الدكتور أنور الشرقاوي بمساهمة الدكتور بونهير بومهدي اختصاصي في طب الأشعة ومدير مركز «أوبيرا» للأشعة بسلا
إذا كنت طالبًا في كلية الطب على أبواب التخصص، وتفكر في اختيار طب الأشعة، فمن الطبيعي أن يراودك سؤال لم يكن مطروحًا بهذه القوة قبل سنوات قليلة: هل ما زال من الحكمة أن أصبح طبيب أشعة، بينما بدأ الذكاء الاصطناعي يقرأ الصور إلى جانبي؟
بل ربما يكون السؤال أكثر إثارة للقلق: هل سأجد، بعد عشر أو عشرين سنة، مهنة لا تزال تحتاج إليّ؟
السؤال مشروع، لكن الإجابة ليست ببساطة «نعم» أو «لا».
فالذكاء الاصطناعي لا يدخل اليوم إلى تخصص طب الأشعة من الباب الخلفي، بل يتقدم إلى قلب المهنة، من خلال اكتشاف الآفات وفرز الحالات وإجراء القياسات والمقارنة بين الفحوصات وتحليل الصور، وصولًا إلى المساعدة في إعداد مسودات التقارير الطبية.
وأكدت الكلية الأمريكية للأشعة، سنة 2026، أن الذكاء الاصطناعي أصبح واقعًا عمليًا في التصوير الطبي، وأن التحدي لم يعد مقتصرًا على اكتشاف قدراته، بل انتقل إلى اختيار أدواته وتقييمها ومراقبة أدائها في الممارسة السريرية الحقيقية.
فهل يعني ذلك أن عصر طبيب الأشعة شارف على الانتهاء؟
ليس بهذه السرعة.
◆ تصريح هينتون الذي أخاف أطباء الأشعة
يصعب الحديث عن مستقبل الأشعة والذكاء الاصطناعي من دون استحضار جيفري هينتون، أحد أبرز رواد التعلم العميق، والحائز، مناصفة، على جائزة نوبل في الفيزياء سنة 2024 عن اكتشافات واختراعات أساسية مكنت من تطوير التعلم الآلي باستخدام الشبكات العصبية الاصطناعية.
ففي سنة 2016، توقع هينتون أن يصبح التعلم العميق، خلال سنوات قليلة، أفضل من أطباء الأشعة في قراءة الصور الطبية، وذهب إلى حد الدعوة إلى التوقف عن تدريب مزيد منهم.
كانت العبارة صادمة، وربما بدت رسالتها واضحة لبعض طلبة الطب: لماذا أقضي سنوات طويلة في تعلم قراءة الصور إذا كانت الخوارزمية ستؤدي المهمة بسرعة أكبر؟
لكن الواقع، بعد مرور نحو عشر سنوات، بدا أكثر تعقيدًا؛ فالذكاء الاصطناعي لم يُلغِ طبيب الأشعة، بل شرع في تغيير طبيعة العمل الذي يؤديه.
وهذا فرق جوهري.
◆ من قارئ للصور إلى طبيب يفكر فيها
تخيل مستقبلك المهني: قد تصل إلى غرفة العمل فتكون الخوارزمية قد حددت مسبقًا منطقة مشبوهة، وقاست حجم آفة، وقارنت الفحص الحالي بفحص سابق، وربما رتبت الحالات بحسب درجة الاستعجال.
وبدأت أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي تدخل أيضًا مجال إعداد مسودات التقارير الطبية، مع استمرار الحاجة إلى الإشراف البشري لتجنب الأخطاء ذات الأهمية السريرية.
هل يعني ذلك أنك أصبحت بلا عمل؟
ليس بالضرورة؛ فقد يعني ببساطة أن الجزء الآلي من عملك يتراجع، بينما يصبح الجزء الطبي أكثر أهمية.
لم يعد السؤال مقتصرًا على: ماذا أرى في الصورة؟ بل أصبح: ماذا تعني هذه الصورة بالنسبة إلى هذا المريض؟
وهنا تبدأ مهمة الطبيب الحقيقية: هل ما اكتشفته الخوارزمية آفة فعلية؟ وهل لهذه النتيجة أهمية في ضوء الفحص السريري؟ وهل يمكن أن تكون إيجابية كاذبة؟ وهل تتطابق الصورة مع الأعراض والتحاليل؟ وما القرار الذي ينبغي اتخاذه؟
إنها أسئلة لا تستطيع شاشة أو خوارزمية اختصارها بمفردها.
◆ آلة سريعة لكنها ليست معصومة
هذه إحدى أهم الحقائق التي ينبغي ألا يغفل عنها طبيب الأشعة الشاب: الذكاء الاصطناعي ليس «آلة حقيقة» تقول الصواب دائمًا، بل نظام احتمالي قد يتغير أداؤه من مؤسسة إلى أخرى، أو من فئة من المرضى إلى أخرى، أو مع مرور الوقت وتغير نوعية البيانات.
ولهذا أصبح تقييم الأداء ومراقبته جزءًا أساسيًا من النقاش المهني.
وفي ماي 2026، اعتمدت الكلية الأمريكية للأشعة أول معيار مهني للذكاء الاصطناعي في التصوير الطبي، يشمل اختيار الأدوات واختبارها قبل اعتمادها ومراقبة أدائها بعد إدخالها إلى الاستخدام، فضلًا عن إنشاء آليات للحكامة وضمان الجودة.
كما طورت الكلية نظام «Assess-AI» لجمع بيانات واقعية عن أداء الخوارزميات، ومراقبة مدخلات النماذج وإصداراتها ومدى توافق نتائجها مع تقارير أطباء الأشعة.
بعبارة أخرى: حتى الذكاء الاصطناعي يحتاج إلى طبيب يراقب ذكاءه.
◆ لن يختفي الطبيب.. لكن قيمته ستتغير
قد يجعل الذكاء الاصطناعي بعض مهام طبيب الأشعة أسرع، لكنه قد يدفع الطبيب إلى تخصيص وقت أكبر للمهام التي تتطلب حكمًا سريريًا وقربًا من المريض.
فإذا أصبح اكتشاف بعض العقيدات أو حالات النزيف أو الكسور أو الصمات الرئوية أسرع، فقد يمتلك الطبيب وقتًا أكبر لتحليل الحالات المعقدة، ومناقشة الملفات مع الأطباء الآخرين، والمشاركة في الاجتماعات متعددة التخصصات.
وقد يصبح أكثر حضورًا في صناعة القرار الطبي، لا أقل.
وتؤكد الرؤية المهنية الحديثة أن مستقبل الأشعة يرتبط باستخدام الذكاء الاصطناعي لتخفيف ضغط العمل، مع الحفاظ على المسؤولية البشرية والثقة وتحويل بيانات التصوير إلى رعاية حقيقية للمريض.
◆ الطبيب والآلة.. لا الطبيب ضد الآلة
من الخطأ وضع المسألة في إطار «الطبيب ضد الآلة». والأقرب إلى الواقع هو: الطبيب والآلة معًا.
فالآلة متفوقة في البحث والقياس والمقارنة، والتعرف إلى أنماط محددة، والتعامل مع كميات هائلة من البيانات.
أما الطبيب، فمسؤوليته الفهم والتفسير وربط المعطيات والتواصل واتخاذ القرار وتحمل تبعاته المهنية والأخلاقية والقانونية.
لهذا انتقلت الكلية الأمريكية للأشعة من سؤال: هل نستخدم الذكاء الاصطناعي؟ إلى سؤال أكثر نضجًا: كيف نستخدمه بطريقة آمنة وفعالة وشفافة؟
◆ الخطر الحقيقي طبيب لا يفهم الذكاء الاصطناعي
قد يكون هذا هو التحذير الأهم لطالب الطب اليوم.
الخطر ليس بالضرورة أن تأتي آلة فتسلب منك مهنتك، بل أن يأتي طبيب آخر يعرف كيف يستخدمها، بينما ترفض أنت الاقتراب منها.
لقد كان تخصص الأشعة دائمًا في قلب الثورات التكنولوجية؛ فقد غيرت الأشعة السينية الطب، ثم جاءت الموجات فوق الصوتية، والتصوير المقطعي المحوسب، والتصوير بالرنين المغناطيسي، وأنظمة أرشفة الصور ونقلها.
وفي كل مرحلة ظهر السؤال نفسه: هل ستلغي التكنولوجيا طبيب الأشعة؟
لكن التاريخ الطبي يقدم جوابًا مختلفًا: التكنولوجيا لم تُلغِ الطبيب، بل غيرت أدواره ووسعت قدراته ورفعت سقف ما يُنتظر منه.
وقد يكون الذكاء الاصطناعي أعمق مراحل هذا التحول.
◆ ماذا يتعين على طبيب الأشعة الجديد أن يتعلم؟
إذا اخترت تخصص طب الأشعة سنة 2026، فلن يكفي أن تتعلم التشريح والعلامات الشعاعية وتقنيات التصوير.
ستحتاج أيضًا إلى فهم مبادئ الإحصاء والبيانات والتعلم الآلي والمعلوماتية الطبية، وكيفية تقييم الخوارزميات، إلى جانب الأخلاقيات وحماية المعطيات والمسؤولية الطبية والقانونية ووسائل الاتصال الحديثة.
لا يعني ذلك أنك مطالب بأن تصبح مبرمجًا تقنيًا، لكن عليك أن تصبح طبيبًا واعيًا بالذكاء الاصطناعي ومثقفًا في أدواته.
وتوفر الكلية الأمريكية للأشعة إطارًا محايدًا يتيح لأطباء الأشعة تعلم أساسيات الذكاء الاصطناعي، وتجربة النماذج، والتعاون في تطوير أدوات ملائمة للفئات المحلية من المرضى.
◆ الذكاء الاصطناعي قد يصنع مزيدًا من العمل
هنا تكمن مفارقة أخرى.
إذا أصبح الذكاء الاصطناعي أكثر حساسية في اكتشاف الاختلالات، فقد يعثر على أشياء أكثر. لكن هل يحتاج كل ما يكتشفه إلى العلاج أو المتابعة؟
ليس بالضرورة.
وهنا تظهر مشكلات النتائج الإيجابية الكاذبة، والاكتشافات العرضية، وفرط التشخيص.
قد يقلل الذكاء الاصطناعي بعض المهام، لكنه قد يخلق مهام أخرى، مثل التحقق والتفسير والتدقيق ومراجعة النتائج ومراقبة الخوارزميات. ولهذا أصبحت حوكمة الذكاء الاصطناعي جزءًا متزايد الأهمية من الممارسة المهنية في مجال الأشعة.
◆ هل سنحتاج إلى عدد أقل من أطباء الأشعة؟
السؤال مشروع، لكن لا تتوافر اليوم إجابة رقمية موثوقة تحدد عدد أطباء الأشعة الذين سيحتاج إليهم العالم في سنتي 2035 أو 2040.
وفي المقابل، توجد عوامل تدفع نحو زيادة الطلب على التصوير الطبي، من بينها شيخوخة السكان، وانتشار الأمراض المزمنة والسرطان، وتوسع طب الطوارئ، وارتفاع حجم الصور والبيانات الصحية.
لذلك، لا يمكن اختصار المعادلة في: ذكاء اصطناعي أكثر يعني أطباء أشعة أقل.
وقد تكون المعادلة الأقرب إلى الواقع: ذكاء اصطناعي أكثر يعني طبيب أشعة يعمل بطريقة مختلفة.
◆ لا تختر طب الأشعة كما يبدو اليوم
هذه ربما أهم رسالة إلى طالب الطب: أنت لا تختار مهنة طبيب الأشعة كما تبدو سنة 2026، بل تختار مهنة ستتغير أمام عينيك خلال العقود الثلاثة أو الأربعة المقبلة.
قد تصبح التقارير أكثر أتمتة، والصور أكثر قابلية للتحليل الكمي، وتتطور النماذج متعددة الوسائط التي تجمع بين الصورة والنص والمعطيات السريرية، وتصبح أدوات التنبؤ أكثر حضورًا.
لكن عنصرًا واحدًا سيبقى في مركز المهنة: المريض.
ولذلك، ربما آن الأوان للتوقف عن طرح السؤال بهذه الصيغة: هل ستقضي الآلة على مهنة طبيب الأشعة؟
السؤال الأكثر فائدة لطالب الطب هو: هل أريد أن أصبح طبيب أشعة في عالم لا يستخدم الذكاء الاصطناعي؟
ذلك العالم أوشك على الانتهاء.
أما العالم الجديد، فهو عالم يعمل فيه طبيب الأشعة إلى جانب أدوات ذكية، ويعرف متى يثق بها، ومتى يشك في نتائجها، ومتى يرفض اقتراحاتها، ومتى يعيد تقييمها.
وهنا تكمن قيمة الطبيب؛ ليس في أن يكون أسرع من الآلة في كل شيء، ولا في أن يقرأ أكبر عدد ممكن من الصور، بل في أن يعرف متى تكون الصورة مهمة، ومتى تكون مضللة، وماذا تعني بالنسبة إلى إنسان حقيقي يوجد في الجهة الأخرى من الشاشة.
لذلك، إذا كان حلمك أن تصبح طبيب أشعة، فلا تهرب من الذكاء الاصطناعي؛ تعلمه، وافهمه، وراقبه، وناقشه، واستخدمه.
لكن لا تسمح له بأن يجعلك تنسى سبب دخولك إلى كلية الطب: لم تدخلها لقراءة الصور فحسب، بل لعلاج الإنسان الذي تقف صورته أمامك.
بل ربما يكون السؤال أكثر إثارة للقلق: هل سأجد، بعد عشر أو عشرين سنة، مهنة لا تزال تحتاج إليّ؟
السؤال مشروع، لكن الإجابة ليست ببساطة «نعم» أو «لا».
فالذكاء الاصطناعي لا يدخل اليوم إلى تخصص طب الأشعة من الباب الخلفي، بل يتقدم إلى قلب المهنة، من خلال اكتشاف الآفات وفرز الحالات وإجراء القياسات والمقارنة بين الفحوصات وتحليل الصور، وصولًا إلى المساعدة في إعداد مسودات التقارير الطبية.
وأكدت الكلية الأمريكية للأشعة، سنة 2026، أن الذكاء الاصطناعي أصبح واقعًا عمليًا في التصوير الطبي، وأن التحدي لم يعد مقتصرًا على اكتشاف قدراته، بل انتقل إلى اختيار أدواته وتقييمها ومراقبة أدائها في الممارسة السريرية الحقيقية.
فهل يعني ذلك أن عصر طبيب الأشعة شارف على الانتهاء؟
ليس بهذه السرعة.
◆ تصريح هينتون الذي أخاف أطباء الأشعة
يصعب الحديث عن مستقبل الأشعة والذكاء الاصطناعي من دون استحضار جيفري هينتون، أحد أبرز رواد التعلم العميق، والحائز، مناصفة، على جائزة نوبل في الفيزياء سنة 2024 عن اكتشافات واختراعات أساسية مكنت من تطوير التعلم الآلي باستخدام الشبكات العصبية الاصطناعية.
ففي سنة 2016، توقع هينتون أن يصبح التعلم العميق، خلال سنوات قليلة، أفضل من أطباء الأشعة في قراءة الصور الطبية، وذهب إلى حد الدعوة إلى التوقف عن تدريب مزيد منهم.
كانت العبارة صادمة، وربما بدت رسالتها واضحة لبعض طلبة الطب: لماذا أقضي سنوات طويلة في تعلم قراءة الصور إذا كانت الخوارزمية ستؤدي المهمة بسرعة أكبر؟
لكن الواقع، بعد مرور نحو عشر سنوات، بدا أكثر تعقيدًا؛ فالذكاء الاصطناعي لم يُلغِ طبيب الأشعة، بل شرع في تغيير طبيعة العمل الذي يؤديه.
وهذا فرق جوهري.
◆ من قارئ للصور إلى طبيب يفكر فيها
تخيل مستقبلك المهني: قد تصل إلى غرفة العمل فتكون الخوارزمية قد حددت مسبقًا منطقة مشبوهة، وقاست حجم آفة، وقارنت الفحص الحالي بفحص سابق، وربما رتبت الحالات بحسب درجة الاستعجال.
وبدأت أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي تدخل أيضًا مجال إعداد مسودات التقارير الطبية، مع استمرار الحاجة إلى الإشراف البشري لتجنب الأخطاء ذات الأهمية السريرية.
هل يعني ذلك أنك أصبحت بلا عمل؟
ليس بالضرورة؛ فقد يعني ببساطة أن الجزء الآلي من عملك يتراجع، بينما يصبح الجزء الطبي أكثر أهمية.
لم يعد السؤال مقتصرًا على: ماذا أرى في الصورة؟ بل أصبح: ماذا تعني هذه الصورة بالنسبة إلى هذا المريض؟
وهنا تبدأ مهمة الطبيب الحقيقية: هل ما اكتشفته الخوارزمية آفة فعلية؟ وهل لهذه النتيجة أهمية في ضوء الفحص السريري؟ وهل يمكن أن تكون إيجابية كاذبة؟ وهل تتطابق الصورة مع الأعراض والتحاليل؟ وما القرار الذي ينبغي اتخاذه؟
إنها أسئلة لا تستطيع شاشة أو خوارزمية اختصارها بمفردها.
◆ آلة سريعة لكنها ليست معصومة
هذه إحدى أهم الحقائق التي ينبغي ألا يغفل عنها طبيب الأشعة الشاب: الذكاء الاصطناعي ليس «آلة حقيقة» تقول الصواب دائمًا، بل نظام احتمالي قد يتغير أداؤه من مؤسسة إلى أخرى، أو من فئة من المرضى إلى أخرى، أو مع مرور الوقت وتغير نوعية البيانات.
ولهذا أصبح تقييم الأداء ومراقبته جزءًا أساسيًا من النقاش المهني.
وفي ماي 2026، اعتمدت الكلية الأمريكية للأشعة أول معيار مهني للذكاء الاصطناعي في التصوير الطبي، يشمل اختيار الأدوات واختبارها قبل اعتمادها ومراقبة أدائها بعد إدخالها إلى الاستخدام، فضلًا عن إنشاء آليات للحكامة وضمان الجودة.
كما طورت الكلية نظام «Assess-AI» لجمع بيانات واقعية عن أداء الخوارزميات، ومراقبة مدخلات النماذج وإصداراتها ومدى توافق نتائجها مع تقارير أطباء الأشعة.
بعبارة أخرى: حتى الذكاء الاصطناعي يحتاج إلى طبيب يراقب ذكاءه.
◆ لن يختفي الطبيب.. لكن قيمته ستتغير
قد يجعل الذكاء الاصطناعي بعض مهام طبيب الأشعة أسرع، لكنه قد يدفع الطبيب إلى تخصيص وقت أكبر للمهام التي تتطلب حكمًا سريريًا وقربًا من المريض.
فإذا أصبح اكتشاف بعض العقيدات أو حالات النزيف أو الكسور أو الصمات الرئوية أسرع، فقد يمتلك الطبيب وقتًا أكبر لتحليل الحالات المعقدة، ومناقشة الملفات مع الأطباء الآخرين، والمشاركة في الاجتماعات متعددة التخصصات.
وقد يصبح أكثر حضورًا في صناعة القرار الطبي، لا أقل.
وتؤكد الرؤية المهنية الحديثة أن مستقبل الأشعة يرتبط باستخدام الذكاء الاصطناعي لتخفيف ضغط العمل، مع الحفاظ على المسؤولية البشرية والثقة وتحويل بيانات التصوير إلى رعاية حقيقية للمريض.
◆ الطبيب والآلة.. لا الطبيب ضد الآلة
من الخطأ وضع المسألة في إطار «الطبيب ضد الآلة». والأقرب إلى الواقع هو: الطبيب والآلة معًا.
فالآلة متفوقة في البحث والقياس والمقارنة، والتعرف إلى أنماط محددة، والتعامل مع كميات هائلة من البيانات.
أما الطبيب، فمسؤوليته الفهم والتفسير وربط المعطيات والتواصل واتخاذ القرار وتحمل تبعاته المهنية والأخلاقية والقانونية.
لهذا انتقلت الكلية الأمريكية للأشعة من سؤال: هل نستخدم الذكاء الاصطناعي؟ إلى سؤال أكثر نضجًا: كيف نستخدمه بطريقة آمنة وفعالة وشفافة؟
◆ الخطر الحقيقي طبيب لا يفهم الذكاء الاصطناعي
قد يكون هذا هو التحذير الأهم لطالب الطب اليوم.
الخطر ليس بالضرورة أن تأتي آلة فتسلب منك مهنتك، بل أن يأتي طبيب آخر يعرف كيف يستخدمها، بينما ترفض أنت الاقتراب منها.
لقد كان تخصص الأشعة دائمًا في قلب الثورات التكنولوجية؛ فقد غيرت الأشعة السينية الطب، ثم جاءت الموجات فوق الصوتية، والتصوير المقطعي المحوسب، والتصوير بالرنين المغناطيسي، وأنظمة أرشفة الصور ونقلها.
وفي كل مرحلة ظهر السؤال نفسه: هل ستلغي التكنولوجيا طبيب الأشعة؟
لكن التاريخ الطبي يقدم جوابًا مختلفًا: التكنولوجيا لم تُلغِ الطبيب، بل غيرت أدواره ووسعت قدراته ورفعت سقف ما يُنتظر منه.
وقد يكون الذكاء الاصطناعي أعمق مراحل هذا التحول.
◆ ماذا يتعين على طبيب الأشعة الجديد أن يتعلم؟
إذا اخترت تخصص طب الأشعة سنة 2026، فلن يكفي أن تتعلم التشريح والعلامات الشعاعية وتقنيات التصوير.
ستحتاج أيضًا إلى فهم مبادئ الإحصاء والبيانات والتعلم الآلي والمعلوماتية الطبية، وكيفية تقييم الخوارزميات، إلى جانب الأخلاقيات وحماية المعطيات والمسؤولية الطبية والقانونية ووسائل الاتصال الحديثة.
لا يعني ذلك أنك مطالب بأن تصبح مبرمجًا تقنيًا، لكن عليك أن تصبح طبيبًا واعيًا بالذكاء الاصطناعي ومثقفًا في أدواته.
وتوفر الكلية الأمريكية للأشعة إطارًا محايدًا يتيح لأطباء الأشعة تعلم أساسيات الذكاء الاصطناعي، وتجربة النماذج، والتعاون في تطوير أدوات ملائمة للفئات المحلية من المرضى.
◆ الذكاء الاصطناعي قد يصنع مزيدًا من العمل
هنا تكمن مفارقة أخرى.
إذا أصبح الذكاء الاصطناعي أكثر حساسية في اكتشاف الاختلالات، فقد يعثر على أشياء أكثر. لكن هل يحتاج كل ما يكتشفه إلى العلاج أو المتابعة؟
ليس بالضرورة.
وهنا تظهر مشكلات النتائج الإيجابية الكاذبة، والاكتشافات العرضية، وفرط التشخيص.
قد يقلل الذكاء الاصطناعي بعض المهام، لكنه قد يخلق مهام أخرى، مثل التحقق والتفسير والتدقيق ومراجعة النتائج ومراقبة الخوارزميات. ولهذا أصبحت حوكمة الذكاء الاصطناعي جزءًا متزايد الأهمية من الممارسة المهنية في مجال الأشعة.
◆ هل سنحتاج إلى عدد أقل من أطباء الأشعة؟
السؤال مشروع، لكن لا تتوافر اليوم إجابة رقمية موثوقة تحدد عدد أطباء الأشعة الذين سيحتاج إليهم العالم في سنتي 2035 أو 2040.
وفي المقابل، توجد عوامل تدفع نحو زيادة الطلب على التصوير الطبي، من بينها شيخوخة السكان، وانتشار الأمراض المزمنة والسرطان، وتوسع طب الطوارئ، وارتفاع حجم الصور والبيانات الصحية.
لذلك، لا يمكن اختصار المعادلة في: ذكاء اصطناعي أكثر يعني أطباء أشعة أقل.
وقد تكون المعادلة الأقرب إلى الواقع: ذكاء اصطناعي أكثر يعني طبيب أشعة يعمل بطريقة مختلفة.
◆ لا تختر طب الأشعة كما يبدو اليوم
هذه ربما أهم رسالة إلى طالب الطب: أنت لا تختار مهنة طبيب الأشعة كما تبدو سنة 2026، بل تختار مهنة ستتغير أمام عينيك خلال العقود الثلاثة أو الأربعة المقبلة.
قد تصبح التقارير أكثر أتمتة، والصور أكثر قابلية للتحليل الكمي، وتتطور النماذج متعددة الوسائط التي تجمع بين الصورة والنص والمعطيات السريرية، وتصبح أدوات التنبؤ أكثر حضورًا.
لكن عنصرًا واحدًا سيبقى في مركز المهنة: المريض.
ولذلك، ربما آن الأوان للتوقف عن طرح السؤال بهذه الصيغة: هل ستقضي الآلة على مهنة طبيب الأشعة؟
السؤال الأكثر فائدة لطالب الطب هو: هل أريد أن أصبح طبيب أشعة في عالم لا يستخدم الذكاء الاصطناعي؟
ذلك العالم أوشك على الانتهاء.
أما العالم الجديد، فهو عالم يعمل فيه طبيب الأشعة إلى جانب أدوات ذكية، ويعرف متى يثق بها، ومتى يشك في نتائجها، ومتى يرفض اقتراحاتها، ومتى يعيد تقييمها.
وهنا تكمن قيمة الطبيب؛ ليس في أن يكون أسرع من الآلة في كل شيء، ولا في أن يقرأ أكبر عدد ممكن من الصور، بل في أن يعرف متى تكون الصورة مهمة، ومتى تكون مضللة، وماذا تعني بالنسبة إلى إنسان حقيقي يوجد في الجهة الأخرى من الشاشة.
لذلك، إذا كان حلمك أن تصبح طبيب أشعة، فلا تهرب من الذكاء الاصطناعي؛ تعلمه، وافهمه، وراقبه، وناقشه، واستخدمه.
لكن لا تسمح له بأن يجعلك تنسى سبب دخولك إلى كلية الطب: لم تدخلها لقراءة الصور فحسب، بل لعلاج الإنسان الذي تقف صورته أمامك.
الدكتور أنور الشرقاوي بمساهمة الدكتور بونهير بومهدي اختصاصي في طب الأشعة ومدير مركز «أوبيرا» للأشعة بسلا
رئيسية 








الرئيسية


