Quantcast
2026 مارس 19 - تم تعديله في [التاريخ]

عابر كلمات.. "سيرة الألم من الذات إلى العالم"


عابر كلمات.. "سيرة الألم من الذات إلى العالم"
العلم - بقلم الدكتور كمال أكوجكال

عندما أكتب، أكتب بحثا عن الشفاء... لاحظت أنني أكتب في الغالب بحثا عن دواء...

لماذا أكتب؟ أكتب لأن قلبي أرض قاحلة تبحث عما قد تجود به السماء...

أكتب كلما اشتد الحال، أكتب وكأن كتاباتي من الجفاف للأمطار نداء...

أكتب لأن جسدي يشعر بأن عدم صونه يقربني من تلبية النداء...

أكتب صونا لهذا البدن، أكتب أيضا لذاتي وجوارحي التي أثرت فيها بعض المحن...

أكتب لأن للأحزان الكتابة أفضل ترياق...

أكتب لأنني لأيام الصبا مشتاق...

أكتب لأن بيني وبين الكتابة فعلا طال الفراق...

أكتب اليوم، كما كتبت بالأمس وسأكتب غدا، مهما كان السياق...

أبحث عن نفسي وأناجيها، أعاتبها على النسيان والاحتراق...

اندلعت في داخلي نيران ولا بد من إطفائها...

أكتب مضمدا جراحي وجراح الناس ولست عنها تائها...

أعيش مع الناس في هذه الدنيا وفي متاهاتها...

كل ما في الدنيا مسطر، كنت أنت الغالب أو المغلوب، كل ما يحدث في الدنيا، كما يقولون، مكتوب...

وكل ما يكتب الكتاب نابع من دواخلهم، أو قل من القلوب...

أكتب ولعلي أسكب أسقامي... أكتب شافيا أحزاني مذكرا إياها بأحلى أيامي...

أكتب تبييضا لصفحات سوداء... سطوري تحرر روحي من طول العناء...

أتذكر أثناء الكتابة حلو الكلام وروعة بعض الشدو والغناء...

أسكب حبري وكأني أسكب الداء على الورق...

تنسل مني الحروف كأنها لحظات من الزمن تسرق...

تنفصل الكلمات عن ذاتي وكأنها أملاح ذهب بها عني ومني العرق...

صيف وخريف، ثم شتاء وربيع... فصلت الأمور بين الأرض والسماء بشكل بديع...

توالت كل يوم الساعات فاصلة الدجى عن نور النهار بشكل خليع...

تخلع الشمس عن اليوم عباءة الليل وسواده، 

فيهب الناس هرولة، كل يسعى لنيل مراده...

ثم تكتسي الدنيا ظلمة وكأن العيش في الدنيا لعبة في ملعب فاره...

يتسابق الناس على الأرزاق، وحتى أحلامهم لا تخلوا من مسابقات...

يركضون سعيا للسعادة ولا توقفهم سوى علة أو نكسة من النكسات... فيتوقفون ويتأملون وكأنهم استيقظوا  للتو من سبات...

أسر لي صديق عزيز بعد مغادرته لسرير أحد المستشفيات، أنه طوال أيام العجز والوهن لم يشتق سوى لرؤية جمال البحر والأشجار والنباتات...

عاد من لباس الموت إلى الحياة... عاد متلهفا لجمال الملعب ولكل الملذات...

عاد من روتين النوم في المستشفيات، عاد بعد أن كل من لغط الأطباء والممرضات...

لم يعلم أنه استيقظ من النوم ليغط مجددا في سبات...

سبات الدنيا المنادي لكل مغامر... سبات الدنيا الذي يتلاعب كما يتلاعب بنا الزمن الغادر...

سبات يجعل أمانينا أحلاما وحدائق غناء...

سبات يجعل أهوالنا كوابيس يقظة وجمر يزيدنا شقاء... 

بعد مدة ليست بالطويلة، عاد المرض ليسكن بدن صديقي العزيز...

عاد إليه ورأيته يتألم ويتحسر... يتحسر على اقتراب لحظة الفراق ولم يكن ذلك لا مبالغة ولا سر...

أبو العلل الذي لا يريد أحد مواجهته لأنه سيكون لا محالة خاسر... 

يتحسر بمرارة أيضا عما يقوله له بعض الزوار الوافدين عليه في المنزل...

قال له أحدهم : إن الفرق بينك وبيننا أنه لم يعد لديك اليوم مستقبل...

ما هذه القسوة؟ ما هذه المهزلة؟ ما هذا الهراء؟

أليس الأجدى بدل تحطيم الناس، أن نكون إلى جانبهم، ولا سيما في الضراء؟

ثم جاء يوم ما، ورفض الجسد طول العناء...

فأسلم الروح مبتسما متيقنا أن روحه ستظل خالدة في دار البقاء...

لم أحضر مراسيم الدفن، ولكني حضرت "حفل العزاء"...

قال فيه بعض أصدقائه وبعض طلبته كلمات أنارت ظلمة تلك الليلة... ومكثت صامتا أنظر وأفكر أننا في هذا النوع من النكبات ليس لنا أبدا من حيلة...

كنت أفكر في أمور الفقد ولوعة الشوق وأمور أخرى كثيرة،

كنت أفكر في بناته وأرملته وأمني النفس ألا تكون حياتهن بعده مريرة...

المرارة، لمن تجرع علقمها، تلتهم كل شيء كاللهب، قد تجعلك عاجزا أو عليل الروح والقلب...

وقد تغير أيضا حياتك وتقلبها رأسا على عقب...

تجرع نزار قباني مرارة الفقد في عدة مناسبات...

وجعل منها فنا وشعرا يفوح عطرا في كل مرة من المرات...

قطع انتحار وصال لأخيها الأوصال...

فانفجر شعرا بدل أن يمكث حزينا وتحت رحمة  تلك الأهوال...

غنى شاعر المرأة للمرأة أناشيد وذكرها على الدوام بأنه انسان عنيد...

عنيد لأنه يكن لها من محافل العشق الحب العتيد...

ثم أتت النكسة... نكسة كل العرب...

نكسة أتت حينها من تحالف بين العدو وبعض دول الغرب...

انكسر شاعر الياسمين، وهجر شعر الرومانسية، صار يكتب قصائد عن النكبات وعن الثغرات السياسية.

تحولت في وجدانه صورة المرأة الجميلة، تجسد جسدها في بدن البلدان العربية العليلة...

وعندما ماتت زوجته بلقيس في إحدى التفجيرات...

انفطر قلبه وزاد لذعه للعرب الذين لم يكن يهمهم شيء عدا الحوريات...

وبعدها بقليل اضطر، كما غيره، إلى منفى قسري...

كان دمشقيا عاشقا لبيروت كما عشق بغداد سندباد البحري...

الحرب والقصف حول إلى رماد بيروت وكل ما فيها من أمر سحري...

في المنفى قضى ابنه، نعم ابنه توفيق قضى نحبه...

ليس هناك أمر في الحياة من دفن الأصول للفروع، 

ليس هناك أقسى من أن يرى من شاب انطفاء الفروع، المغادرة الأبدية لمن لا تزال أحلامه في عداد المشروع...

لم يتوقف أبدا عن الكتابة نزار على الرغم من كل النكسات، بل قل هي انتكاسات.... انتكاسات وعلل الدنيا والحياة وما فيها من خيبات...

راح الشاعر يدون ويحرر القصائد ولو جاءت مواضيعها عن أحلك الأيام والذكريات... عاش إلى نهاية القرن موزعا علينا أبياته وكأنها ورود قطفت من الجنة، 

واصل الإبداع بهمة، ولو عليه أكثر من مخلوق تجنى...

وما كان لبعضنا إلا ببعض أروع قصائده تغنى...

غنى أقوى قصائده عبد الحليم حافظ ولو أن الأزمنة لم تكن مثالية، 

ثم رفعت أخرى كاظم وماجدة إلى النجومية، وستقودهم يوما ما إلى العالمية، ذلك رهين بأن تتطور لغتنا العربية وأن يعاند قراؤها ومتحدوثها من يتحدث أو يهوى فقط اللغات الأجنبية... سنصل إلى ذلك كما وصل غيرنا بعدنا، ستتمكن العربية من مضاهاة ما بلغته اليوم اللغة الصينية، 

سنلحق بالركب، ولن ننتحر كما وصال لأننا نرفض رفضا قاطعا تقاليد العبودية...

              

















MyMeteo




Facebook
YouTube
Newsletter
Rss

الاشتراك بالرسالة الاخبارية
أدخل بريدك الإلكتروني للتوصل بآخر الأخبار