العلم: نهيلة البرهومي
في خطوة ذات دلالة تتجاوز بعدها التقني، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارا يدفع نحو اعتماد تمثيل خرائطي أكثر إنصافا للمساحات، وذلك بمبادرة من جمهورية التوغو وبدعم من الاتحاد الإفريقي، في تحول يعيد النقاش حول الطريقة التي اعتاد العالم أن يرى بها جغرافيته. وقد حظي القرار بأغلبية واسعة، في مقابل معارضة الولايات المتحدة وحدها، مع تسجيل عدد من الامتناعات.
ورغم ما قد يوحي به تعبير «إعادة رسم الخريطة»، فإن الأمر لا يتعلق، بأي شكل من الأشكال، بإعادة رسم الحدود السياسية أو تغيير الوضع القانوني للأراضي. فالقرار يخص طريقة إسقاط العالم على الخرائط وتمثيل المساحات بصريا، ولا يمس الحدود الجغرافية المعترف بها، ولا السيادة الوطنية للدول على أراضيها، كما أنه لا يتدخل في النزاعات الدولية ولا يمنح أي طرف وضعا ترابيا أو قانونيا جديدا.
وتكمن أهمية الخطوة في أن الخرائط التي هيمنت طويلا على الكتب المدرسية ووسائل الإعلام والفضاء الرقمي، لا تعكس الأحجام الحقيقية للدول والقارات بصورة متناسبة. فطبيعة هذا الإسقاط تؤدي إلى تضخيم المساحات الواقعة في المناطق الشمالية والجنوبية من الكرة الأرضية، في حين تظهر المناطق القريبة من خط الاستواء، وعلى رأسها إفريقيا، بأحجام بصرية أصغر من مساحاتها الفعلية.
ومن هذه الزاوية تحديدا تبرز دلالة التصحيح بالنسبة إلى المغرب. فالمغرب، الذي صوت لصالح القرار، لا يحصل على أرض جديدة ولا تتغير مساحته بفعل تغيير الإسقاط الخرائطي، وإنما تتغير صورته على الخريطة لتصبح أكثر اقترابا من حجمه الجغرافي الفعلي. وهذه نقطة تبدو تقنية في ظاهرها، لكنها ليست بلا أثر، لأن الخريطة لا تقدم المعلومات الجغرافية فقط، وإنما تصنع أيضا صورة ذهنية عن العالم وعن أحجام البلدان الحقيقية ومواقعها.
ويكفي النظر إلى عدد من الأمثلة لفهم المفارقة التي أحدثتها الخرائط التقليدية. فكندا، على سبيل المثال، تبدو في بعض التمثيلات الخرائطية أكبر بكثير من حجمها النسبي الحقيقي، نتيجة موقعها الجغرافي القريب من القطب، بينما تظهر بلدان إفريقية عديدة أصغر مما هي عليه فعليا. ولذلك فإن اعتماد إسقاطات تحافظ بدرجة أكبر على النسب الحقيقية للمساحات لا يعني تغيير الواقع، وإنما يعني التوقف عن تقديم صورة مشوهة عنه.
وبالنسبة إلى المغرب، تكتسب المسألة بعدا إضافيا، إذ إن ظهوره بالحجم النسبي الأقرب إلى مساحته الحقيقية يعيد الاعتبار إلى حضوره الجغرافي داخل الصورة العالمية. فالمغرب ليس بحاجة إلى أن «تكبر» مساحته على الورق، وإنما إلى أن تظهر كما هي بالفعل، بعيدا عن التشوهات التي تفرضها بعض الإسقاطات المعتمدة تاريخيا.
ومن هنا تبدو محاولة تحميل هذا التعديل الخرائطي أكثر مما يحتمل، وربطه مثلا بإعادة تشكيل الحدود أو خلق دويلات جديدة، قراءة تخلط بين الخريطة بوصفها تمثيلا بصريا للأرض، والخريطة السياسية بوصفها تعبيرا عن الحدود والسيادة والوضع القانوني للدول. فالقرار لا ينشئ كيانات سياسية ولا يحسم نزاعا حدوديا، ولا يمكن أن تكون له، بمجرد تغيير طريقة الإسقاط، تلك النتائج التي يحاول البعض إقحامها في النقاش.
واللافت في هذا السياق أن المبادرة جاءت من القارة الإفريقية نفسها، ممثلة في التوغو، وحظيت بتبني ودعم إفريقي قبل أن تصل إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة. وهو ما يمنحها بعدا رمزيا يتصل أيضا برغبة متزايدة في مراجعة صور نمطية كرستها، على مدى عقود، تمثيلات خرائطية لا تعطي دائما القارة الإفريقية وزنها البصري الحقيقي.
وفي الحالة المغربية، فإن النتيجة الأكثر أهمية ليست «تغيير الخريطة» بالمعنى السياسي، وإنما استعادة المغرب لحجمه الحقيقي في الصورة الجغرافية العالمية. فالأرض لم تتغير، والحدود لم تتغير، والسيادة لم تتغير، الذي يتغير هو زاوية النظر فقط. وربما تكون هذه هي المفارقة الأبرز في القرار: العالم لا يعيد رسم أرض جديدة، بل يعيد النظر في الطريقة التي كان يرسم بها الأرض الموجودة أصلا.
في خطوة ذات دلالة تتجاوز بعدها التقني، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارا يدفع نحو اعتماد تمثيل خرائطي أكثر إنصافا للمساحات، وذلك بمبادرة من جمهورية التوغو وبدعم من الاتحاد الإفريقي، في تحول يعيد النقاش حول الطريقة التي اعتاد العالم أن يرى بها جغرافيته. وقد حظي القرار بأغلبية واسعة، في مقابل معارضة الولايات المتحدة وحدها، مع تسجيل عدد من الامتناعات.
ورغم ما قد يوحي به تعبير «إعادة رسم الخريطة»، فإن الأمر لا يتعلق، بأي شكل من الأشكال، بإعادة رسم الحدود السياسية أو تغيير الوضع القانوني للأراضي. فالقرار يخص طريقة إسقاط العالم على الخرائط وتمثيل المساحات بصريا، ولا يمس الحدود الجغرافية المعترف بها، ولا السيادة الوطنية للدول على أراضيها، كما أنه لا يتدخل في النزاعات الدولية ولا يمنح أي طرف وضعا ترابيا أو قانونيا جديدا.
وتكمن أهمية الخطوة في أن الخرائط التي هيمنت طويلا على الكتب المدرسية ووسائل الإعلام والفضاء الرقمي، لا تعكس الأحجام الحقيقية للدول والقارات بصورة متناسبة. فطبيعة هذا الإسقاط تؤدي إلى تضخيم المساحات الواقعة في المناطق الشمالية والجنوبية من الكرة الأرضية، في حين تظهر المناطق القريبة من خط الاستواء، وعلى رأسها إفريقيا، بأحجام بصرية أصغر من مساحاتها الفعلية.
ومن هذه الزاوية تحديدا تبرز دلالة التصحيح بالنسبة إلى المغرب. فالمغرب، الذي صوت لصالح القرار، لا يحصل على أرض جديدة ولا تتغير مساحته بفعل تغيير الإسقاط الخرائطي، وإنما تتغير صورته على الخريطة لتصبح أكثر اقترابا من حجمه الجغرافي الفعلي. وهذه نقطة تبدو تقنية في ظاهرها، لكنها ليست بلا أثر، لأن الخريطة لا تقدم المعلومات الجغرافية فقط، وإنما تصنع أيضا صورة ذهنية عن العالم وعن أحجام البلدان الحقيقية ومواقعها.
ويكفي النظر إلى عدد من الأمثلة لفهم المفارقة التي أحدثتها الخرائط التقليدية. فكندا، على سبيل المثال، تبدو في بعض التمثيلات الخرائطية أكبر بكثير من حجمها النسبي الحقيقي، نتيجة موقعها الجغرافي القريب من القطب، بينما تظهر بلدان إفريقية عديدة أصغر مما هي عليه فعليا. ولذلك فإن اعتماد إسقاطات تحافظ بدرجة أكبر على النسب الحقيقية للمساحات لا يعني تغيير الواقع، وإنما يعني التوقف عن تقديم صورة مشوهة عنه.
وبالنسبة إلى المغرب، تكتسب المسألة بعدا إضافيا، إذ إن ظهوره بالحجم النسبي الأقرب إلى مساحته الحقيقية يعيد الاعتبار إلى حضوره الجغرافي داخل الصورة العالمية. فالمغرب ليس بحاجة إلى أن «تكبر» مساحته على الورق، وإنما إلى أن تظهر كما هي بالفعل، بعيدا عن التشوهات التي تفرضها بعض الإسقاطات المعتمدة تاريخيا.
ومن هنا تبدو محاولة تحميل هذا التعديل الخرائطي أكثر مما يحتمل، وربطه مثلا بإعادة تشكيل الحدود أو خلق دويلات جديدة، قراءة تخلط بين الخريطة بوصفها تمثيلا بصريا للأرض، والخريطة السياسية بوصفها تعبيرا عن الحدود والسيادة والوضع القانوني للدول. فالقرار لا ينشئ كيانات سياسية ولا يحسم نزاعا حدوديا، ولا يمكن أن تكون له، بمجرد تغيير طريقة الإسقاط، تلك النتائج التي يحاول البعض إقحامها في النقاش.
واللافت في هذا السياق أن المبادرة جاءت من القارة الإفريقية نفسها، ممثلة في التوغو، وحظيت بتبني ودعم إفريقي قبل أن تصل إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة. وهو ما يمنحها بعدا رمزيا يتصل أيضا برغبة متزايدة في مراجعة صور نمطية كرستها، على مدى عقود، تمثيلات خرائطية لا تعطي دائما القارة الإفريقية وزنها البصري الحقيقي.
وفي الحالة المغربية، فإن النتيجة الأكثر أهمية ليست «تغيير الخريطة» بالمعنى السياسي، وإنما استعادة المغرب لحجمه الحقيقي في الصورة الجغرافية العالمية. فالأرض لم تتغير، والحدود لم تتغير، والسيادة لم تتغير، الذي يتغير هو زاوية النظر فقط. وربما تكون هذه هي المفارقة الأبرز في القرار: العالم لا يعيد رسم أرض جديدة، بل يعيد النظر في الطريقة التي كان يرسم بها الأرض الموجودة أصلا.
رئيسية 








الرئيسية


