كاتب وجامعي
العلم الإلكترونية - ادريس الغزواني
ثمة أسئلة تفرض نفسها في زمن الانقسامات الحادة والأزمات المتراكمة، أسئلة لا تجد لها إجابات في دهاليز السياسة المعتادة، ولا في مناهج علم الاجتماع التقليدية. ما الذي يدفع الناس إلى الشوارع دون بيان سياسي واضح، ودون راية تجمعهم سوى الغضب المشترك؟ ولماذا يدلي المرء بصوته أحيانا ضد مصالحه، كأنما يعاقب نفسه قبل أن يعاقب خصمه؟ وكيف تنزلق المجتمعات من فضاء المشاريع والبرامج إلى خنادق القبائل المتنافرة، حيث لا تتداول إلا لغة الخوف والغضب، ولا يسود إلا منطق الهويات المتحصنة والجراح المتوارثة؟
هذه التساؤلات الحارقة، التي تقف عند حدود ما تعجز عنه السياسة وحدها، هي ما أخضعه الأستاذ حسن طارق لمجهر التأمل والبحث في إصداره اللافت: "ما الذي تركته المشاعر للسياسة؟ مقالة في القبائل الحزينة"، عمل يقتحم المنطقة الرمادية بين العاطفة والفعل الجمعي، ساعيا إلى فهم ما لا تفسره الأرقام ولا تستوعبه الأيديولوجيات.
كتاب يجرؤ على اللا مفكر فيه
يشكل هذا الكتاب رحلة فكرية عميقة في منطقة ظلت شبه محظورة في الكتابة السياسية العربية والمغربية على حد سواء، تلك المنطقة الحساسة التي تسكنها المشاعر. فهذه الأخيرة في التقليد الأكاديمي السائد لم تكن يوما في مكانة المفهوم الأصيل، بل كانت دوما ذلك العنصر المقصى والمهمش، تلك "الزاوية المنسية" التي لا يلتفت إليها إلا عرضا وبتحفظ، كأن الاعتراف بها ضرب من الخيانة للرصانة العلمية، أو تنازل عن متانة التحليل لصالح هشاشة الوجدان.
غير أن حسن طارق يأتي بمقاربة مغايرة كليا، تقلب هذه المعادلة رأسا على عقب؛ إذ ينزل المشاعر منزلة المتغير المستقل، ويمنحها قدرة تفسيرية تعجز عنها البنيوية الصارمة وعقلانية الفاعل السياسي المحكومة بحسابات المصلحة والمنفعة. فما لا تستطيع الأيديولوجيات تبريره، وما لا تفسره موازين القوى وحدها، قد يجد تفسيره في طيات الغضب الجمعي والخوف المتوارث والحزن الصامت الذي يخترق الهويات ويعيد تشكيلها.
ويكتب طارق وهو مدرك تمام الإدراك للجرأة الكامنة في هذا الاختيار، في بيئة أكاديمية لا تزال تنظر إلى "المنعطف العاطفي" بعينٍ ريبية، وتتعامل معه باعتباره وافدا غريبا يشكك في أسس الموضوعية العلمية. وهذا في حين بات هذا المنعطف، على المستوى العالمي، واحدا من أكثر التحولات الأكاديمية حيوية وحضورا في حقول العلوم الاجتماعية والإنسانية، يجاور المنعطف الثقافي واللساني والتأويلي، بل يتجاوزها أحيانا في قدرته على فتح آفاق جديدة لفهم الفعل البشري في تعقيداته القصوى.
القبائل الحزينة: استعارة تضيء العصر
يختار حسن طارق لكتابه عنوانا فرعيا يحمل من الثقل ما يفوق طاقة الكلمات العادية على الاحتمال "القبائل الحزينة"، وقفة عند هذه العبارة كافية لمن يدرك أن الاستعارة الحقيقية لا تزين الفكرة، بل تكشفها؛ لا تلبسها ثوبا بلاغيا فضفاضا، بل تعريها حتى تقف أمامنا في كامل قسوتها وصدقها. فالقبائل الحزينة ليست تعبيرا شعريا يجمل الغلاف ويستدرج القارئ الفضولي، بل هي عصارة تشخيصية لحالة إنسانية بالغة التعقيد، تكاد تكون الوجهَ الخفي لهذا العصر الذي نعيشه دون أن نحسن قراءته.
إنها صورة لمجتمعات لم تعد تنقسم على النحو الذي ألفه المحللون السياسيون وصنفه علماء الاجتماع؛ لم تعد الطبقة الاجتماعية وحدها تحدد مواقع الناس، ولا الأيديولوجيا وحدها ترسم خنادقهم. ثمة ما هو أعمق وأشد التصاقا بجلد بني آم، أنساق عاطفية مشتركة باتت هي الرابط الأقوى والهوية الأمتن. الخوف من مستقبل لا تلمح له نهاية مطمئنة، والاستياء المتراكم كالرواسب في قاع النهر من هيمنة تسحق وتقصي دون أن يرف لها جفن، والغضب المتقد كجمر تحت رماد الصمت من فساد يأكل الحقوق ويهين الكرامة على مرأى من الجميع، والإحساس الجارح بالإقصاء والإهانة الذي يتسرب إلى الأعماق ببطء، ثم يتصلب هناك حتى يتحول إلى هوية، بل إلى جرح يمجد ويتوارث.
وفي هذا السياق، يلفت المؤلف النظر إلى مفارقة تستحق التأمل، الغرب الليبرالي الذي آمن بنفسه تاريخيا بوصفه نموذج العقل والتحضر، وظن طويلا أن حروبه الحضارية تجري في الخارج، وأن شياطين القبلية والانفعال تسكن ما وراء البحار وتقطن ما وراء الحدود، هذا الغرب ذاته وجد نفسه فجأة يستقدم تلك الحروب إلى عقر داره، ويفاجأ بها تنبت في ساحاته وتتكلم بلغاته. وما حملها إلى هناك ليست جيوش عابرة للحدود، بل تلك القبائل العاطفية التي لا تعرف جوازات سفر ولا تعترف بخرائط الدول، لأنها لا تسكن الجغرافيا بل تسكن الأرواح المكلومة؛ تسكن في كل قلب يشعر بأنه خدع، وفي كل جسد يشعر بأنه أقصي، وفي كل صوت يشعر بأنه لم يسمع يوما.
وهكذا تتجاوز القبيلة الحزينة حدودها الموروثة وانتماءاتها الأصلية، لتصبح ظاهرة من ظواهر الزمن الكوني، تسكن باريس كما تسكن الرباط، وتهز واشنطن كما تهز بيروت وتونس والقاهرة. وما يجمعها ليس الدم ولا المعتقد، بل ذلك الحزن المشترك الذي لم يجد بعد من يترجمه إلى لغة سياسية، فظل يبحث عن نفسه في الشوارع والميادين وصناديق الاقتراع، وأحيانا في الصمت الأثقل من كل كلام.
المشاعر الحزينة محل المساءلة
يمركز حسن طارق اهتمامه الفكري حول ما يسميه بدقة واختيار المشاعر الحزينة، ويحددها في أربع هن عصب التحليل ومادته: الخوف، والكراهية، والاشمئزاز، والاستياء. وليس هذا الاختيار اعتباطا أو ميلا وجدانيا عابرا، بل هو قرار منهجي تسوغه واقعية في معاينة المشهد السياسي الراهن بعيون مفتوحة على مصاريعها؛ ذلك المشهد الذي يكاد يكون فيه الغضب والخوف والنفور هم الوقود الذي يحرك الجماهير ويصنع الزلازل الانتخابية ويولد الانتفاضات، في حين تبدو المشاعر السعيدة، من حب وتضامن ورحمة، أقل حضورا وأضعف فاعلية في ديناميات الفعل السياسي، كأنها مشاعر الأوقات الهادئة التي لا تصمد طويلا حين تعصف العواصف.
غير أن هذا الاختيار المنهجي لم يمر دون أن يستوقف الأستاذ عبد الحي المودن، مقدم الكتاب، الذي رصد بعين الناقد المتأمل ما قد يكون مكمن خطر في هذا المسار. فانحياز حسن طارق الصريح نحو المشاعر الحزينة قد يفضي في المآل، وإن لم يقصد، إلى دعوة ضمنية لنبذ المشاعر كلية وإقصائها من حقل السياسة، عوضا عن الخوض فيها بجرأة فكرية وبناء مواجهة حية وخلاقة بين المشاعر الحزينة وتلك السعيدة، بين ما يفرق وما يجمع، بين ما يحطم وما يبني.
بيد أن عبد الحس المودن نفسه، وهو يسجل هذا التحفظ بأمانة أكاديمية، لا يتردد في الإشادة بما يراه من أبرز فضائل هذا العمل، تلك الصراحة النادرة التي يكشف بها طارق عن ذاتيته دون اعتذار أو مراوغة. فهو لا يتظاهر بالحياد المطلق الذي طالما توهمه الأكاديميون شرطا للمصداقية العلمية، ولا يتوارى خلف زجاج الموضوعية الباردة ليرى دون أن يرى. بل يقر بموقعه من موضوعه، ويعترف بأن الباحث، شأنه شأن سائر البشر، ليس كائنا طائرا فوق الغيوم، منزها عن المشاعر التي يدرسها، بل هو نفسه جزء من هذا النسيج العاطفي الذي يسعى إلى فهمه. وفي هذا الاعتراف الجريء شيء من الشجاعة الفكرية النادرة في عالم أكاديمي لا يزال يعد الذاتية نقيضا للرصانة، ويخلط بين الحياد والحقيقة.
منعطف المشاعر: بعد عالمي وسياق مغربي
مما يمنح هذا الكتاب تميزه الخاص ويجعله يرفع رأسه فوق سيل المؤلفات التي تكتفي بنقل الأدبيات الغربية وإعادة تدويرها، أن حسن طارق لا يقف عند حدود استعراض ما أنتجه علم السياسة العاطفي في الغرب، ولا يكتفي بأن يقدم للقارئ خلاصة موسوعية لنظريات ولدت في سياقات أخرى وتتنفس هواء مغايرا. بل يذهب أبعد من ذلك حين يمسك بتلك الخلاصات النظرية ويحولها إلى أداة تحليلية يشهرها في مواجهة الواقع السياسي المغربي تحديدا، في خصوصيّته وتناقضاته وتحولاته المتلاحقة.
فطارق لا يستورد الإطار النظري ليعلقه على جدار الكتاب زينة أكاديمية، بل يكيفه على سياقه المحلي بمهارة الصانع الذي يعرف أدواته جيدا؛ مقترحا أن فهم الحركات الاحتجاجية في المغرب وأشكال تعبئتها الجماهيرية، وسبر أغوار آليات التصويت ودوافعه الخفية، يستلزم، قبل كل شيء، استيعاب ذلك البعد العاطفي الكامن وراء كل فعل جمعي وكل موجة شعبية، ذلك البعد الذي طالما تجاهله المحللون فظلت قراءاتهم منقوصة وتشخيصاتهم عرجاء.
إذ يرى طارق أن الفعل السياسي لا يتحقق عبر الأيديولوجيات الجافة والسياسات الرشيدة وحدها، لا يولد في رحم البرامج المحكمة والخطابات العقلانية المحنطة. بل يتشكل في الخفاء، في ذلك الإيقاع العاطفي الحي الذي تحمله اللحظات السياسية الكبرى، وتلامس به أوتارا في الوجدان العام لا تستطيع أي خريطة أيديولوجية رسمها ولا أي استبيان رصدها. إنه ذلك الشيء الغامض الذي يجعل الناس يخرجون في البرد والمطر، ويجعل الأصوات تتجه حيث لا تتوقع النخب، ويجعل الصمت يتحول فجأة إلى ضجيج يزلزل الأرض تحت أقدام من ظنوا أنهم يمسكون بخيوط اللعبة كلها.
وفي هذا يكمن الرهان الأعمق لهذا الكتاب: ألا يظل التأطير النظري مجرد ترف فكري معلق في الفراغ، بل أن يصبح مفتاحا حقيقيا لقراءة مجتمعٍ بعينه، في لحظة بعينها، بكل ما تختزنه تلك اللحظة من جراح غير معلنة وأحلام غير مكتملة وغضب يبحث عن اسم.
رئيسية 








الرئيسية 





