*بقلم: فوزية أورخيص*
في السياسة، لا تكتسب الأحداث أهميتها من حجمها فقط، بل من توقيتها أيضاً. فحين تتقاطع وقائع كبرى في لحظة واحدة، يصبح من المشروع أن نتساءل: هل نحن أمام مجرد مصادفة، أم أمام مشهد إقليمي يعاد تشكيله بهدوء؟ فالتاريخ يعلمنا أن كثيراً من التحولات الكبرى لم تبدأ بقرارات معلنة، وإنما بتزامن أحداث بدت في ظاهرها منفصلة، قبل أن يكشف الزمن أنها كانت حلقات في مشهد واحد.
من هذا المنطلق، يصعب قراءة ما شهدته مدينة سبتة خلال الأيام الأخيرة باعتباره مجرد موجة جديدة من الهجرة غير النظامية. فالمشهد جاء في لحظة إقليمية دقيقة، تزامنت مع عودة الدفء إلى العلاقات الجزائرية الإسبانية بعد سنوات من القطيعة، ومع صدور حكم للمحكمة العليا الإسبانية قيد الإعادة الفورية للمهاجرين الواصلين بحراً، كما تزامنت أيضاً مع احتفالات المغرب بعيد العرش، بما يحمله هذا الموعد من رمزية سياسية ووطنية. وقد يكون كل ذلك مجرد تزامن، لكن في السياسة يصبح التوقيت، في حد ذاته، معطىً يستحق التحليل.
فالجزائر، التي جمدت علاقاتها التجارية مع إسبانيا عقب إعلان مدريد دعم المبادرة المغربية للحكم الذاتي، عادت اليوم لتفتح أبواب التعاون الاقتصادي، وتعيد الغاز إلى واجهة العلاقة الثنائية. ومن المشروع التساؤل: هل يتعلق الأمر بعودة طبيعية للمصالح الاقتصادية، أم بمحاولة لإعادة بناء نفوذ سياسي فقد كثيراً من زخمه منذ التحول الذي عرفه الموقف الإسباني من قضية الصحراء المغربية؟
وبحسب تم تداوله، فإن المؤسسات المغربية كانت تتابع باهتمام مختلف التحركات التي رافقت هذا التقارب، انطلاقاً من يقظة مؤسساتية راكمتها المملكة في تدبير الملفات الاستراتيجية. ولا يمكن التحقق بشكل مستقل من كل ما تتداوله هذه المصادر، لكن الثابت أن المغرب لم يعد يدير محيطه الإقليمي بمنطق رد الفعل، بل بمنطق الاستباق وقراءة التحولات قبل أن تتحول إلى أزمات.
غير أن التطور الأكثر إثارة في المشهد لم يكن أعداد الوافدين إلى سبتة وحدها، بل تزامن ذلك مع صدور حكم للمحكمة العليا الإسبانية، وهو ما فتح الباب أمام قراءات متعددة. فهناك من يرى أن شبكات الاتجار بالبشر سارعت إلى استثمار هذا المستجد القضائي، عبر الترويج لفكرة أن فرص البقاء داخل التراب الإسباني أصبحت أكبر، بما يشجع على موجات عبور جديدة. وفي المقابل، ذهبت قراءات أخرى إلى ربط هذا التوقيت بالسياق السياسي الذي تعيشه المنطقة، في ظل الحراك الذي تعرفه العلاقات الجزائرية الإسبانية.
ويثير تزامن موجة الهجرة الجماعية نحو سبتة مع احتفالات المغرب بعيد العرش أكثر من علامة استفهام. فمن الناحية التحليلية، يصعب تجاهل أن هذا التوقيت منح الحدث صدىً إعلامياً وسياسياً مضاعفاً، في لحظة وطنية ذات رمزية خاصة. ومن هنا، برزت قراءات تتحدث عن احتمال استغلال هذا الظرف لإحراج المغرب، أو التشويش على أجواء الاحتفال، أو توجيه رسائل سياسية تتجاوز قضية الهجرة في حد ذاتها. غير أن هذه القراءات، كما غيرها، تظل فرضيات تحليلية ما دامت لا تستند إلى معطيات معلنة أو أدلة قابلة للتحقق. لكن ما لا يختلف حوله اثنان هو أن اجتماع هذه الوقائع في زمن واحد يجعل من حق المحلل أن يقرأها ضمن سياق واحد، لا أن يتعامل معها كأحداث معزولة.
لقد تغيرت طبيعة الصراعات بين الدول. فلم تعد القوة تُقاس فقط بعدد الطائرات أو الدبابات، بل بامتلاك مفاتيح التأثير في الملفات العابرة للحدود. فالطاقة أصبحت أداة نفوذ، والهجرة ورقة جيوسياسية، والتعاون الاستخباراتي رصيداً استراتيجياً، وسلاسل الإمداد جزءاً من موازين القوة. ومن يقرأ كل ملف بمعزل عن الآخر، يخطئ في فهم طبيعة العلاقات الدولية في عالم يتجه أكثر فأكثر نحو استخدام أدوات التأثير غير التقليدية.
وفي هذا السياق، لا تبدو الهجرة مجرد أزمة إنسانية، كما لا يبدو الغاز مجرد سلعة اقتصادية. فكلاهما أصبح جزءاً من معادلة واحدة تتقاطع فيها اعتبارات الأمن والسيادة والدبلوماسية والاقتصاد. ولذلك، فإن أي قراءة تعزل موجة العبور نحو سبتة عن محيطها الإقليمي، أو تفصل التقارب الجزائري الإسباني عن التحولات الجارية في غرب المتوسط، تظل قراءة مبتورة، لأنها تنظر إلى كل ورقة على حدة، بينما تُلعب المباراة بكل الأوراق في آن واحد.
أما من يعتقد أن بإمكانه شراء الجغرافيا بالغاز، أو إعادة عقارب الساعة إلى الوراء بصفقات ظرفية، فإنه لا يخطئ في تقدير المغرب فحسب، بل يفكر بمنطق الأمس في عالم تغيرت موازين قواه. فالدول لم تعد تُقاس بما تختزنه باطن الأرض من ثروات، بل بما تملكه من موقع استراتيجي، وقدرة على صناعة التحالفات، ونفوذ دبلوماسي، ومصداقية أمنية. وهذا ما يبدو أن كثيراً من الفاعلين لم يستوعبوه بعد، وهم يقرأون تحولات غرب المتوسط بأدوات مرحلة تجاوزتها الوقائع.
وربما لهذا السبب بالذات، فإن ما جرى خلال الأيام الماضية لا ينبغي اختزاله في صور القوارب أو أرقام الوافدين، ولا في عناوين تتحدث عن الغاز أو الهجرة كل على حدة. فالقضية الأعمق هي أن غرب المتوسط يشهد إعادة تشكيل هادئة لموازين القوة، حيث لم تعد الجغرافيا مجرد خلفية للأحداث، بل أصبحت أحد أهم الفاعلين فيها.
قد تختلف التفسيرات، لكن ما يصعب الاختلاف حوله هو أن تزامن هذه الوقائع في لحظة واحدة فرض على المتابعين إعادة النظر في طريقة قراءة ما يجري على الضفة الغربية للمتوسط. ففي العلاقات الدولية، كثيراً ما لا تكمن أهمية الحدث في وقوعه فقط، بل في توقيته، وفي السياق الذي يمنحه معناه. وعندما تتقاطع الجغرافيا مع القانون، والطاقة مع الهجرة، والدبلوماسية مع الرمزية السياسية، يصبح من المشروع أن نطرح الأسئلة، حتى وإن ظلت بعض الإجابات مؤجلة إلى أن يكشف الزمن ما تخفيه اللحظة.
رئيسية 








الرئيسية



