من البديهة القول، إن العلاقات البينية المغربية المصرية ليست وليدة لحظة سياسية عابرة ولا نتيجة تحالفات ظرفية، بل هي نتاج تراكم تاريخي وروحي جعل من الرباط والقاهرة قطبي رحى العالم العربي والقارة الإفريقية وقلبهما النابض على حد سواء.
إن العلاقات المغربية المصرية تمثل نموذجا فريدا للقوة الناعمة التي تسبق الدبلوماسية الرسمية وتعبد لها الطريق، حيث يتداخل التاريخ بالجغرافيا، والوجدان بالسياسة، والمصالح بالانتماء، لتشكل نسيجا عصيا على الاختراق رغم تحولات الزمن وتقلباته وعواديه..
فنحن إذا قمنا باستقراء بسيط لجوهر هذه العلاقة، سنجد أن البعد الثقافي والروحي الذي يربط المغرب الأقصى بأرض الكنانة هو القاعدة الصلبة التي وضعت عليها أساسات هذه العلاقة، فالمصريون نشأوا على أثر الطرق الصوفية المغربية التي استوطنت حارات القاهرة القديمة، كما أن الروح المغربية ما زالت تسكن مدينة الإسكندرية عبر أوليائها الصالحين وأسماء أحيائها وشوارعها، ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل تجاوزه ليمتد الوجود المغربي إلى مدن مثل رشيد وفوة ومطوبس، وفي القاهرة اعتبر حي ابن طولون مركزا للمغاربة، ولا زلنا إلى اليوم نجد في هذا الحي شواهد حية لبقايا العائلات المغربية القاطنة به..
وفي المقابل، تشكل وعي الأجيال المغربية على وقع الأدب المصري برموزه وعظمائه، من البارودي إلى شوقي، ومن الحكيم إلى محفوظ ، كما السينما بمخرجيها ونجومها، والموسيقى الشرقية العذبة بألحان محمد عبد الوهاب وصوت كوكب الشرق أم كلثوم الشجي وعبد الحليم حافظ، وهكذا أمسى الفن والأدب بالنسبة للمغاربة هما النافذة التي يطلون من خلالها على الشرق، وتحديدا على ارض الكنانة بنيلها الساحر..
هذا التلاقح لم يقف عند حدود الفن والزوايا، بل امتد ليشكل توافقا استراتيجيا يدرك فيه الطرفان أن استقرار الجناح الشرقي للمنطقة مرتبط عضويا أيما ارتباط باستقرار مغربها الأقصى، مما خلق نوعا من التوازن في صيانة الأمن القومي العربي الذي يعاني التشرذم والشتات..
اليوم، وفي ظل التحولات الجيوسياسية الجارفة، يتجاوز التنسيق بين البلدين البروتوكولات التقليدية ليلامس ملفات حارقة، حيث يبرز التوافق المغربي المصري كضرورة حتمية لا مندوحة عنها في مواجهة تحديات مكافحة الإرهاب وضمان السيادة الوطنية ضد محاولات التفتيت والتشرذم، وهنا يظهر البعد الإفريقي باعتباره الساحة الأبرز لهذا التكامل، فالمغرب بخبرته الاقتصادية والمصرفية المتغلغلة في القارة، ومصر بثقلها السياسي وموقعها الاستراتيجي، يشكلان معا محور استقرار يمكنه قيادة القارة نحو تنمية حقيقية بعيدا عن التدخلات الخارجية، وعن الاستقطابات الحادة التي ترهن حاضر ومستقبل شعوب المنطقة وتعوق أي تنمية إقليمية وأي تكامل اقتصادي محتمل..
ورغم متانة الروابط السياسية والوجدانية، يظل الطموح الاقتصادي هو الرهان الحقيقي للمستقبل، إذ إنه رغم تفعيل الاتفاقيات التجارية وتعزيز التبادل الاستثماري بين القطرين، ما زال الطريق طويلا وغير معبد للوصول إلى هذه الغايات، فالعلاقات البينية بين البلدين ما تزال بحاجة إلى دفعة قوية، تهدف إلى التحول بهذه العلاقة من الود التاريخي المتبادل إلى الشراكة الاقتصادية والتجارية المنتجة، تغذيها تلك الفرص الواعدة في قطاعات حيوية ومربحة كالطاقة المتجددة والربط البحري والرقمنة، وهي القطاعات التي تنتظر استثمار الإرادة السياسية الصادقة للبلدين حتى تتحول إلى واقع ملموس يعود بالنفع على الشعبين..
إن قوة العلاقة بين الرباط والقاهرة ليست مجرد خيار دبلوماسي، بل ضرورة وجودية قصوى في زمن التكتلات الكبرى، حتى أنه بالإمكان التعويل عليها كصمام أمان للمنطقة، وكنموذج يحتذى للعلاقات البينية التي تقوم على الاحترام المتبادل لسيادة الدول ووحدتها الترابية، وهي قيم سامية تشكل جوهر العقيدة الدبلوماسية للبلدين، فبين مصر التي وصفها "هيرودوت" بأنها هبة النيل، والمغرب الذي يضرب بجذوره في أعماق التاريخ، تظل الجسور ممتدة، لا تهزها رياح الأزمات، بل تزيدها رسوخا وثباتا في روح التاريخ وقلب الجغرافيا.
الكاتب سعيد الوزان
رئيسية 








الرئيسية 





