لا أرفع هذا النداء خوفاً على المغرب… بل خوفاً على أبناء الجزائر
*بقلم: بوشعيب حمراوي*
لا أكتب هذا السطور مستنجداً بأحد لحماية المغرب، ولا متوسلاً إلى النظام الجزائري أن يتوقف عن استهداف وطني وشعبي وملكي، لأن المغرب دولة راسخة بمؤسساتها وتاريخها وشعبها، وقادر على حماية أمنه ومصالحه وصورته، كما أن علاقة المغاربة بوطنهم وملكهم لن تهزها حسابات وهمية، ولا منشورات مفبركة، ولا صور مركبة، ولا مقاطع مجتزأة، ولا آلاف الشتائم التي يمكن أن تكتب من خلف شاشات الهواتف.
المغرب لن يسقط بسبب إشاعة، ولن تتغير حقائق التاريخ بتدوينة، ولن يفقد الملك محمد السادس مكانته لدى شعبه لأن حساباً مجهولاً قرر الإساءة إليه، ولن يتخلى المغربي عن وطنه لأن شخصاً مجهول الهوية شتمه من وراء شاشة. بل كل ذلك يزيد من تشبت المغاربة بوطنهم وملكهم وهويتهم العريقة.
لذلك فإن ما يقلقني ليس ما يمكن أن تفعله هذه الحملات بالمغرب، وإنما ما يمكن أن تفعله بمن يمارسونها كل يوم.
يقلقني الطفل الجزائري الذي يتعلم أن الكذب يصبح مباحاً عندما يكون موضوعه المغرب. ويقلقني المراهق الذي يقتنع بأن شتم المغربي بطولة، وأن الإساءة إلى ملك المغرب وطنية، وأن نشر إشاعة عن المملكة خدمة للجزائر، وأن تركيب صورة أو تحريف تصريح أو انتحال هوية شخص آخر مجرد «حيلة ذكية» ما دامت موجهة ضد من قيل له إنه عدو.
ويقلقني الشاب الذي يقضي ساعات من عمره متنقلاً بين الحسابات والمنصات بحثاً عن خبر يسيء إلى المغرب، أو صورة يمكن تحريف سياقها، أو منشور يمكن تضخيمه، أو صناعة خبر زائف، بينما العالم من حوله يتسابق على العلم والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والاقتصاد والمعرفة.
لهذا لا أقول: توقفوا لأنكم تضرون المغرب.
بل أقول: رفقاً بأبناء وبنات الجزائر… توقفوا لأنكم تضرونهم هم
فالمغرب لن ينهار بسبب كذبة، لكن طفلاً يعتاد الكذب قد يخسر جزءاً من مستقبله، والمملكة لن تسقط بسبب حساب وهمي، لكن مجتمعاً يصبح فيه التخفي والانتحال والتشهير والتزوير أدوات عادية قد يخسر شيئاً أثمن بكثير من أي معركة سياسية: أخلاق أجياله وثقتها في الحقيقة.
ماذا أصبح هؤلاء بسبب ما يفعلونه كل يوم؟
السؤال الذي ينبغي أن يطرح داخل الجزائر ليس فقط : ماذا يقول هؤلاء عن المغرب؟.. السؤال الأخطر هو: ماذا أصبح هؤلاء بسبب ما يفعلونه كل يوم ضد المغرب؟
ماذا يحدث لطفل أو مراهق يقضي ساعات يبحث عن صورة مغربية قديمة ليقدمها على أنها جديدة، أو خبراً ناقصاً ليضيف إليه ما ليس فيه، أو مقطع فيديو ليجتزئه من سياقه، أو حساب مغربي ليهاجمه؟
وماذا يحدث لشاب ينشئ عدة حسابات، ويختار لها أسماء وصوراً وهويات ليست له، وربما ينتحل صفة مغربي أو صحافي أو امرأة أو شخصية أخرى، فقط لكي يخدع المتابعين أو يستفزهم أو يشتمهم؟
إننا هنا لم نعد أمام خلاف دبلوماسي عابر بين دولتين. نحن أمام تكوين سلوكي يومي للإنسان.
فالإنسان يتعلم بالتكرار، والسلوك الذي يمارسه مئات المرات يتحول إلى عادة، والعادة عندما تستقر تتحول إلى جزء من الشخصية.
وهنا يبدأ الخطر الحقيقي. لا يمكن أن تقولوا للطفل : اكذب على المغربي… وكن صادقاً مع الجزائري.
الأخلاق لا تحمل جواز سفر. ولا توجد أمانة مخصصة للداخل وكذب مخصص للخارج. لا يمكن أن تقول لشاب: أكذب عندما يتعلق الأمر بالمغرب، لكن كن صادقاً في دراستك.
زوّر صورة عن المغرب، لكن لا تزور شهادة مدرسية. انتحل صفة مغربي لخداع الآخرين، لكن كن أميناً في تجارتك وعملك.
شهّر بامرأة مغربية، لكن احترم نساء الجزائر. استعمل حساباً وهمياً لمهاجمة خصم خارجي، لكن لا تستعمل الحساب نفسه غداً للانتقام من زميل أو جار أو مسؤول جزائري.
اشتم واقذف عندما يتعلق الأمر بالمغرب وملكه وشعبه، ثم عد بعد ذلك مواطناً مهذباً يحترم والديه وأسرته ومحيطه الناس والمؤسسات.
الإنسان لا يعمل بهذه الطريقة. من يتعلم أن الكذب وسيلة مشروعة لتحقيق غاية سيجد غداً غايات أخرى تبرر له الكذب.
ومن يتدرب على الاحتيال سيستعمله عندما يجد فيه مصلحة. ومن يعتاد التشهير سيبحث دائماً عن ضحية جديدة.
ومن يتعلم التنمر سيصعب عليه أن يصبح فجأة شخصاً متسامحاً بمجرد أن يغلق هاتفه.
أخطر ما يمكن أن يحدث هو تحويل الرذيلة إلى فضيلة وطنية
يمكن للمغرب والجزائر أن يختلفا. يمكن للحكومتين أن تدخلا في أزمات دبلوماسية حادة.
يمكن للإعلام الجزائري أن ينتقد المغرب، ويمكن للإعلام المغربي أن ينتقد الجزائر. ويمكن للمواطن الجزائري أن يدافع عن مواقف دولته، مثلما يحق للمغربي الدفاع عن مواقف بلده.
هذا كله طبيعي. لكن الخطر يبدأ عندما يصبح المطلوب من الإنسان أن يتخلى عن أخلاقه حتى يثبت وطنيته.
عندما يصبح الكذب «دفاعاً عن الوطن»، والتزوير «مقاومة»، والتشهير «نضالاً»، والسب والقذف «غيرة وطنية»، وانتحال الهوية «ذكاءً»، فإن المجتمع يكون قد دخل منطقة خطيرة للغاية.
لأن الرسالة التي تصل إلى الطفل ليست معقدة. إنه يفهم ببساطة أن الغاية تبرر الوسيلة. وهذه واحدة من أخطر الأفكار التي يمكن غرسها في عقل جيل كامل.
شبكات رقمية وهمية تحت رعاية النظام الجزائري… مهمتها صناعة التضليل
لقد اتضح ان كل حساب يهاجم المغرب له علاقة بالنظام الجزائري، وبات أكيدا أن كل جزائري ينتقد المملكة هو جزء من شبكة منظمة تابعة للنظام الجزائري. شبكة لا تؤمن بأن الاختلاف السياسي حق، والتعميم ظلم، والاتهام يحتاج إلى دليل. وليس الى فقاعات ومفقرعات تلهي الأطفال وتضر مستقبلهم.
ظاهرة الحسابات والشبكات المأجورة سبق وأن تم الكشف عنها. فقد أعلنت شركة «ميتا» سنة 2021 حذف شبكة في الجزائر ضمت 130 حساباً و221 صفحة و35 مجموعة على فيسبوك.
و29 حساباً على إنستغرام بسبب ما تصفه الشركة بـ«السلوك الزائف المنسق»، وقالت إن الشبكة استهدفت أساساً الجمهور الجزائري الداخلي وربطتها بأشخاص داخل الجزائر، بينهم أشخاص سبق لهم العمل في الحملة الرئاسية لسنة 2019. وتوسعت اهدافها الى خارج الجزائر بتزكية من النظام الرئاسي الذي اعتمدها من أجل انتزاع السلطة.
هذه الواقعة تقدم دليلاً تقنياً مهماً على وجود نشاط سياسي رقمي غير أصيل استعمل الحسابات والصفحات والشبكات للتأثير في النقاش العام والتوجهات السياسية الداخلية. كما استعمل لمحاولة زعزعة أمن واستقرار المغرب.
المشكلة الأخطر بالنسبة إلي. تكمن في : من يتعلم منها؟
ماذا يتعلم الطفل عندما يرى آلاف الحسابات تتخفى خلف أسماء وصور مختلفة؟
ماذا يتعلم عندما يكتشف أن الشخص يستطيع أن يكون رجلاً في حساب، وامرأة في آخر، ومغربياً في ثالث، وصحافياً في رابع؟ ووزيرا في خامس. يتعلم شيئاً بالغ الخطورة: أن الهوية يمكن أن تصبح مجرد قناع، وأن الحقيقة يمكن تعديلها حسب الحاجة.
من الخطاب السياسي والإعلامي إلى هاتف الطفل
لا يحتاج الطفل إلى قرار رسمي مكتوب يخبره بمن ينبغي أن يكره.
يكفي أن يعيش داخل بيئة يتكرر فيها تقديم بلد مجاور باعتباره عدواً دائماً، وأن يسمع الرواية نفسها في النقاشات، ثم يفتح هاتفه فيجدها في الصفحات والفيديوهات والتعليقات، وحتى داخل البرامج والمناهج الدراسية وأنشطة المخيمات الطفولية، حتى يبدأ تدريجياً في اعتبارها حقيقة لا تحتاج إلى دليل.
وهنا يصبح السؤال الموجه إلى المسؤول والإعلامي والأستاذ والمثقف الجزائري: أي مواطن تريدون أن يخرج من رحم هذا الصراع؟
هل تريدون شاباً يعرف ملفات الخلاف بين المغرب والجزائر، ويستطيع الدفاع عن موقف بلاده بالحجة والوثيقة والمعرفة؟
أم شاباً لا يمتلك في مواجهة المغربي إلا الشتيمة والحساب الوهمي والصورة المفبركة؟
الفارق بين الاثنين هو الفارق بين التربية السياسية والتسميم السياسي.
الوطنية لا تعني كراهية الجار. وحب الجزائر لا يحتاج إلى كراهية المغرب. مثلما أن حب المغرب لا يحتاج إلى كراهية الجزائر.
أخطر من الشتيمة… حين تتحول الكراهية إلى تربية يومية
الكراهية الرقمية لا تنتهي بمجرد إغلاق الهاتف؛ فحين يعتاد الطفل أو الشاب نشر الأكاذيب، وانتحال الصفات، والسب والقذف والتشهير ضد المغربي باعتبارها سلوكاً مقبولاً أو «وطنياً»، فإن الخطر الحقيقي لا يقع على المغرب بقدر ما يقع عليه هو وعلى مجتمعه. فالطفل لا يولد كارهاً، وإنما يتعلم الكراهية، ومن يتدرب اليوم على تزوير صورة مغربي أو هدم سمعته أو الاختباء خلف حساب وهمي، قد يستعمل غداً الأساليب نفسها ضد جزائري يختلف معه في الدراسة أو العمل أو السياسة أو الحياة اليومية. لهذا فالمسألة ليست مجرد حرب إلكترونية، بل قضية تربية وأخلاق ومستقبل أجيال؛ والأجدى أن تُستثمر طاقات هؤلاء الشباب في العلم والمعرفة واللغات والبرمجة والذكاء الاصطناعي، وأن يتحول التنافس بين المغرب والجزائر من سباق في الشتائم إلى سباق في الجامعات والاقتصاد والبحث العلمي والتنمية. فالمغرب لن يهزمه حساب وهمي، لكن الجزائر قد تخسر كثيراً إذا أصبح الكذب والكراهية والتشهير عادات راسخة لدى جزء من أبنائها.
رئيسية 








الرئيسية 





