العلم - بقلم أنس الشعرة
في مساء التاسع من يوليوز 2025، اجتاحت حالة من الخوف والقلق أحياء بلدة طوري باتشيكو في إقليم مرسية، بعد تعرض دومينغو طوماس، رجل مسن يبلغ 68 عامًا، لاعتداء عنيف من ثلاثة شبان مغاربة لم يكونوا من سكان البلدة، حيث تم القبض على اثنين منهم أثناء التحقيق، والثالث في إقليم غويبوسكوا. قام المعتدون بضرب الضحية وتصوير الواقعة قبل نشرها على منصات التواصل الاجتماعي، ما أشعل جدلًا واسعًا بين السكان المحليين.
وفقًا للتحقيقات الرسمية، لم يكن تداول الفيديو مجرد توثيق للجريمة، بل تم ربطه لاحقًا بما يُعرف بـ "تحدي Happy Slapping"، ما حول الواقعة إلى مادة إعلامية مثيرة للجدل وأدى إلى تضخيم الإصابات البليغة للضحية، وإشاعة التوتر بين السكان المحليين والمهاجرين، الذين شعروا بأن حياتهم اليومية باتت تحت المراقبة والتهديد نتيجة التضليل الإعلامي.
نبيل مورينو، رئيس الجالية المسلمة في البلدة، وصف تلك الليلة قائلاً: "في الليل انتشر الذعر بين الجميع، وارتسم الخوف على وجوه الأطفال والكبار على حد سواء. الأطفال لم يشعروا بالأمان في منازلهم (Por la noche la gente tiene miedo, los niños no se sienten seguros en casa). وأضاف مورينو، الذي يعيش في البلدة منذ 25 عامًا، أن جيرانه ودودون وطيبو القلب، لكنه
أشار إلى أن المتورطين في الاضطرابات جاءوا من خارج المدينة ومنظمين عبر شبكات التواصل الاجتماعي (1).
وأكدت التحقيقات الرسمية أن المعتدين على دومينغو كانوا من خارج البلدة، وأن الشائعات التي ربطت الحادث بالمهاجرين المغاربة كانت جزءًا من حملة تضليلية تهدف إلى نشر الكراهية والتحريض على العنف ضد فئات معينة من السكان، وليس لها أي أساس من الواقع.
ما ميز هذه الواقعة ليس عنفها فحسب، بل الطريقة التي استُغل بها الفيديو خارج سياقه الحقيقي. فقد ساعدت عمليات اقتطاع المحتوى ونشره دون توضيح المصادر أو الملابسات، في توجيه أصابع الاتهام نحو المهاجرين المغاربة، قبل أن تثبت التحقيقات لاحقًا أن الواقع يختلف تمامًا.
وهكذا، أصبح حادث دومينغو مثالا صارخا على التضليل الرقمي، ودرسًا حول كيف يمكن لبعض وسائل الإعلام والشبكات السياسية استثمار الأحداث الفردية لتأجيج المخاوف الجماعية وإعادة إنتاج خطاب الكراهية ضد مجموعات محددة من السكان.
تمييز اقتصادي واجتماعي
"طوري باتشيكو" واحدة من أولى المناطق الزراعية في إسبانيا التي استقبلت عددًا كبيرًا من السكان الأجانب منذ الثمانينيات، حيث يشكل الأجانب أكثر من 31 في المائة من سكانها البالغ عددهم 42 ألف نسمة (إحصائيات المجلس البلدي 2024). ويمثل المغاربة أكثر من 60 في المائة من هذه الجالية، إذ تتمركز بشكل خاص في ضواحي مثل "رولدان" و"بالسيكاس"، ويشتغل غالبية السكان في وظائف ومهن عمل هشة.
وبحسب تقرير نشر على منصة (Agenda Pública) يحمل عنوان: طوري باتشيكو خريطة لنزاع متوقع،(2) يشكّل العمال الأجانب نحو 70 في المائة، من قوة الإنتاج الزراعية في المدينة، مما يبرز دورهم الحيوي في دعم النموذج الاقتصادي الإقليمي.
ويوضح التقرير ذاته، أنه بالرغم من الأهمية الاقتصادية الكبيرة للقطاع الزراعي، فإن دخل الفرد في "طوري باتشيكو" أقل بنسبة 30 في المائة، من المتوسط الإسباني، فيما تتجاوز معدلات خطر الفقر 27 في المائة.
إن هذه الفجوات الاقتصادية تترجم إلى "تمييز ووصم اجتماعي وثقافي" واضح في أحياء مثل: رولدان وبالسيكاس ودولوريس دي باتشيكو، حيث يتركز السكان المهاجرون غالبًا في مناطق جانبية، معزولة بواسطة الطرق السريعة، وخطوط السكك الحديدية، أو المناطق الصناعية، ما يعزز الاستبعاد الهيكلي والهشاشة الاجتماعية، خاصة بين الجيل الثاني من أبناء العمال المزارعين.
في مساء التاسع من يوليوز 2025، اجتاحت حالة من الخوف والقلق أحياء بلدة طوري باتشيكو في إقليم مرسية، بعد تعرض دومينغو طوماس، رجل مسن يبلغ 68 عامًا، لاعتداء عنيف من ثلاثة شبان مغاربة لم يكونوا من سكان البلدة، حيث تم القبض على اثنين منهم أثناء التحقيق، والثالث في إقليم غويبوسكوا. قام المعتدون بضرب الضحية وتصوير الواقعة قبل نشرها على منصات التواصل الاجتماعي، ما أشعل جدلًا واسعًا بين السكان المحليين.
وفقًا للتحقيقات الرسمية، لم يكن تداول الفيديو مجرد توثيق للجريمة، بل تم ربطه لاحقًا بما يُعرف بـ "تحدي Happy Slapping"، ما حول الواقعة إلى مادة إعلامية مثيرة للجدل وأدى إلى تضخيم الإصابات البليغة للضحية، وإشاعة التوتر بين السكان المحليين والمهاجرين، الذين شعروا بأن حياتهم اليومية باتت تحت المراقبة والتهديد نتيجة التضليل الإعلامي.
نبيل مورينو، رئيس الجالية المسلمة في البلدة، وصف تلك الليلة قائلاً: "في الليل انتشر الذعر بين الجميع، وارتسم الخوف على وجوه الأطفال والكبار على حد سواء. الأطفال لم يشعروا بالأمان في منازلهم (Por la noche la gente tiene miedo, los niños no se sienten seguros en casa). وأضاف مورينو، الذي يعيش في البلدة منذ 25 عامًا، أن جيرانه ودودون وطيبو القلب، لكنه
أشار إلى أن المتورطين في الاضطرابات جاءوا من خارج المدينة ومنظمين عبر شبكات التواصل الاجتماعي (1).
وأكدت التحقيقات الرسمية أن المعتدين على دومينغو كانوا من خارج البلدة، وأن الشائعات التي ربطت الحادث بالمهاجرين المغاربة كانت جزءًا من حملة تضليلية تهدف إلى نشر الكراهية والتحريض على العنف ضد فئات معينة من السكان، وليس لها أي أساس من الواقع.
ما ميز هذه الواقعة ليس عنفها فحسب، بل الطريقة التي استُغل بها الفيديو خارج سياقه الحقيقي. فقد ساعدت عمليات اقتطاع المحتوى ونشره دون توضيح المصادر أو الملابسات، في توجيه أصابع الاتهام نحو المهاجرين المغاربة، قبل أن تثبت التحقيقات لاحقًا أن الواقع يختلف تمامًا.
وهكذا، أصبح حادث دومينغو مثالا صارخا على التضليل الرقمي، ودرسًا حول كيف يمكن لبعض وسائل الإعلام والشبكات السياسية استثمار الأحداث الفردية لتأجيج المخاوف الجماعية وإعادة إنتاج خطاب الكراهية ضد مجموعات محددة من السكان.
تمييز اقتصادي واجتماعي
"طوري باتشيكو" واحدة من أولى المناطق الزراعية في إسبانيا التي استقبلت عددًا كبيرًا من السكان الأجانب منذ الثمانينيات، حيث يشكل الأجانب أكثر من 31 في المائة من سكانها البالغ عددهم 42 ألف نسمة (إحصائيات المجلس البلدي 2024). ويمثل المغاربة أكثر من 60 في المائة من هذه الجالية، إذ تتمركز بشكل خاص في ضواحي مثل "رولدان" و"بالسيكاس"، ويشتغل غالبية السكان في وظائف ومهن عمل هشة.
وبحسب تقرير نشر على منصة (Agenda Pública) يحمل عنوان: طوري باتشيكو خريطة لنزاع متوقع،(2) يشكّل العمال الأجانب نحو 70 في المائة، من قوة الإنتاج الزراعية في المدينة، مما يبرز دورهم الحيوي في دعم النموذج الاقتصادي الإقليمي.
ويوضح التقرير ذاته، أنه بالرغم من الأهمية الاقتصادية الكبيرة للقطاع الزراعي، فإن دخل الفرد في "طوري باتشيكو" أقل بنسبة 30 في المائة، من المتوسط الإسباني، فيما تتجاوز معدلات خطر الفقر 27 في المائة.
إن هذه الفجوات الاقتصادية تترجم إلى "تمييز ووصم اجتماعي وثقافي" واضح في أحياء مثل: رولدان وبالسيكاس ودولوريس دي باتشيكو، حيث يتركز السكان المهاجرون غالبًا في مناطق جانبية، معزولة بواسطة الطرق السريعة، وخطوط السكك الحديدية، أو المناطق الصناعية، ما يعزز الاستبعاد الهيكلي والهشاشة الاجتماعية، خاصة بين الجيل الثاني من أبناء العمال المزارعين.
(صورة تظهر موقع بلدة طوري باتشيوكو)
الإعلام في خدمة النزاع
مع انتشار مقطع الفيديو الذي يوثق الاعتداء، بدأت وسائل الإعلام الإسبانية، خاصة المحسوبة على التيار اليميني مثل: "ABC"، "Alerta Digital"، "Ok Diario"، "Miditeraneo Digital"، تضخيم الحدث ونقله من واقعة فردية معزولة، إلى قضية أمنية وثقافية.
كما ركزت المواد الصحافية على تحميل المهاجرين خصوصا المغاربة، مسؤولية ما وصفته بـ"الاختلالات الأمنية" في البلدة، مؤطرة الواقعة ضمن سياق تهديد واسع للمجتمع الإسباني.
ولم تكتف التغطيات الإعلامية بالسرد الإخباري ونقل المعلومة، بل كانت عبارة عن إطار لتسويغ شعور الغضب لدى السكان، وساعدت على خلق أرضية خصبة لتصعيد النزاعات، فيما بدا أن الإعلام أصبح أداة ضغط على الساسة المحليين.
الاستغلال السياسي
تداعيات الواقعة امتدت بسرعة إلى الشارع، حيث خرجت مجموعات غاضبة، مستهدفة مهاجرين ومتاجرهم، مثل مجموعة (Deport Them Now) المدعومة من قبل اليمين المتطرف، كما حدث سابقًا مع حادثة (DANA) في فالنثيا، ما أجبر العديد من المحلات على الإغلاق خوفًا من الاعتداءات المحتملة.
واستغل حزب "فوكس" هذه الأحداث سريعًا لتوجيه انتقادات حادة للحكومة، متهمًا إياها بالفشل في حماية السكان، محمّلًا السلطة الثنائية مسؤولية ما سماه بـ "تزايد العنف من قبل المهاجرين".
رد الحكومة جاء سريعًا، حيث أعلن الأمين العام للحزب الاشتراكي في إقليم مرسية، فرانسيسكو لوكاس، في 14 يوليوز، عبر حسابه في منصة (X) أن حزبه قد قدم شكوى أمام النيابة العامة ضد خوسيه آنخيل أنتيلو، الزعيم الإقليمي لحزب فوكس، بتهمة التحريض على الكراهية.
وتأتي هذه الخطوة القانونية ردًا على تصريحات القيادي اليميني المتطرف، الذي كان يقود قبل أسبوع من ذلك حملة في المدينة بعنوان: "احمِ نفسك من انعدام الأمن"، والتي تهدد السلم الاجتماعي وكرامة آلاف الأشخاص في الإقليم، وفقًا للإشتراكيين.
مع انتشار مقطع الفيديو الذي يوثق الاعتداء، بدأت وسائل الإعلام الإسبانية، خاصة المحسوبة على التيار اليميني مثل: "ABC"، "Alerta Digital"، "Ok Diario"، "Miditeraneo Digital"، تضخيم الحدث ونقله من واقعة فردية معزولة، إلى قضية أمنية وثقافية.
كما ركزت المواد الصحافية على تحميل المهاجرين خصوصا المغاربة، مسؤولية ما وصفته بـ"الاختلالات الأمنية" في البلدة، مؤطرة الواقعة ضمن سياق تهديد واسع للمجتمع الإسباني.
ولم تكتف التغطيات الإعلامية بالسرد الإخباري ونقل المعلومة، بل كانت عبارة عن إطار لتسويغ شعور الغضب لدى السكان، وساعدت على خلق أرضية خصبة لتصعيد النزاعات، فيما بدا أن الإعلام أصبح أداة ضغط على الساسة المحليين.
الاستغلال السياسي
تداعيات الواقعة امتدت بسرعة إلى الشارع، حيث خرجت مجموعات غاضبة، مستهدفة مهاجرين ومتاجرهم، مثل مجموعة (Deport Them Now) المدعومة من قبل اليمين المتطرف، كما حدث سابقًا مع حادثة (DANA) في فالنثيا، ما أجبر العديد من المحلات على الإغلاق خوفًا من الاعتداءات المحتملة.
واستغل حزب "فوكس" هذه الأحداث سريعًا لتوجيه انتقادات حادة للحكومة، متهمًا إياها بالفشل في حماية السكان، محمّلًا السلطة الثنائية مسؤولية ما سماه بـ "تزايد العنف من قبل المهاجرين".
رد الحكومة جاء سريعًا، حيث أعلن الأمين العام للحزب الاشتراكي في إقليم مرسية، فرانسيسكو لوكاس، في 14 يوليوز، عبر حسابه في منصة (X) أن حزبه قد قدم شكوى أمام النيابة العامة ضد خوسيه آنخيل أنتيلو، الزعيم الإقليمي لحزب فوكس، بتهمة التحريض على الكراهية.
وتأتي هذه الخطوة القانونية ردًا على تصريحات القيادي اليميني المتطرف، الذي كان يقود قبل أسبوع من ذلك حملة في المدينة بعنوان: "احمِ نفسك من انعدام الأمن"، والتي تهدد السلم الاجتماعي وكرامة آلاف الأشخاص في الإقليم، وفقًا للإشتراكيين.
ومن جهته أدلى رئيس الحكومة، بيدرو سانشيز، بتصريح حول هذه الحوادث، مؤكدًا أن "العنصرية لا تتوافق مع الديمقراطية"، داعيًا إلى التحرك "بحزم". وكما فعل زميله في مرسية، نشر الرئيس تصريحاته عبر حسابه في منصة (X): "ما نراه في طورّي باتشيكو يمسنا جميعًا. يجب أن نرفع الصوت، نتحرك بحزم، وندافع عن القيم التي تجمعنا. إسبانيا بلد الحقوق، لا بلد الكراهية"(3).
لكن خطوات الحزب تسارعت أكثر لتصل إلى محاولات منع تنظيم أضحية العيد في بعض البلديات (4)، وتهديد مؤسسات محلية للضغط على صانعي القرار، في ما اعتُبر استجابة مباشرة للضغط الإعلامي والجماهيري.
لكن خطوات الحزب تسارعت أكثر لتصل إلى محاولات منع تنظيم أضحية العيد في بعض البلديات (4)، وتهديد مؤسسات محلية للضغط على صانعي القرار، في ما اعتُبر استجابة مباشرة للضغط الإعلامي والجماهيري.
لم تقف الحكومة مكتوفة الأيدي، بل رفضت هذا القرار، واعتبرته منافيًا للدستور والقانون، حيث أكدت مندوبة الحكومة في إقليم مرسية، ماريولا غيفارا، أن هذا "القرار يفتقر لأي مبرر تنظيمي أو إداري، ويستند إلى "دوافع إيديولوجية إقصائية ذات طابع ديني، أقر بها صراحة مروّجو القرار"، مشيرة إلى أن المنع يستهدف طائفة دينية محددة دون تقديم بدائل أو إثبات أي تعارض وظيفي مع المرافق العامة.
وشدّدت غيفارا على أن صلاحيات المجالس البلدية في إدارة الفضاءات العمومية "لا تمنحها الحق في تجاوز الضمانات الدستورية"، وأن مبدأ الحياد الديني للإدارات العمومية يحظر عليها الانخراط في أي إجراءات تمس ممارسة الشعائر أو تحدّ منها دون مبرر قانوني واضح.
في الوقت نفسه، فتحت النيابة العامة تحقيقات موسعة شملت منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي لأعضاء معروفين في حزب فوكس، لدراسة إمكانية تصنيفها ضمن "جرائم الكراهية المنظمة"، ما يعكس حجم تأثير الخطاب السياسي والإعلامي على المجتمع المحلي.
ويشير القانون الإسباني، إلى أن جرائم الكراهية تشمل أي جريمة تُرتكب بدافع التمييز أو الكراهية تجاه مجموعة معينة، سواء كانت بسبب العرق أو الدين أو الهوية الجنسية أو غيرها. وتنص المادة 510 من القانون الجنائي الإسباني على عقوبات تتراوح بين سنة وأربع سنوات من السجن، بالإضافة إلى غرامات مالية، للأفعال التي تحرض على التمييز أو الكراهية أو العنف ضد مجموعات أو جمعيات بناءً على هذه الأسس (5).
الشائعات تطل من وسائل التواصل الاجتماعي
لم يكن الفيديو الذي غذّى موجة الغضب في طوري باتشيكو إلا مثالًا واضحًا على التضليل الرقمي. فقد تبين لاحقًا أنّ المقطع المتداول لم يكن مرتبطًا بالحادثة الأصلية، بل يتعلق بجريمة اعتداء وقعت في مدينة ألمرية قبل أسابيع، تورط فيها شبان إسبان. غير أنّ اقتطاع الفيديو من سياقه، ونشره دون توضيح المصدر أو الملابسات، منحه شرعية زائفة وساعد في توجيه أصابع الاتهام نحو المهاجرين المغاربة (6).
الفيديو الذي لم تتجاوز مدته دقيقة و37 ثانية، ظهر لأول مرة على منصة (X) مساء 10 يوليوز 2025، عبر حسابات تابعة لشبكات يمينية متطرفة مثل: "@AlertaMurcia " و @DefiendeEspaña"، حصد آلاف المشاركات خلال ساعات.
ووفق تقرير لمنصة Newtral و "Pandemia digital" (7)، المتخصصتين في التحقق من الأخبار الزائفة والمضللة، فقد تخطت إعادة نشر الفيديو 20 ألف مرة خلال يومين فقط، رغم تأكيد الشرطة في بيان رسمي في 12 يوليوز 2025، على أنّ الواقعة لا علاقة لها بمهاجرين، فضلا عن أن يكونوا مغاربة !!
هذا التضليل لم يبق حبيس منصة (X)، بل انتشر بسرعة على فيسبوك عبر مجموعات مغلقة مثل: Vecinos de Torre Pacheco en Alerta ، التي تضم نحو 18 ألف عضو، حيث تداول الأعضاء الفيديو تحت شعارات: violencia inmigrante Basta ya de (كفى من عنف المهاجرين). هذه البيئة الرقمية المغلقة منحت الشائعة قدرة مضاعفة على الانتشار، معززة خطاب الخوف والكراهية.
والنتيجة كما أظهرتها منصة(Pandemia digital) : أن هذه الوقائع لم تكن سوى آلية منظمة تبدأ من قنوات تلغرام مثل: Deport Them Now وHerQles وDesokupa، لتنتقل إلى تويتر وتيك توك، ثم تُضفى عليها الشرعية عبر مواقع يمينية متطرفة. كما أن شخصيات مؤثرة مثل لويس بيريث وأذرع إعلامية مقربة من حزب "فوكس" ضاعفت من انتشار هذه الرسائل، بما يرسخ استراتيجية ممنهجة تهدف إلى تأجيج الكراهية ضد المهاجرين (8).
شهادات من الداخل: خوف، ألم، وتعايش يومي
تداعيات حادثة "طورّي باتشيكو" لم تظل حبيسة النقاش السياسي والإعلامي، بل انعكست مباشرة على تفاصيل الحياة اليومية للسكان. ففي شهادة بثتها قناة (La sexta)، تقول إحدى الأمهات الإسبانيات: أضطر اليوم إلى العودة إلى البيت مبكرًا… البارحة لم نخرج، كنت خائفة مع ابني… أغلقنا الباب ولم نتحرك من المنزل، في إشارة واضحة إلى شعور الخوف الذي اجتاح الأحياء (9).
ويروي غسّان، صاحب مطعم في حي سان أنطونيو، كيف هاجم شبان مسلحون بالعصي والسكاكين والغاز محله التجاري: حاولنا الفرار من الباب الخلفي… كانوا يضربون كل شيء أمامهم، في مشهد يلخص كيف لامس العنف المباشر حياة بعض الأسر والمتاجر المحلية ...(10).
الأثر النفسي لم يتوقف عند الكبار، بل طال أيضًا المراهقين. إذ روت سيدة أن ابنها البالغ من العمر 15 عامًا تعرض للضرب فقط لأن ملامحه توحي بانتماء مغاربي: ابني لم يكن جزءًا من الأحداث… لكنه دفع الثمن بسبب مظهره.
في المقابل، برزت أصوات سعت للتأكيد أن التعايش لا يزال قائمًا رغم التوترات، يوسف مهاجر مغربي يعيش في البلدة منذ أكثر من ثلاثين عامًا، قال لصحيفة (El Diario) الأسر المغربية هنا منذ عقود… أبناؤنا يدرسون ويعملون… المشكلة أن البلدية لم تستثمر في دمجهم. هؤلاء الشبان ليسوا تهديدًا، بل فرصة ضائعة...
وتؤكد جيسيكا، وهي شابة من سكان البلدة، أن الواقع أبسط مما يُروّج له: الأغنياء يعيشون مع الأغنياء، والفقراء مع الفقراء… لكن هذا لا يمنع من وجود تعايش يومي. أشتري من المتاجر المغربية والإسبانية معًا، ولم أواجه يومًا مشاكل (11).
من الشارع إلى البرلمان: استثمار الخوف سياسيًا”؟
تصاعدت موجات استغلال الحادثة من طرف "فوكس"، لتصل إلى البرلمان، فلم يتأخر نواب الحزب في استثمار الحدث سياسيًا وسارعوا إلى نشر تصريحات قوية، فقد وصف المتحدث الإقليمي باسم الحزب في مرسية ما وقع بأنه "نتيجة مباشرة لسياسات الهجرة الفاشلة التي جعلت من مدننا مسرحًا للفوضى".
لم يكن هذا الخطاب مجرد رد فعل، بل خطوة محسوبة تهدف إلى ترسيخ صورة: المهاجرين هم المسؤولون عن انهيار الأمن العام، -خصوصا المغاربة- قبل أن تكتمل التحقيقات أو تتضح حقيقة دوافع الجريمة.
على مستوى البرلمان المحلي في مرسية، تحولت الجلسات إلى منبر لنواب فوكس لتكرار الرسائل نفسها. فقد دعا أحد نواب الحزب إلى "إعادة النظر جذريًا في سياسات استقبال المهاجرين"، مطالبًا الحكومة الإقليمية بفرض إجراءات استثنائية لحماية المواطنين. هذه اللغة التصعيدية عززت مناخ التوتر في البلدة، وأعطت الانطباع بأن الحادثة ليست مجرد واقعة فردية، بل دليل على "تهديد بنيوي" يواجه المجتمع الإسباني. وبذلك، رسخ الحزب سردية تربط بين أي حادث جنائي وبين الهجرة بشكل تلقائي.
نواب فوكس لم يكتفوا بالتصريحات السياسية، بل عملوا على تضخيم الحادثة عبر الظهور المتكرر في القنوات التلفزيونية مثل: (13TV) وTelemadrid) "(، مروجين لفكرة أن "الحكومة الاشتراكية تضع حقوق المهاجرين فوق أمن الإسبان".
ووفق تقرير لصحيفة El País (11)، فإن هذه الاستراتيجية مكنت الحزب من كسب حضور واسع في النقاش العمومي، وهكذا، تحولت حادثة محلية إلى أداة لتوسيع قاعدة فوكس على الصعيد الوطني، عبر لغة تستثير المخاوف وتؤطرها في خطاب شعبوي جاهز للتكرار.
استراتيجية صناعة الخوف
لم يكن انتشار الفيديو المقتطع في "طوري باتشيكو" مجرّد صدفة عابرة، بل جزءًا من استراتيجية سياسية محسوبة، فقد استثمر "فوكس" الحادثة لتأجيج النزاع حول المهاجرين وضد المغاربة على وجه التحديد، مبرزًا نفسه كصوت لحماية الإسبان من خطر المهاجرين ومن خطر "الموروس"، في مواجهة ما يصفه بـ"فشل الدولة".
وبحسب الباحثين المختصين في خطاب "فوكس"، فإن هذه الممارسة تندرج في إطار ما يسمونه بـ سياسة الخوف (Politics of Fear)، من خلال تحويل الشائعات أو الحوادث الفردية إلى أدوات لإنتاج حالة خوف جماعي، تسمح بتأطير المهاجرين كخطر ممنهج يهدد التماسك الاجتماعي.
وفي هذا السياق، يوضح الأستاذ محمد الروين، الباحث في القانون الجنائي بجامعة الملك خوان كارلوس بمدريد، لـ"العلم"، أن القضية المحورية اليوم هي: هل نحن أمام عنصرية نسقية أم مجرد حالات عابرة؟ وهو سؤال يعكس صعوبة الحسم بين اعتبار هذه الأحداث انعكاسًا لبنية عميقة أم مجرد انزلاقات ظرفية تستغلها القوى اليمينية المتطرفة.
ويكشف السياق الإسباني أن صعود اليمين المتطرف ليس حالة محلية فقط، بل جزء من مسار أوسع تعيشه أوروبا وأمريكا، غذّته الأزمات الاقتصادية وتراجع أدوار اليسار. ومع ذلك، تظل إسبانيا حالة خاصة، إذ يشير الروين إلى أن "المزاج الاجتماعي الإسباني تاريخيًا كان منفتحا على التعايش مع الآخر العربي، بحكم الإرث الأندلسي والذاكرة المشتركة. وهذا ما يفسر خروج مظاهرات واسعة ضد العنصرية في طورّي باتشيكو، كما حدث سابقًا في إلخيدو".
لكن ما يزيد الوضع تعقيدًا هو التحول داخل المشهد الحزبي. فالحزب الشعبي، الذي حكم إسبانيا لعقود كحزب دولة، تراجع عن أدواره التقليدية واقترب بخطابه من فوكس، خاصة في ملف الهجرة. وهنا يشير الروين إلى أن هذا الفراغ السياسي أتاح لليمين المتطرف توسيع حضوره، مستثمرًا التضليل الرقمي كقناة لإعادة إنتاج خطابه.
غير أن الروين يستدرك في ختام تحليله بأن هذه التطورات، رغم خطورتها، "لا تشكل حتى الآن تهديدًا بنيويًا للتعايش في إسبانيا". ومع ذلك، فإنها تضع الحكومة أمام تحدٍ مزدوج: مواجهة تمدد خطاب الكراهية من جهة، والحفاظ على أسس الانفتاح التي ميّزت التجربة الإسبانية من جهة أخرى.
حرية المعتقد على المحك
يشكل مبدأ حرية المعتقد إحدى الركائز الأساسية للنظام الدستوري الإسباني، فقد نصّت المادة 16 من دستور 1978 على أن: تُضمن الحرية الأيديولوجية والدينية وحرية العبادة للأفراد والجماعات، ولا يحد من ممارستها سوى ما هو ضروري للحفاظ على النظام العام الذي تحميه القوانين، (Constitución Española 1978).
ويعزز هذا الضمان القانوني القانون العضوي رقم 7/1980 بشأن الحرية الدينية، الذي ينظم حقوق الأفراد والجماعات الدينية في ممارسة العبادة، التعليم الديني، الاحتفالات والمناسبات، بل وحتى الجنازات الدينية، دون أي تمييز على أساس الدين أو العقيدة.
(BOE, Ley Orgánica 7/1980 de Libertad Religiosa)، كما يحظى هذا الحق بحماية قضائية معززة، بوصفه من الحقوق الأساسية التي يمكن الطعن بشأنها أمام المحكمة الدستورية، (Guías Jurídicas La Ley).
بالرغم من هذه الترسانة القانونية، تبرز فجوة تُصنعها الوقائع اليومية، وتُكرّس التباعد بين النصوص الدستورية والقانونية من جهة، والواقع السياسي والإعلامي من جهة أخرى. يتضح هذا التباعد جليًا في طريقة تعامل الخطاب اليميني المتطرف مع قضايا المهاجرين، لا سيما المغاربة. ومن أبرز الأمثلة ما كشفه تحقيق صحيفة El País حول الشاب المغربي الذي اتُّهم ظلمًا بإحراق قاصر إسبانية في جزر الكناري، حيث تم تصويره في البداية كـ"وحش" ارتكب جريمة بشعة، قبل أن تثبت التحقيقات القضائية أن الحريق كان حادثًا عرضيًا، وأن التهمة الموجهة إليه لا أساس لها، مما أدى إلى تبرئته.
رغم هذا، استغلت بعض الأصوات السياسية والإعلامية الحادثة منذ البداية لتغذية خطاب الكراهية ضد المهاجرين، مستخدمةً القضية كـ"دليل" على الخطر الذي يمثله المغاربة. وهو ما يؤكد أن التحدي الأكبر لا يكمن فقط في حماية الحقوق عبر النصوص القانونية، بل أيضًا في مواجهة التوظيف السياسي والإعلامي الذي يحوّل قضايا فردية أو اتهامات غير مثبتة إلى وقود لخطاب الكراهية.
حادثة دومينغو في "طوري باتشيكو" تكشف الوجه الآخر للتضليل الرقمي واستغلاله سياسياً لإثارة الخوف والكراهية، مؤكدًا أن مواجهة خطاب الكراهية تتطلب يقظة المجتمع والإعلام، وحماية القيم الدستورية لضمان التعايش بدل الانقسام.
وشدّدت غيفارا على أن صلاحيات المجالس البلدية في إدارة الفضاءات العمومية "لا تمنحها الحق في تجاوز الضمانات الدستورية"، وأن مبدأ الحياد الديني للإدارات العمومية يحظر عليها الانخراط في أي إجراءات تمس ممارسة الشعائر أو تحدّ منها دون مبرر قانوني واضح.
في الوقت نفسه، فتحت النيابة العامة تحقيقات موسعة شملت منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي لأعضاء معروفين في حزب فوكس، لدراسة إمكانية تصنيفها ضمن "جرائم الكراهية المنظمة"، ما يعكس حجم تأثير الخطاب السياسي والإعلامي على المجتمع المحلي.
ويشير القانون الإسباني، إلى أن جرائم الكراهية تشمل أي جريمة تُرتكب بدافع التمييز أو الكراهية تجاه مجموعة معينة، سواء كانت بسبب العرق أو الدين أو الهوية الجنسية أو غيرها. وتنص المادة 510 من القانون الجنائي الإسباني على عقوبات تتراوح بين سنة وأربع سنوات من السجن، بالإضافة إلى غرامات مالية، للأفعال التي تحرض على التمييز أو الكراهية أو العنف ضد مجموعات أو جمعيات بناءً على هذه الأسس (5).
الشائعات تطل من وسائل التواصل الاجتماعي
لم يكن الفيديو الذي غذّى موجة الغضب في طوري باتشيكو إلا مثالًا واضحًا على التضليل الرقمي. فقد تبين لاحقًا أنّ المقطع المتداول لم يكن مرتبطًا بالحادثة الأصلية، بل يتعلق بجريمة اعتداء وقعت في مدينة ألمرية قبل أسابيع، تورط فيها شبان إسبان. غير أنّ اقتطاع الفيديو من سياقه، ونشره دون توضيح المصدر أو الملابسات، منحه شرعية زائفة وساعد في توجيه أصابع الاتهام نحو المهاجرين المغاربة (6).
الفيديو الذي لم تتجاوز مدته دقيقة و37 ثانية، ظهر لأول مرة على منصة (X) مساء 10 يوليوز 2025، عبر حسابات تابعة لشبكات يمينية متطرفة مثل: "@AlertaMurcia " و @DefiendeEspaña"، حصد آلاف المشاركات خلال ساعات.
ووفق تقرير لمنصة Newtral و "Pandemia digital" (7)، المتخصصتين في التحقق من الأخبار الزائفة والمضللة، فقد تخطت إعادة نشر الفيديو 20 ألف مرة خلال يومين فقط، رغم تأكيد الشرطة في بيان رسمي في 12 يوليوز 2025، على أنّ الواقعة لا علاقة لها بمهاجرين، فضلا عن أن يكونوا مغاربة !!
هذا التضليل لم يبق حبيس منصة (X)، بل انتشر بسرعة على فيسبوك عبر مجموعات مغلقة مثل: Vecinos de Torre Pacheco en Alerta ، التي تضم نحو 18 ألف عضو، حيث تداول الأعضاء الفيديو تحت شعارات: violencia inmigrante Basta ya de (كفى من عنف المهاجرين). هذه البيئة الرقمية المغلقة منحت الشائعة قدرة مضاعفة على الانتشار، معززة خطاب الخوف والكراهية.
والنتيجة كما أظهرتها منصة(Pandemia digital) : أن هذه الوقائع لم تكن سوى آلية منظمة تبدأ من قنوات تلغرام مثل: Deport Them Now وHerQles وDesokupa، لتنتقل إلى تويتر وتيك توك، ثم تُضفى عليها الشرعية عبر مواقع يمينية متطرفة. كما أن شخصيات مؤثرة مثل لويس بيريث وأذرع إعلامية مقربة من حزب "فوكس" ضاعفت من انتشار هذه الرسائل، بما يرسخ استراتيجية ممنهجة تهدف إلى تأجيج الكراهية ضد المهاجرين (8).
شهادات من الداخل: خوف، ألم، وتعايش يومي
تداعيات حادثة "طورّي باتشيكو" لم تظل حبيسة النقاش السياسي والإعلامي، بل انعكست مباشرة على تفاصيل الحياة اليومية للسكان. ففي شهادة بثتها قناة (La sexta)، تقول إحدى الأمهات الإسبانيات: أضطر اليوم إلى العودة إلى البيت مبكرًا… البارحة لم نخرج، كنت خائفة مع ابني… أغلقنا الباب ولم نتحرك من المنزل، في إشارة واضحة إلى شعور الخوف الذي اجتاح الأحياء (9).
ويروي غسّان، صاحب مطعم في حي سان أنطونيو، كيف هاجم شبان مسلحون بالعصي والسكاكين والغاز محله التجاري: حاولنا الفرار من الباب الخلفي… كانوا يضربون كل شيء أمامهم، في مشهد يلخص كيف لامس العنف المباشر حياة بعض الأسر والمتاجر المحلية ...(10).
الأثر النفسي لم يتوقف عند الكبار، بل طال أيضًا المراهقين. إذ روت سيدة أن ابنها البالغ من العمر 15 عامًا تعرض للضرب فقط لأن ملامحه توحي بانتماء مغاربي: ابني لم يكن جزءًا من الأحداث… لكنه دفع الثمن بسبب مظهره.
في المقابل، برزت أصوات سعت للتأكيد أن التعايش لا يزال قائمًا رغم التوترات، يوسف مهاجر مغربي يعيش في البلدة منذ أكثر من ثلاثين عامًا، قال لصحيفة (El Diario) الأسر المغربية هنا منذ عقود… أبناؤنا يدرسون ويعملون… المشكلة أن البلدية لم تستثمر في دمجهم. هؤلاء الشبان ليسوا تهديدًا، بل فرصة ضائعة...
وتؤكد جيسيكا، وهي شابة من سكان البلدة، أن الواقع أبسط مما يُروّج له: الأغنياء يعيشون مع الأغنياء، والفقراء مع الفقراء… لكن هذا لا يمنع من وجود تعايش يومي. أشتري من المتاجر المغربية والإسبانية معًا، ولم أواجه يومًا مشاكل (11).
من الشارع إلى البرلمان: استثمار الخوف سياسيًا”؟
تصاعدت موجات استغلال الحادثة من طرف "فوكس"، لتصل إلى البرلمان، فلم يتأخر نواب الحزب في استثمار الحدث سياسيًا وسارعوا إلى نشر تصريحات قوية، فقد وصف المتحدث الإقليمي باسم الحزب في مرسية ما وقع بأنه "نتيجة مباشرة لسياسات الهجرة الفاشلة التي جعلت من مدننا مسرحًا للفوضى".
لم يكن هذا الخطاب مجرد رد فعل، بل خطوة محسوبة تهدف إلى ترسيخ صورة: المهاجرين هم المسؤولون عن انهيار الأمن العام، -خصوصا المغاربة- قبل أن تكتمل التحقيقات أو تتضح حقيقة دوافع الجريمة.
على مستوى البرلمان المحلي في مرسية، تحولت الجلسات إلى منبر لنواب فوكس لتكرار الرسائل نفسها. فقد دعا أحد نواب الحزب إلى "إعادة النظر جذريًا في سياسات استقبال المهاجرين"، مطالبًا الحكومة الإقليمية بفرض إجراءات استثنائية لحماية المواطنين. هذه اللغة التصعيدية عززت مناخ التوتر في البلدة، وأعطت الانطباع بأن الحادثة ليست مجرد واقعة فردية، بل دليل على "تهديد بنيوي" يواجه المجتمع الإسباني. وبذلك، رسخ الحزب سردية تربط بين أي حادث جنائي وبين الهجرة بشكل تلقائي.
نواب فوكس لم يكتفوا بالتصريحات السياسية، بل عملوا على تضخيم الحادثة عبر الظهور المتكرر في القنوات التلفزيونية مثل: (13TV) وTelemadrid) "(، مروجين لفكرة أن "الحكومة الاشتراكية تضع حقوق المهاجرين فوق أمن الإسبان".
ووفق تقرير لصحيفة El País (11)، فإن هذه الاستراتيجية مكنت الحزب من كسب حضور واسع في النقاش العمومي، وهكذا، تحولت حادثة محلية إلى أداة لتوسيع قاعدة فوكس على الصعيد الوطني، عبر لغة تستثير المخاوف وتؤطرها في خطاب شعبوي جاهز للتكرار.
استراتيجية صناعة الخوف
لم يكن انتشار الفيديو المقتطع في "طوري باتشيكو" مجرّد صدفة عابرة، بل جزءًا من استراتيجية سياسية محسوبة، فقد استثمر "فوكس" الحادثة لتأجيج النزاع حول المهاجرين وضد المغاربة على وجه التحديد، مبرزًا نفسه كصوت لحماية الإسبان من خطر المهاجرين ومن خطر "الموروس"، في مواجهة ما يصفه بـ"فشل الدولة".
وبحسب الباحثين المختصين في خطاب "فوكس"، فإن هذه الممارسة تندرج في إطار ما يسمونه بـ سياسة الخوف (Politics of Fear)، من خلال تحويل الشائعات أو الحوادث الفردية إلى أدوات لإنتاج حالة خوف جماعي، تسمح بتأطير المهاجرين كخطر ممنهج يهدد التماسك الاجتماعي.
وفي هذا السياق، يوضح الأستاذ محمد الروين، الباحث في القانون الجنائي بجامعة الملك خوان كارلوس بمدريد، لـ"العلم"، أن القضية المحورية اليوم هي: هل نحن أمام عنصرية نسقية أم مجرد حالات عابرة؟ وهو سؤال يعكس صعوبة الحسم بين اعتبار هذه الأحداث انعكاسًا لبنية عميقة أم مجرد انزلاقات ظرفية تستغلها القوى اليمينية المتطرفة.
ويكشف السياق الإسباني أن صعود اليمين المتطرف ليس حالة محلية فقط، بل جزء من مسار أوسع تعيشه أوروبا وأمريكا، غذّته الأزمات الاقتصادية وتراجع أدوار اليسار. ومع ذلك، تظل إسبانيا حالة خاصة، إذ يشير الروين إلى أن "المزاج الاجتماعي الإسباني تاريخيًا كان منفتحا على التعايش مع الآخر العربي، بحكم الإرث الأندلسي والذاكرة المشتركة. وهذا ما يفسر خروج مظاهرات واسعة ضد العنصرية في طورّي باتشيكو، كما حدث سابقًا في إلخيدو".
لكن ما يزيد الوضع تعقيدًا هو التحول داخل المشهد الحزبي. فالحزب الشعبي، الذي حكم إسبانيا لعقود كحزب دولة، تراجع عن أدواره التقليدية واقترب بخطابه من فوكس، خاصة في ملف الهجرة. وهنا يشير الروين إلى أن هذا الفراغ السياسي أتاح لليمين المتطرف توسيع حضوره، مستثمرًا التضليل الرقمي كقناة لإعادة إنتاج خطابه.
غير أن الروين يستدرك في ختام تحليله بأن هذه التطورات، رغم خطورتها، "لا تشكل حتى الآن تهديدًا بنيويًا للتعايش في إسبانيا". ومع ذلك، فإنها تضع الحكومة أمام تحدٍ مزدوج: مواجهة تمدد خطاب الكراهية من جهة، والحفاظ على أسس الانفتاح التي ميّزت التجربة الإسبانية من جهة أخرى.
حرية المعتقد على المحك
يشكل مبدأ حرية المعتقد إحدى الركائز الأساسية للنظام الدستوري الإسباني، فقد نصّت المادة 16 من دستور 1978 على أن: تُضمن الحرية الأيديولوجية والدينية وحرية العبادة للأفراد والجماعات، ولا يحد من ممارستها سوى ما هو ضروري للحفاظ على النظام العام الذي تحميه القوانين، (Constitución Española 1978).
ويعزز هذا الضمان القانوني القانون العضوي رقم 7/1980 بشأن الحرية الدينية، الذي ينظم حقوق الأفراد والجماعات الدينية في ممارسة العبادة، التعليم الديني، الاحتفالات والمناسبات، بل وحتى الجنازات الدينية، دون أي تمييز على أساس الدين أو العقيدة.
(BOE, Ley Orgánica 7/1980 de Libertad Religiosa)، كما يحظى هذا الحق بحماية قضائية معززة، بوصفه من الحقوق الأساسية التي يمكن الطعن بشأنها أمام المحكمة الدستورية، (Guías Jurídicas La Ley).
بالرغم من هذه الترسانة القانونية، تبرز فجوة تُصنعها الوقائع اليومية، وتُكرّس التباعد بين النصوص الدستورية والقانونية من جهة، والواقع السياسي والإعلامي من جهة أخرى. يتضح هذا التباعد جليًا في طريقة تعامل الخطاب اليميني المتطرف مع قضايا المهاجرين، لا سيما المغاربة. ومن أبرز الأمثلة ما كشفه تحقيق صحيفة El País حول الشاب المغربي الذي اتُّهم ظلمًا بإحراق قاصر إسبانية في جزر الكناري، حيث تم تصويره في البداية كـ"وحش" ارتكب جريمة بشعة، قبل أن تثبت التحقيقات القضائية أن الحريق كان حادثًا عرضيًا، وأن التهمة الموجهة إليه لا أساس لها، مما أدى إلى تبرئته.
رغم هذا، استغلت بعض الأصوات السياسية والإعلامية الحادثة منذ البداية لتغذية خطاب الكراهية ضد المهاجرين، مستخدمةً القضية كـ"دليل" على الخطر الذي يمثله المغاربة. وهو ما يؤكد أن التحدي الأكبر لا يكمن فقط في حماية الحقوق عبر النصوص القانونية، بل أيضًا في مواجهة التوظيف السياسي والإعلامي الذي يحوّل قضايا فردية أو اتهامات غير مثبتة إلى وقود لخطاب الكراهية.
حادثة دومينغو في "طوري باتشيكو" تكشف الوجه الآخر للتضليل الرقمي واستغلاله سياسياً لإثارة الخوف والكراهية، مؤكدًا أن مواجهة خطاب الكراهية تتطلب يقظة المجتمع والإعلام، وحماية القيم الدستورية لضمان التعايش بدل الانقسام.
مصادر التقرير:
https://www.bbc.com/mundo/articles/ckglpjpxzwno
https://agendapublica.es/noticia/20066/torre-pacheco-cartografia-conflicto-anunciado
https://elpais.com/espana/2025-08-06/pp-y-vox-de-jumilla-murcia-prohiben-la-celebracion-en-espacios-publicos-de-las-dos-grandes-festividades-musulmanas.html
https://www.abc.es/espana/vox-culpa-gobierno-respuesta-violenta-torre-pacheco-20250715144735-nt.html
https://elpais.com/espana/2025-07-14/el-psoe-de-murcia-y-podemos-denuncian-ante-la-fiscalia-al-lider-regional-de-vox-por-un-posible-delito-de-odio.html
https://www.pineradelolmo.com/es/delitos-de-odio/
https://www.pandemiadigital.net/bulos/los-cinco-bulos-mas-virales-sobre-lo-ocurrido-en-torre-pacheco/
https://www.lasexta.com/noticias/sociedad/miedo-instala-torrepacheco-dejamos-salir-nuestros-hijos_202507146875493c525aa26f9a4caffb
https://www.antena3.com/noticias/sociedad/cuarta-noche-disturbios-torre-pacheco-queremos-queremos-gente-que- -
https://www.eldiario.es/murcia/creci-odiando-marroquies-case-convivencia-real-torre-pacheco-vence-relato
https://elpais.com/espana/2025-07-15/la-fiscalia-de-murcia-investigara-al-lider-regional-de-vox-por-sus-afirmaciones-sobre-los-incidentes-en-torre-pacheco.html
https://www.bbc.com/mundo/articles/ckglpjpxzwno
https://agendapublica.es/noticia/20066/torre-pacheco-cartografia-conflicto-anunciado
https://elpais.com/espana/2025-08-06/pp-y-vox-de-jumilla-murcia-prohiben-la-celebracion-en-espacios-publicos-de-las-dos-grandes-festividades-musulmanas.html
https://www.abc.es/espana/vox-culpa-gobierno-respuesta-violenta-torre-pacheco-20250715144735-nt.html
https://elpais.com/espana/2025-07-14/el-psoe-de-murcia-y-podemos-denuncian-ante-la-fiscalia-al-lider-regional-de-vox-por-un-posible-delito-de-odio.html
https://www.pineradelolmo.com/es/delitos-de-odio/
https://www.pandemiadigital.net/bulos/los-cinco-bulos-mas-virales-sobre-lo-ocurrido-en-torre-pacheco/
https://www.lasexta.com/noticias/sociedad/miedo-instala-torrepacheco-dejamos-salir-nuestros-hijos_202507146875493c525aa26f9a4caffb
https://www.antena3.com/noticias/sociedad/cuarta-noche-disturbios-torre-pacheco-queremos-queremos-gente-que- -
https://www.eldiario.es/murcia/creci-odiando-marroquies-case-convivencia-real-torre-pacheco-vence-relato
https://elpais.com/espana/2025-07-15/la-fiscalia-de-murcia-investigara-al-lider-regional-de-vox-por-sus-afirmaciones-sobre-los-incidentes-en-torre-pacheco.html
رئيسية 








الرئيسية




