*إعداد: العلم الإلكترونية*
تحاصر إعلانات دورات الذكاء الاصطناعي مستخدمي مواقع التواصل ومنصات الفيديو بوعود براقة: «أتقن أشهر الأدوات خلال أسابيع»، و«احصل على شهادة مقابل مبلغ زهيد»، و«الفرصة الأخيرة تنتهي الليلة». غير أن مراجعة «العلم الإلكترونية» لأحد هذه الإعلانات، ومقارنة مضمونه بالشروط الرسمية للمنصة المعلنة، تكشف أن السعر الظاهر قد لا يروي القصة كاملة، وأن ضغطة شراء واحدة قد تقود إلى اشتراك يتجدد تلقائيًا أو رسوم إضافية لم ينتبه إليها المستخدم.
ويعود الإعلان الذي ظهر على منصة «يوتيوب» إلى شركة «Coursiv»، ويعرض برنامجًا تدريبيًا في الذكاء الاصطناعي مدته 28 يومًا مقابل 20 دولارًا، مع تخصيص 15 دقيقة يوميًا للتعرف إلى أدوات من بينها «ChatGPT» و«Gemini» و«Claude» و«Midjourney» و«Perplexity» و«Canva» و«Copilot» وغيرها.
ويخاطب الإعلان بصورة خاصة من تجاوزوا سن الأربعين، ويزعم أن المتدرب سيشعر بعد أسبوع بأنه «لا يمكن إيقافه»، وأنه سيعرف خلال أسبوعين أكثر مما يعرفه 90 في المائة من زملائه، قبل أن يحصل في نهاية الشهر على شهادة.
غير أن هذه العبارات تظل وعودًا تسويقية يصعب قياسها أو ضمان تحققها؛ إذ لا يتجاوز الوقت الإجمالي الذي يقترحه البرنامج سبع ساعات موزعة على أربعة أسابيع، وهي مدة قد تكفي لتقديم تعريف أولي ببعض الأدوات، لكنها لا تكفي لاكتساب معرفة عميقة أو احتراف عشرات التطبيقات المختلفة.
السعر الأول ليس دائمًا السعر الأخير
تكمن النقطة الأكثر أهمية في أن مبلغ 20 دولارًا الظاهر في الإعلان لا يعني بالضرورة أن الخدمة عملية شراء واحدة تنتهي بانتهاء البرنامج.
وتوضح منصة «Coursiv» في مركز الدعم الرسمي أنها تعمل بنظام الاشتراك، وأن خططها تتجدد تلقائيًا في نهاية كل دورة إلى أن يلغي المستخدم اشتراكه بنفسه.
وتتيح المنصة خططًا لمدة أسبوع واحد، وأربعة أسابيع، و12 أسبوعًا. وإذا بدأ المستخدم بتجربة مدتها أسبوع، فإنها تتحول تلقائيًا بعد انتهائها إلى اشتراك لأربعة أسابيع ما لم يلغها قبل موعد التجديد.
كما تقر المنصة بأن بعض الخطط تبدأ بسعر تمهيدي خاص، ثم تتجدد بعد انتهاء الفترة الأولى بالسعر العادي. ولهذا، فإن معرفة ثمن العرض الأول لا تكفي؛ بل يتعين البحث عن سعر التجديد وتاريخه قبل إدخال بيانات البطاقة البنكية.
ولا يعني إلغاء الاشتراك بالضرورة استرجاع المبالغ التي سبق خصمها، وإنما يؤدي في العادة إلى وقف عمليات التجديد المستقبلية، بينما تخضع إعادة الأموال لشروط وسياسة منفصلة.
حزم إضافية قد تعني خصمًا جديدًا
لا تتوقف المسألة عند الاشتراك الأساسي، إذ تعرض المنصة خلال التسجيل خيارات إضافية، من بينها الوصول غير المحدود إلى أدوات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب حزمة تتضمن مكتبة من الأوامر والقوالب.
وتوضح «Coursiv» أن الضغط على خيار شراء هذه الإضافات وتأكيد الدفع يؤدي إلى خصم رسوم منفصلة عن ثمن الاشتراك الأصلي، بينما يستطيع المستخدم تجاوزها والاستمرار في البرنامج الذي اشتراه.
وتنبه المنصة مستخدميها، في إحدى صفحات الدعم، إلى عدم الضغط على زر «الشراء والفتح» إذا كانوا لا يرغبون صراحة في اقتناء المورد الإضافي؛ لأن الضغط عليه يؤكد عملية دفع جديدة.
وتفسر هذه التفاصيل سبب أهمية قراءة كل شاشة تظهر أثناء التسجيل، وعدم التعامل مع الأزرار الملونة أو العبارات المشجعة على فتح مزايا إضافية باعتبارها جزءًا مجانيًا من الدورة الأصلية.
شهادة إتمام وليست اعتمادًا من شركات الذكاء الاصطناعي
أما «شهادة الذكاء الاصطناعي» التي يتصدر اسمها الإعلان، فهي شهادة إتمام يصدرها برنامج «Coursiv» نفسه بعد إنهاء الدروس واجتياز التقييم النهائي، وليست شهادة صادرة عن «OpenAI» أو «Google» أو «Microsoft» أو الشركات المالكة للأدوات المعروضة.
وتقول المنصة إن الشهادة تتضمن رابطًا للتحقق ويمكن إضافتها إلى الملف المهني على «LinkedIn»، غير أنها لا تضمن الحصول على وظيفة ولا تمثل مؤهلًا جامعيًا أو اعتمادًا مهنيًا صادرًا عن الشركات التكنولوجية الكبرى.
ولا يعني ذلك أن الشهادة مزيفة أو أن المحتوى غير موجود، وإنما ينبغي فهم قيمتها الحقيقية قبل الدفع: إنها تثبت إكمال دورة خاصة داخل منصة تعليمية، ولا تثبت بالضرورة الاحتراف العملي لجميع الأدوات التي تظهر شعاراتها في الإعلان.
الإلحاح التسويقي يضغط على قرار المستهلك
يستخدم الإعلان عبارتي «النداء الأخير» و«العرض ينتهي الليلة»، وهي صياغة شائعة في التسويق الرقمي تهدف إلى خلق شعور بالاستعجال والخوف من ضياع الفرصة.
وقد تدفع هذه الرسائل المستخدم إلى اتخاذ قرار سريع قبل البحث عن اسم الشركة، أو قراءة شروط التجديد والإلغاء، أو معرفة الجهة التي تصدر الشهادة، أو التأكد من وجود رسوم إضافية بعد السعر المعلن.
وتحذر لجنة التجارة الفيدرالية الأمريكية من أن بعض التجارب والعروض منخفضة السعر تعتمد ما يعرف بـ«الخيار السلبي»، حيث يعد صمت المستهلك وعدم إلغائه الاشتراك موافقة على استمرار الخصم منه.
وتشدد اللجنة على ضرورة توضيح الشروط الجوهرية قبل التسجيل، والحصول على موافقة واعية من المستهلك، وجعل إلغاء الاشتراك سهلًا بقدر سهولة الاشتراك فيه.
هل المنصة محتالة؟
لا تتوافر معطيات تسمح بوصف «Coursiv» بأنها منصة احتيالية؛ فهي تقدم برنامجًا تدريبيًا فعليًا، ولديها تطبيقات ومركز دعم وسياسات منشورة، كما سجلت تقييمات إيجابية من مستخدمين وجدوا أن محتواها المنظم مناسب للمبتدئين.
لكن ذلك لا يلغي وجود شكاوى من مستخدمين قالوا إنهم فوجئوا بتجديد الاشتراكات أو برسوم لم ينتبهوا إليها عند التسجيل، ولا يلغي أن المنصة نفسها تخصص صفحات لشرح أسباب الخصم، ومن بينها التجديد التلقائي وشراء حزم أو أدوات إضافية.
والفارق هنا ضروري: ليس كل اشتراك متجدد عملية نصب، لكن عدم انتباه المستهلك إلى طبيعته قد يحول عرضًا صغيرًا إلى سلسلة من الخصومات التي لم يكن يخطط لها.
كيف تحمي بطاقتك قبل شراء أي دورة؟
قبل الاشتراك في دورة رقمية أو تجربة مدفوعة، ينبغي التقاط صورة لصفحة السعر وشروط العرض، والبحث عن كلمات مثل «اشتراك» و«تجديد تلقائي» و«السعر بعد الفترة الأولى» و«الإضافات» و«سياسة الاسترداد».
كما يجب التأكد من الجهة التي تصدر الشهادة، والتمييز بين شهادة إتمام خاصة واعتماد أكاديمي أو مهني، وعدم الضغط على أزرار شراء المزايا الإضافية قبل التحقق مما إذا كانت مشمولة في السعر الأصلي.
ومن الأفضل تسجيل موعد التجديد فور الاشتراك، وإلغاء الخطة قبل الموعد إذا لم يكن المستخدم يرغب في الاستمرار، مع الاحتفاظ برسالة الإلغاء ومراقبة كشف الحساب البنكي بعد ذلك.
وإذا ظهر خصم غير مفهوم، يتعين مراجعة سجل المدفوعات داخل الحساب، والتواصل كتابيًا مع دعم المنصة، ثم اللجوء إلى البنك أو متجر التطبيقات عند تعذر حل النزاع.
في عالم أصبحت فيه عبارة «الذكاء الاصطناعي» قادرة على بيع كل شيء تقريبًا، لا ينبغي أن تتحول الرغبة المشروعة في التعلم إلى تفويض مفتوح للخصم من البطاقة.
الدورة الجيدة لا تُقاس بعدد شعارات التطبيقات الموضوعة في الإعلان، ولا بعدّاد ينذر بانتهاء العرض، بل بوضوح محتواها، وقيمة مدربيها، وشفافية سعرها، وسهولة إلغاء الاشتراك فيها.
والقاعدة الأكثر أمانًا تظل بسيطة: لا تدفع تحت ضغط عبارة «الفرصة الأخيرة»، لأن الفرصة الحقيقية للتعلم لن تختفي عند منتصف الليل، أما الخصم التلقائي فقد يبدأ عنده.
رئيسية 








الرئيسية 






