة وحدها، على الرغم من أن غياب العمل يظل عاملًا أساسيًا. هناك شباب عاطلون لا يجدون موردًا للعيش، لكن هناك أيضًا طلبة، وخريجون، وأصحاب مهن، وموظفون يفكرون في الرحيل. وهذا يعني، في تقديري، أن الأزمة تجاوزت مسألة الدخل إلى أزمة أعمق تتعلق بالثقة والأمل والشعور بالعدالة.
قد يجد الشاب عملًا، لكنه لا يشعر بأنه قادر على بناء حياته. وقد يحصل على شهادة، لكنه يكتشف أنها لا تضمن له فرصة تليق بسنوات الدراسة. وقد يسمع يوميًا خطابات عن التنمية والنجاح، بينما يصطدم في حياته اليومية بصعوبة السكن، وارتفاع الأسعار، وضعف الأجور، وتعقيد الحصول على العلاج أو الوظيفة أو التمويل.
هنا يتحول الإحباط من شعور فردي إلى حالة جماعية. ويبدأ الوطن، في نظر بعض الشباب، مكانًا للانتظار بدل أن يكون فضاءً للإنجاز. إن المشكلة الحقيقية تظهر عندما يفقد الإنسان ثقته في أن الاجتهاد سيغير وضعه، وعندما يقتنع بأن العلاقات والمحسوبية والحظ أقوى من الكفاءة والعمل.
لا يمكنني أيضًا تجاهل الدور الذي تؤديه مواقع التواصل الاجتماعي في صناعة وهم الهجرة السهلة. فالشاب يشاهد يوميًا صورًا لأشخاص في شوارع أوروبا، أمام سيارات فاخرة أو مطاعم ومحلات مضيئة، لكنه لا يرى غالبًا ظروفهم الحقيقية، ولا سنوات المعاناة التي عاشوها، ولا الأعمال الشاقة التي يزاولونها، ولا الخوف من الترحيل، ولا الوحدة والتمييز وضغط الغربة.
لقد تحولت بعض المنصات الرقمية إلى مصانع للأوهام. إنها تعرض النتيجة وتخفي الثمن، وتقدم أوروبا بوصفها جنة جاهزة لاستقبال كل من يصل إليها، بينما الواقع أكثر تعقيدًا وقسوة.
الأخطر من ذلك هو استغلال شبكات التهريب لهذه الأحلام. فهي لا تبيع تذاكر سفر، بل تبيع أوهامًا مغلفة بالكذب. تستعمل صور النجاح الفردية، وتنشر شائعات عن فتح الحدود أو تساهل السلطات، وتستدرج القاصرين والشباب إلى رحلات قد تنتهي بالموت أو الاعتقال أو الاستغلال.
وأرى أن مروجي هذه الدعوات لا يقلون خطرًا عن المهربين التقليديين. فالكلمة الكاذبة المنشورة على الهاتف قد تدفع عشرات الأشخاص إلى البحر. والشائعة في عصر المنصات الرقمية لم تعد مجرد خبر زائف، بل قد تتحول إلى أداة قتل جماعي.
من السهل أن نوجه اللوم إلى الآباء، وأن نسألهم كيف سمحوا لأبنائهم بالخروج، لكنني أرى أن تحميل الأسرة وحدها مسؤولية حماية القاصرين تبسيط غير عادل للمشكلة.
الأسرة مسؤولة، والمدرسة مسؤولة، ووسائل الإعلام مسؤولة، والمنصات الرقمية مسؤولة، والمجتمع المدني مسؤول، والحكومة بمختلف مؤسساتها مسؤولة أيضًا. حماية الشباب لا تبدأ عند الشاطئ، بل تبدأ داخل المدرسة، وفي الحي، وفي مركز التكوين، وفي فضاءات الثقافة والرياضة، وفي مكاتب التوجيه والتشغيل.
عندما يغادر قاصر منزله باتجاه البحر، يجب ألا نكتفي بسؤال أسرته عن سبب غيابه، بل يجب أن نسأل أيضًا: هل وجد هذا القاصر مدرسة تحتضنه؟ هل وجد من يستمع إلى مشكلاته النفسية والاجتماعية؟ هل عثر على فضاء رياضي أو ثقافي يحميه من الفراغ؟ هل رأى أمامه نموذجًا واقعيًا للنجاح داخل بلده؟
لا يمكن أن نطالب الأسرة بأن تواجه وحدها تأثير شبكات منظمة ومنصات رقمية عالمية ومحتويات إعلامية ضخمة. المطلوب سياسة وطنية لحماية القاصرين من التضليل والاستقطاب والاستغلال، تتداخل فيها التربية والإعلام والأمن والدعم النفسي والعمل الاجتماعي.
لا أعارض المقاربة الأمنية، لأن حماية الحدود وإنقاذ الأرواح وملاحقة المهربين واجبات لا يمكن الاستغناء عنها. لكنني أعتقد أن الأمن يستطيع منع رحلة واحدة، ولا يستطيع وحده القضاء على الرغبة في الرحيل.
قد نغلق طريقًا نحو البحر، لكن الشاب سيبحث عن طريق آخر ما دامت الأسباب التي دفعته إلى الهجرة قائمة. وقد نوقف مهربًا، لكن مهربين آخرين سيظهرون ما دام اليأس قادرًا على إنتاج زبائن جدد.
لذلك أرى أن المعالجة الأمنية ينبغي أن تكون جزءًا من سياسة شاملة، لا أن تكون السياسة الوحيدة. نحتاج إلى تعليم يعيد للشهادة قيمتها، وتكوين مهني يرتبط بحاجات سوق الشغل، واقتصاد يخلق وظائف حقيقية، وأجور تحفظ الحد الأدنى من الكرامة.
نحتاج كذلك إلى خدمات نفسية واجتماعية داخل المدارس والجامعات والأحياء، لأن بعض الشباب لا يعانون من الفقر المادي فقط، بل من الاكتئاب والعزلة وانعدام الشعور بالقيمة. وقد يتحول البحر في لحظة يأس إلى مخرج نفسي، حتى لو كان ذلك المخرج يقود إلى الموت.
لا أرى أن الحل يكمن في مطالبة الشباب بالتخلي عن فكرة الهجرة. السفر حق، والهجرة ظاهرة إنسانية قديمة، والاحتكاك بثقافات وتجارب أخرى يمكن أن يكون مصدر معرفة وتطور. المشكلة ليست في الرغبة في الهجرة، بل في اضطرار الإنسان إلى سلوك طرق غير قانونية تعرض حياته وكرامته للخطر.
لهذا أرى ضرورة توسيع برامج الهجرة القانونية، واتفاقيات العمل الموسمي، وبرامج التبادل الدراسي، والتكوين المهني المشترك، وتأشيرات البحث عن العمل، والفرص المخصصة للشباب والكفاءات.
الهجرة القانونية لا تحمي المهاجر فقط، بل تحد أيضًا من نشاط شبكات التهريب، وتسمح للدولة بمتابعة مواطنيها، وتضمن للعامل حقوقه، وتجعل التنقل جزءًا من التعاون بين الدول بدل أن يتحول إلى أزمة أمنية وإنسانية.
وفي المقابل، يجب أن تكون هناك فرص حقيقية داخل الوطن. لا يكفي أن نقول للشاب: ابقَ في بلدك. ينبغي أن نمنحه أسبابًا معقولة للبقاء، مثل وظيفة عادلة، وسكن ممكن، وتعليم جيد، وإدارة تحترمه، وقضاء يحمي حقوقه، وبيئة تسمح للمبادرات الصغيرة بالنجاح.
إن ما يحدث على الشواطئ ليس بداية الأزمة، بل نهايتها المرئية. البداية توجد في فصل دراسي فقد فيه التلميذ ثقته في التعليم، وفي شهادة لم تفتح لصاحبها باب العمل، وفي أسرة عجزت عن توفير أبسط متطلبات الحياة، وفي شاب شعر أن صوته لا يُسمع وأن مستقبله يُقرر من دونه.
لهذا لا أعتقد أن السؤال الصحيح هو: كيف نمنع الشباب من الهجرة؟ السؤال الذي ينبغي أن نطرحه بشجاعة هو: كيف نبني مجتمعًا لا يشعر فيه الشباب بأن الهرب هو الحل الوحيد؟
إن حماية الحدود تبدأ بحماية الأمل. ومواجهة قوارب الموت تبدأ ببناء طرق الحياة. أما الاكتفاء بالحواجز والدوريات وحملات التوقيف، فقد يؤجل المأساة، لكنه لن ينهيها.
ما أطالب به ليس فتح الحدود بلا ضوابط، ولا تقديم وعود مستحيلة للشباب، بل صياغة عقد اجتماعي جديد يعيد الاعتبار إلى العمل والكفاءة والاستحقاق. عقدٌ يشعر فيه الشاب أن مستقبله يمكن أن يبدأ من وطنه، وأن البحر ليس الطريق الوحيد نحو الكرامة.
الكاتب المغربي عبده حقي
رئيسية 








الرئيسية



